الصحف تحذر: تعمق التدهور في القدس سيجر انتفاضة في الضفة
حذرت الصحف الاسرائيلية الصادرة اليوم في مقالات تحليلية من ابعاد التدهور الأمني في القدس، والمتصاعد منذ اختطاف وقتل الفتى محمد ابو خضير، واجمعت على ان استمرار هذا التدهور، والذي يتوقع تعمقه في حال اقدام اسرائيل على المس بالوضع الراهن في البلدة القديمة، خاصة في محيط الحرم القدسي، من شأنه الوصول الى الضفة الغربية وجر انتفاضة ثالثة.
تأتي هذه التحذيرات على خلفية عملية الدهس التي وقعت في القدس الغربية، امس، والتي اسفرت عن مقتل طفلة اسرائيلية، ومن ثم قتل السائق الفلسطيني بنيران شرطي اسرائيلي. وسارعت إسرائيل، بمنظومتيها السياسية والامنية الى اعتبار حادث الدهس متعمدا وعلى خلفية قومية، هاجم رئيس الحكومة نتنياهو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ملمحا الى ان هذا العمل هو نتاج شراكته مع حماس في الحكومة الفلسطينية.
واعلن وزير الامن الداخلي، يتسحاق اهرونوفيتش، عن تعزيز قوات الشرطة وحرس الحدود في القدس، ابتداء من صباح اليوم، كما نشر موقع “واللا” العبري. فيما ذكرت صحيفة “يديعوت احرونوت” ان الحادث دفع الشاباك الى الصورة وسيبدأ منذ اليوم بتصعيد نشاطه في القدس الشرقية.
وحسب “يسرائيل هيوم” فقد أمر اهرونوفيتش، بتعزيز قوات الشرطة في القدس، في اعقاب ازدياد التوتر اثر عملية الدهس التي وقعت في “غبعات هتحموشت” امس. وقال اهرونوفيتش “اننا نتحدث عن عملية دهس قومية، وسيتواصل الفحص. نحن نعرف من نفذ العملية، والشاباك وشرطة القدس يواصلون الفحص”. وقال الوزير انه يجب الاستعداد في كل القدس لأحداث وتظاهرات، وقد طلبت من رئيس الحكومة تعزيز قوة الشرطة بكتيبة اضافية، ستصل الى المدينة صباح غد (اليوم). يتحتم علينا تهدئة المدينة”.
وقال الوزير انه لا يلاحظ بداية انتفاضة ولكنه يشاهد امورا ليست بسيطة ويتحتم وقفها، وهذا هو دور الشرطة.
اما “يديعوت احرونوت” فكتبت ان “موجة العنف التي تضرب القدس في السنوات الأخيرة، على خلفية قومية، والتي وصلت الى قمتها، امس، في العملية القاتلة في “غبعات هتحموشت” أدخلت الشاباك الى الصورة، وسيبدأ العمل في القدس الشرقية للكشف عن المشاغبين واعتقالهم”. واضافت ان رئيس الحكومة صادق على ادخال الشاباك الى الصورة وزيادة قوات حرس الحدود في شرقي القدس. وقال القائد العام للشرطة، امس، ان “المهمة قومية والكل شركاء فيها”.
وأضافت الصحيفة ان الشرطة قامت بتطيير بالون مراقبة قرب شعفاط وبيت حنينا، في سبيل اجتثاث ظاهرة رشق الحجارة والزجاجات الحارقة على القطار الخفيف. فهذا البالون سيبث صورا مباشرة الى الشرطة ويتيح لها تعقب ما يحدث في المنطقة، وهكذا ستتمكن الشرطة من ضبط المشاغبين متلبسين بالجرم.
مواجهات في العيسوية وسلوان
وكتبت صحيفة “هآرتس” ان “المواجهات اندلعت في القدس الشرقية، مساء امس بعد عملية الدهس في شمال المدينة. ووقعت اعمال الشغب، بشكل خاص، في حي العيسوية، وفي حي سلوان الذي يقيم فيه السائق عبد الرحمن الشلودي. وقد اقام الشبان متاريس من الحجارة ورشقوا الحجارة والزجاجات الحارقة والمفرقعات النارية باتجاه قوات الشرطة، التي استخدمت اسلحة تفريق المظاهرات ضد الفلسطينيين. وفي المقابل رشق عشرات الفلسطينيين الحجارة على قوات الأمن في قلنديا، وتم تفريقهم بقنابل الغاز والصدمات.
وكان حادث الدهس، الذي اعتبرته الأجهزة الأمنية عملية ارهابية، قد وقع في محطة القطار الخفيف في منطقة “غبعات هتحموشت”، بعد ظهر أمس، واسفر عن مقتل الطفلة حايا زيسل براون (ثلاثة أشهر) واصابة ثمانية اشخاص، بينهم شابة (20 عاما) اصيبت بجراح بالغة، فيما اصيب شخصان بجراح متوسطة، والبقية بجراح طفيفة. وقام شرطي باطلاق النار على السائق، اثناء محاولته الهرب من مكان الحادث، واصابه بجراح بالغة. وعلم ان السائق سافر لمسافة 15 مترا على خطوط القطار الخفيف قبل اصابته للمسافرين الذين نزلوا من القطار، وواصل السير بموازاة القطار واصابة المسافرين، وتوقفت السيارة على مسافة 100 متر، فحاول سائقها الهرب، الا انه تم اطلاق النار عليه واصابته بجراح بالغة توفي متأثرا بها.
واشارت “يسرائيل هيوم” الى ان منفذ العملية عبد الرحمن الشلودي، هو ناشط في حماس وكان معتقلا لفترة 16 شهرا، واطلق سراحه في ديسمبر 2013، وهو ابن شقيق محيي الدين الشريف، القائد السابق لكتائب عز الدين القسام، والذي اغتالته إسرائيل في 1998. وكان الشريف قد استبدل يحيى عياش الذي اغتيل على ايدي الجيش، ايضا. وحسب تقارير فلسطينية فقد داهمت قوات الأمن، امس، منزل المخرب الذي توفي في المستشفى متأثرا بجراحه.
نتنياهو يحرض على ابو مازن وريبلين يتهم العالم العربي بدعم العنف!
وقالت الصحيفة ان الجهاز السياسي الاسرائيلي رد بشدة على عملية القدس. وعقد رئيس الحكومة نتنياهو، مشاورات امنية هاجم خلالها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقال: “هكذا يعمل شركاء ابو مازن في الحكومة، ابو مازن نفسه الذي حرض قبل ايام على المس باليهود في القدس”.
وقال رئيس الدولة رؤوبين ريبلين، ان “التحريض المتزايد في الشارع العربي وفي شوارع القدس، والذي يحظى لأسفنا بالدعم من قبل القيادة في العالم العربي، يمكنه ان ينزل كارثة بنسيج الحياة الحساس في القدس وجرنا جميعا الى دوامة الخراب والألم”.
اما الوزير نفتالي بينت فقال “ان الشيطان لم يخلق الانتقام بدم طفلة في الشهر الثالث من عمرها، ويجب على الشرطة ووزارة الامن الداخلي التعامل مع كل رشق للحجارة كعمل ارهابي”.
ونقل موقع المستوطنين (القناة السابعة) عن بينت قوله ان الحكومة فشلت خلال العام الأخير، بتوفير الأمن لسكان القدس، معتبرا ان ما حدث هذا المساء (الاربعاء) يشكل استمرارا لمئات العمليات التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة والتي بقيت بدون رد ملائم. وأضاف: “من يتخوف من البناء في القدس، ومن يتجاوز رشق الحجارة في العاصمة، ومن يسمح باحراق محطات وقود ومحطات قطار، يعلن انه يتخلى عن السيادة في القدس”. واكد بينت: “لا وجود للأمن وحان الوقت للاستيقاظ”.
من جهته قال الوزير اوري اريئيل ان “العنف في القدس وصل الى قمته ويجب وقفه”. وطالب رئيس الحكومة ووزير الأمن الداخلي بالعمل بشدة وتعزيز قوات الأمن في القدس.
وقال رئيس لجنة المالية نيسان سلوميانسكي انه آن الأوان لوضع حد للانتفاضة الهادئة واعادة الأمن الى شوارع القدس. كما قال رئيس البلدية نير بركات ان الوضع غير محتمل ويجب اعادة الأمن الى القدس.
الاتحاد الأوروبي يبلور خطوطا حمراء للعمل في الضفة واسرائيل تتخوف من فرض عقوبات عليها
كشفت صحيفة “هآرتس” عن وثيقة اوروبية تتضمن عدة خطوط حمراء يحذر الاتحاد الاوروبي إسرائيل من خرقها في الضفة الغربية والقدس الشرقية، معتبرا ان هذا الخرق سيؤثر بشكل بالغ على تطبيق حل الدولتين وجعل القدس عاصمة مشتركة للبلدين.
وجاء في التقرير ان الاتحاد الاوروبي يسعى الى فتح مفاوضات مع اسرائيل بهدف التوصل الى تفاهمات تهدف الى منعها من تنفيذ سلسلة من التدابير في الضفة الغربية، والتي تعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء، وتشكل خطرا على امكانية اقامة الدولة الفلسطينية العتيدة.
وتتخوف وزارة الخارجية الاسرائيلية من ان تشكل هذه المفاوضات فاتحة لفرض عقوبات اوروبية اخرى على اسرائيل.
وكتبت الصحيفة انه خلال الأسابيع الأخيرة، ومنذ اعلان تأميم 4000 دونم في غوش عتسيون، وبشكل أشد منذ دفع مخطط بناء حي يهودي في غبعات همطوس، وراء الخط الأخضر في القدس، جرت مداولات في مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بين سفراء الدول الأعضاء حول سبل الرد الممكن. وخلال المداولات تقرر تحويل رسالة شديدة اللهجة الى إسرائيل نيابة عن كافة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تركز على الخطوات الاسرائيلية التي تخلق تهديدا متزايدا لهدف الحفاظ على امكانية تطبيق حل الدولتين.
ومن المفروض تحويل هذه الرسالة من قبل سفير الاتحاد الاوروبي لدى اسرائيل، لارس فابورغ اندرسون، الذي ينتظر اجتماعه، خلال الأيام القريبة، مع مدير عام وزارة الخارجية، نيسيم بن شطريت، ومع مستشار الأمن القومي في ديوان رئيس الحكومة، يوسي كوهين، ليعرض عليهما بدء مفاوضات حول النقاط التي تقلق الاتحاد الاوروبي ومحاولة التوصل الى تفاهمات بشأنها.
وجاء في الوثيقة التي يفترض بالسفير تسليمها الى إسرائيل، ان “الاتحاد الاوروبي يضع مسالة الحفاظ على حل الدولتين في مقدمة جدول اولوياته، والطريق الوحيدة لحل الصراع تتم من خلال اتفاق ينهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967، ويضع حدا للمطالب المتبادلة ويلبي طموحات الجانبين. ذلك ان حل الدولة الواحدة لا يلبي هذه المطامح”.
تحذير من البناء في القدس الشرقية
وتحدد الوثيقة المؤلفة من صفحتين، عدة “خطوط حمراء” يطرحها الاتحاد الأوروبي بشأن الاجراءات الاسرائيلية في الضفة الغربية، وفي مقدمتها: الامتناع عن البناء في غبعات همطوس وراء الخط الأخضر. واعتبرت الوثيقة ان هذا البناء سيشكل خطرا على امكانية قيام دولة فلسطينية ذات تواصل اقليمي، ومن شأنه ان لا يسمح للقدس بان تكون عاصمة للدولتين.
وجاء في الوثيقة: “نحذر الحكومة الاسرائيلية من دفع نشر مناقصات وبناء في الحي، فمثل هذا التطور سيخلق فرض المزيد من الوقائع الخطيرة على الأرض والتي يمكنها ان تحدد مسبقا نتائج المفاوضات”.
ثانيا: الامتناع عن البناء في المنطقة E1 بين معاليه ادوميم والقدس. وجاء في الوثيقة ان البناء في هذه المنطقة سيهدد التواصل الاقليمي للدولة الفلسطينية العتيدة، وكان الاتحاد الاوروبي قد عارض بشدة في السابق مخططات التطوير في هذه المنطقة.
اما الخط الأحمر الثالث فيتعلق بمنع البناء الاضافي في حي “هار حوماة” (جبل ابو غنيم) جنوب – شرق القدس.
وتطرح الوثيقة، ايضاً، مطلب الغاء مخطط اخلاء 12 الف بدوي بشكل قسري من اماكن سكناهم الحالية في الضفة الغربية، بما في ذلك منطقة E1، ومنع نقلهم رغما عن ارادتهم الى بلدات ثابتة في غور الأردن. ودعا الاتحاد الاوروبي إسرائيل الى تجميد هذه الخطة والبحث عن حل آخر بالتعاون مع الجمهور المعني ومع السلطة الفلسطينية. واكد الاتحاد الاوروبي ان تنفيذ هذه الخطة سيشكل خرقا خطيرا للقانون الانساني الدولي ومعاهدة جنيف الرابعة.
تحذير من تغيير الوضع الراهن في الاقصى
اما النقطة الخامسة في الوثيقة فهي مطالبة اسرائيل بالامتناع عن تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي. وجاء في الوثيقة ان محاولات تحدي الوضع الراهن في الحرم خلقت عدم الاستقرار في القدس الشرقية وزادت من التوتر.
وفي هذا السياق قال دبلوماسي اوروبي رفيع ان قنصليات الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي في القدس ورام الله، خططت لتنظيم جولة في الحرم القدسي اليوم الخميس، لكنها الغت ذلك في اللحظة الأخيرة خشية ان تعتبر اسرائيل ذلك خطوة استفزازية.
وحسب الوثيقة فقد طلب الى السفير الأوروبي التوضيح لإسرائيل بأن الاتحاد الاوروبي معنيا باجراء مفاوضات حول هذه المسائل وغيرها من القضايا المرتبطة بالأراضي الفلسطينية المحتلة. وقال دبلوماسيون اوروبيون ان المداولات التي جرت في بروكسل لم تقرر نهائيا ما هي “الخطوط الحمراء” الأوروبية في الضفة والتي سيتم التفاوض عليها مع اسرائيل، وما هي ابعادها وخطوات الرد الأوروبي على خرقها.
وقال دبلوماسي اوروبي رفيع، ان “بعض الدول، وفي مقدمتها فرنسا، تعتقد انه يجب اطلاع اسرائيل على العقوبات العينية التي سيتم فرضها في حال القيام بتدابير عينية، كي لا تكون العقوبات مفاجئة وكي يكون الثمن واضحا”.
وقالوا في وزارة الخارجية في القدس انهم يلاحظون منذ عدة أسابيع استعدادات الاتحاد الاوروبي لتشديد لهجته ازاء اسرائيل. وتم خلال مداولات جرت في الوزارة، قبل يومين، التكهن بأن الرسالة التي سيحولها السفير ستشكل الرصاصة الاولى لتطبيق العقوبات الاوروبية الجديدة ضد المستوطنات في الضفة الغربية.
وقال مسؤول رفيع في الوزارة “ان المفاوضات التي يعرضها الاتحاد الاوروبي علينا هي في الواقع دعوة لسماع ادعاءاتنا قبل النطق بالعقوبة. لدينا شعور بأنهم يتوقعون منا رفض الاقتراح كي نمنحهم ذريعة لدفع العقوبات ضدنا، او نوافق على المفاوضات التي سنتحدث خلالها، كما هو واضح، عن العقوبات التي ستفرض علينا”.
اصابة ضابطة وجندي بنيران المهربين المصريين
ذكرت صحيفة “هآرتس” نقلا عن مصادر امنية، ان ضابطة وجندي من كتيبة “كركل” في الجيش الاسرائيلي، اصيبا امس الاربعاء، جراء تعرضهما الى النيران من قبل مهربين للمخدرات بالقرب من الحدود المصرية. وقال مسؤول امني اسرائيلي ان الحادث وقع على خلفية جنائية، وان مطلقي النيران حاولوا تهريب مخدرات عبر الحدود.
وحسب التحقيق العسكري فقد حاول مطلقو النيران تهريب مخدرات عبر الحدود الا انهم فوجئوا بوصول الدورية ففهموا بأنه تم اكتشافهم، وعندها فتحوا النيران على الجنود، فرد هؤلاء باطلاق النيران. وخلال ذلك تم، كما يبدو، اطلاق صاروخ “ار بي جي” باتجاه القوة العسكرية، لكنه لم يصبها. وبالتنسيق مع مصر تم فتح النيران في المنطقة وقتل عدة أشخاص، ويسود التكهن بأن عددهم ثلاثة. وشوهد رجال حرس الحدود المصري بعد الحادث وهم يجمعون اسلحة القتلى، وبينها بنادق كلاشينكوف.
ونقلت وسائل اعلام مصرية وفلسطينية عن الناطق بلسان وزارة الداخلية المصرية، الجنرال هاني عبد اللطيف، بأن قوات الامن المنتشرة على الحدود منعت عملية تهريب كبيرة، وتم خلال ذلك تبادل النيران مع عدد من المسلحين، فأصيب جنود من الجيش الاسرائيلي مروا في المكان صدفة.
مقالات وتحليلات
اذا لم تتوقف الانتفاضة المدنية في القدس يمكنها أن تشعل الضفة
كتب المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، ان العنف في القدس يغلي على مقربة من سطح الأرض منذ عدة أشهر، الا أن عملية الدهس التي وقعت يوم امس (الاربعاء) واسفرت عن مقتل الطفلة حايا زيسل براون، يمكنه أن يركز الآن الاهتمام الرسمي الكامل لما يحدث في القدس. عمليا، ان ما يبدو بأنه لا مفر من تسميته بالانتفاضة المدنية، يجمح في القدس منذ الصيف، وفي الوقت الذي انتهت فيه الحرب تماما في قطاع غزة، في أعقاب وقف اطلاق النار في نهاية آب، وعاد الهدوء الى بقية المناطق (الضفة الغربية والبلدات العربية داخل اسرائيل)، الا أن العنف لم يهدأ في القدس للحظة.
وليس المقصود فقط ما حدث بعد مقتل الفتى محمد ابو خضير من شعفاط، بأيدي المخربين اليهود. فخلال الحرب في غزة دهس مخرب فلسطيني بواسطة جرافة مواطنا اسرائيليا في مركز المدينة، وتدهور الوضع الأمني بشكل بالغ، في الأحياء اليهودية في شرق وشمال القدس، ويتراكم التوتر على خلفية ترتيب زيارات اليهود الى الحرم القدسي والجهود الاستيطانية في الأحياء العربية.
في السنوات الأخيرة، قاد رئيس البلدية نير بركات، جهودا مثيرة لترميم مشاعر الأمن الشخصي في القدس واعادة السياحة اليها، من اسرائيل والخارج، بعد الأيام الصعبة للانتفاضة الثانية. الا ان احدى خطواته الطموحة بالذات، مشروع القطار الخفيف، يحتل الآن مركز النضال الشعبي العنيف الذي يخوضه الجانب الفلسطيني. فور مقتل الفتى محمد ابو خضير، تم تصوير ملثمين اثناء قيامهم بقص الأعمدة في محطة القطار الخفيف، وتحول رشق الحجارة على القطار الخفيف في الأحياء العربية التي يمر فيها، الى مسألة شبه يومية، كما ان عملية الدهس، امس، تم تنفيذها في محطة القطار في غبعات هتحموشت. فالفلسطينيين يتعاملون مع خطوط القطار التي تمر في الأحياء العربية كرمز سلطوي يجب تحديه، وكذلك كهدف مريح لمهاجمته.
وعلى الرغم من ان الشرطة تتعامل بيد قاسية مع المشاغبين الفلسطينيين في المدينة، الا انها لا تتمتع بحرية العمل التي يتمتع بها الجيش في مواجهته للتظاهرات العنيفة في الضفة الغربية. ويخضع استخدامها للسلاح الناري ووسائل تفريق المظاهرات الى المراقبة. كما أن الاجراءات القضائية الخاضعة لسيطرتها، كنظم الاعتقال وخاصة معالجة القاصرين، تخضع لعدة قيود يفرضها القانون الاسرائيلي. وتقلل الشرطة من العمل في الأحياء والقرى الفلسطينية البعيدة عن مركز المدينة. وعلى الرغم من نجاح نشاط الشرطة بمنع اتساع العنف، الى الحد الذي شهدته المدينة خلال الانتفاضتين، الا ان الشرطة لم تنجح بإعادة المارد الى الزجاجة.
ويساهم التخوف الفلسطيني من الخطوات التي تقودها تنظيمات ونواب اليمين لتغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي، بتعميق الاحباط والعداء، الذي ولدته سنوات متواصلة من الاهمال لشرقي المدينة. ومن الواضح ان التصريحات الهجومية لرئيس السلطة محمود عباس، والذي حذر من محاولات سيطرة اليهود على الأقصى، ساهمت في توتير الأجواء. وستضطر حكومة نتنياهو الآن الى بذل جهود كبيرة لتهدئة الأوضاع، بدعم من التواجد البوليسي المتزايد، لمنع تصعيد آخر في القدس. فاستمرار العنف في القدس من شأنه أن يدهور الاوضاع في الضفة الغربية.
يجب فتح العيون: انتفاضة
يعتبر نداف شرغاي، في “يسرائيل هيوم” ان هناك انتفاضة ثالثة في القدس، تحدث منذ 112 يوما. ويكتب ان هذه الانتفاضة ليست شعبية تماما ولم تعد عفوية منذ فترة طويلة، فأعمال الشغب والاصابات المتواصلة لليهود في مناطق الخط الفاصل في القدس، يجري تنظيمها وتمويلها جزئيا من قبل جهات من فتح وحماس.
وحسب رأيه فان الكثير من الـ900 معتقل خلال هذه الانتفاضة يحظون بدفاع قانوني تموله السلطة الفلسطينية. ويقول ان عدد الأحداث الضخم (اكثر من 10 آلاف حادث)، وانتشارها الواسع (على امتداد الخط الفاصل)، ومشاركة الآلاف فيها، وطابع الأحداث – أي استخدام السلاح “البارد” كالحجارة والزجاجات الحارقة والمفرقعات النارية- يذكرنا جدا بالانتفاضة الاولى.
صحيح انه لا توجد هذه المرة لجان شعبية وانما عشرات التنظيمات المحلية في الأحياء، ولكنها كلها تنهض على موجة شعارات “الانتفاضة الشعبية” الخارجة من مدرسة السلطة الفلسطينية وابو مازن. صحيح أن عمليات الدهس، بما في ذلك عملية امس، هي عمليات فردية، لا يمكن منعها وجمع معلومات مسبقة عنها، ولكنها تستمد الالهام من الأجواء العامة السائدة في المدينة، من فقدان الردع، ومن الاضطرابات المتواصلة في الحرم القدسي والتي لا تنجح الشرطة بوضع حد لها. هناك، ايضا، حالات اطلاق نار منفردة، خاصة من شعفاط الى بسغات زئيف، والتي يمكنها ان تلمح الى المرحلة القادمة للانتفاضة الثالثة في القدس، والانتقال التدريجي الى استخدام السلاح الناري المتوفر في الأحياء العربية في القدس، ولم يعد يستخدم “لاطلاق النيران في المناسبات”.
لبالغ الأسف، وكما في الانتفاضة الاولى، بدأ يتغلغل بتأخير معين، بين صناع القرار الفهم بأن المقصود ليس موجة اخرى عابرة من خرق النظام. لقد كانت “يسرائيل هيوم” اول من شخصت هذه الظاهرة، ورسمت صورتها من خلال ثلاثة تقارير واسعة نشرت في ملحق “اسرائيل هذا الأسبوع”، واطلقت على المولود اسمه من خلال سلسلة من المقالات التحليلية (وقعها كلها كاتب هذه السطور). صحيح انه احيانا، نرى الامور من هنا بشكل يختلف عن هناك، ولكنه، احيانا، لا نرى من هنا امورا يرونها من هناك. وفي هذه الحالة، فوتت القيادة الصورة او تنكرت لها.
وعلى كل حال فقد بدأت بفهم الأمور الآن. على من يريد “اعادة تحرير القدس من جديد” الفهم بأن السيادة على كل اجزاء المدينة، حتى في الاحياء العربية البعيدة، لا يمكن ان تكون مدونة في كتاب القوانين فقط، ويجب ان تظهر علانية في كل مجال وعلى مدار الزمن، حتى من خلال استئناف الاستيطان اليهودي في كل انحاء القدس، حتى وان سبب ذلك غضب اوباما.
حان وقت العمل
يكتب المحلل السياسي في “يديعوت احرونوت” شمعون شيفر ان الرد على السؤال حول سبب سفك دماء طفلة في العاصمة، يجب ان يوفره لسكان الدولة رئيس الحكومة ووزرائه، وليس ابو مازن او أي احد آخر. توجد هنا حكومة وهي المسؤولة عما يحدث داخل حدودها.
ويضيف: هناك ما يثير اليأس في الردود التي يطلقها رئيس الحكومة والوزراء والمتحدثين المختلفين في اعقاب ظواهر الانتفاضة الفلسطينية في القدس والتي تزايدت ولم تحظ بالاهتمام الكافي والمطلوب بسبب الحرب في الجنوب. نتنياهو يتهم ابو مازن بالتحريض، والوزراء يهددون برد مناسب ينعكس في توسيع الاستيطان اليهودي في منطقة القدس، من خلال التركيز على التسلل الى قلب الاحياء العربية، ويواصل المتحدثون باسم الاجهزة الأمنية الشرح بأن المقصود عمليات فردية وليس انتفاضة منظمة. وانا اقترح على كل المعقبين، من نتنياهو وحتى آخر الوزراء، ان يتوقفوا عن الثرثرة ويتحملوا المسؤولية ويوفروا الامن الشخصي الكامل. ففي القدس، العاصمة الموحدة لإسرائيل، يستحق المواطنون اليهود والعرب المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
من يعتقد انه يمكنه توجيه اصبع الاتهام الى السلطة الفلسطينية وحماس وداعش، يقف واهنا الآن امام واقع يمكن فيه لمواد الاشتعال ان تحرق ليس منطقة القدس وحدها، وانما كل إسرائيل. لقد امتنع نتنياهو عن طرح أي مبادرة يمكنها تهدئة النار، فضل الانشغال في التهديد الايراني في الوقت الذي عزز فيه الفلسطينيون، على مقربة من ديوانه في شارع بلفور، تمردهم ضد ما يسمونه “الاحتلال الاسرائيلي”.
هناك امور يمكن عملها، اولا: يجب بدء مفاوضات حول ترتيب مكانة الأماكن المقدسة لليهود والمسلمين والنصارى في الحرم القدسي وشرقي القدس. الوضع الراهن الذي يقدسه نتنياهو في المدينة لن يساعد على تهدئة النفوس. كما يجب على منظومة السلطة التوقف عن السماح للجهات الخاصة بالتسلل الى الاحياء في القدس الشرقية. فاذا واصلوا عمل ذلك يمكن التكهن بأن الرد الفلسطيني سيشتد. اذا كنا قد وحدنا المدينة، لا يمكن لنا احراقها بأيدينا.
مهما كان الأمر مثيرا للغضب، الا انه بعد الجرف الصامد بالذات اتضح للفلسطينيين بأن الإسرائيليين لا يفهمون الا لغة القوة، والدليل على ذلك سيأتي في بداية الاسبوع المقبل، عندما تستأنف المحادثات في القاهرة بين وفدي إسرائيل وحماس بشأن اعادة اعمار غزة.
الادارة الامريكية تتعقب بقلق متزايد موجة العنف في القدس. الامريكيون يعتقدون انه في ظل غياب الثقة بين نتنياهو وابو مازن والذي اصبح عميقا جدا، من المفضل ترك الساحة لهذين المنافسين، ولذلك فانهم لا يسارعون الى طرح اقتراح للتسوية. وهكذا فان نتنياهو ووزرائه الذين يشجعون مواصلة السيطرة والدخول الى الاحياء العربية، واولئك الذين يتحدثون بصوت منخفض عن الحاجة الى استئناف المفاوضات مع ابو مازن – مطالبون الآن بالعمل.
وليس المقصود زيادة عدد وحدات الشرطة والشاباك التي باتت منتشرة في المدينة، وانما من الضروري معالجة جذور الصراع، واقتراح حلول تثبت للفلسطينيين في القدس، ان اسرائيل لا تنوي تركهم بدون مجال عيش جغرافي. كل هذه الامور يتحتم طبعا ان تترافق بالإصرار الذي يوضح للفلسطينيين بأن من يتجرأ على رشق حجر على الإسرائيليين او يحاول المس بالمواصلات العامة في الاحياء المختلفة في العاصمة، سيعاقب بدون رحمة.
يجب وقف الفوضى
يكتب المحلل العسكري لصحيفة “يديعوت احرونوت”، اليكس فيشمان، انه ليس من المهم بتاتا كيف يعرفون راشق الحجارة من سلوان، والذي تحول الى قاتل، ما اذا كان مخربا منفردا او ان تنظيما يدعمه. كما ان تعريف عملية الدهس، امس، وما اذا كانت عملية انتحارية او عملية تضحية، هي مسألة تخص رجال الأبحاث في الشاباك، فالمهم هو قصة القدس خلال الأشهر الأخيرة، منذ قيام شبان يهود باختطاف وقتل الفتى محمد ابو خضير.
لم يعد احد يتذكر كيف بدأ ذلك، ولكن محيط القدس والحرم القدسي، يقفان منذ ذلك الوقت على عتبة الفوضى، دون ان تستطيع السلطة او اسرائيل السيطرة عليها. في الشاباك وقيادة المنطقة الوسطى يبدون قلقا أقل ازاء التنظيمات العسكرية لحماس في الضفة، ليس لأنها ليست خطيرة وانما لأنها تخضع للسيطرة الاخبارية الجيدة، ناهيك عن انه في كل ما يتعلق بالحرب ضد حماس فان اجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية تعمل بالتنسيق مع اجهزة الأمن الاسرائيلية، وهناك انجازات في هذا المجال، بل اتاحت إسرائيل لأجهزة الامن الفلسطينية العمل في البلدات المحيطة بالقدس، كالرام وبدو وزكريا وابو ديس، على امل ان تنجح في الحفاظ على النظام العام وعمل ما لا تستطيع عمله الشرطة الاسرائيلية.
لكن رغبة وقدرة اجهزة الامن الفلسطينية على العمل محدودة جدا، لأنه في ظل الفوضى المتزايدة، تساهم المؤسسة الاسرائيلية في اشعال الحريق. فهي تسمح لليهود بالاقامة في سلوان، وتمنع دخول المسلمين الى الحرم القدسي في اعياد اليهود، وغير ذلك. ظاهريا ليس المقصود احداث دراماتيكية، ولكنه في ظل الأجواء القائمة، يزيد كل حدث كهذا من اشعال المنطقة.
في الجهاز الامني الاسرائيلي يشعرون بقلق اكبر ازاء احتمال ان يؤدي استمرار الفوضى والجمود السياسي الى انخفاض التنسيق مع اجهزة الامن الفلسطينية الى حد القطيعة التامة. اذا كانت حماس العسكرية في الضفة تخضع لسيطرة الاستخبارات والجيش بشكل جيد نسبيا، فان رجال التنظيم – آلاف الشبان من حركة فتح المسلحين والعصابات المسلحة في مخيمات اللاجئين – تعتبر محفزات ضخمة للعنف غير المسيطر عليه. السلطة ليست معنية بمعالجة هؤلاء، ونحن لا نملك القدرة على تعقبهم. ويوجد بينهم الآلاف من الأسرى السابقين، والمشاغبين الهامشيين في اضطرابات الشوارع، والذين قرروا الارتقاء على خلفية التسخين في القدس. والقاتل من سلوان هو احدهم فقط.
فخلال “الجرف الصامد” قام احد هذه الاشكال بدهس اسرائيلي وقتله بواسطة جرافة. اضطرابات الشوارع في محيط القدس وخاصة في الحرم القدسي – والتي يخرج منها القتلة – هي العبوات التي ستشعل الضفة مجددا. وهي تعكس فقدان سيطرة السلطة على الشارع الفلسطيني.
يمكن لعباس ان يعلن بأنه لا ينوي الخروج الى مواجهة عنيفة مع اسرائيل، ولكن الشارع لم يعد يتطرق اليه بجدية، لأنه لا يحقق له أي انجاز سياسي. لقد استنفذت حكومة الوحدة ذاتها ولن يتحقق التقارب الكبير بين فتح وحماس. ولا ينجح ابو مازن بدخول غزة، وفي افضل الحالات سيقوم بارسال عدد من الموظفين الى مكاتب حكومة حماس، وربما يتم الاتفاق على وجود رمزي لرجال السلطة على المعابر.
رجال السلطة الذين يخرجون الى القاهرة للمشاركة في المحادثات يعرفون ان إسرائيل لن توقع على أي التزام بشأن الاتفاق الدائم في غزة، ولا مكان للحديث عن عملية سياسية. واذا تواصل الأمر على هذا النحو فان الشارع الفلسطيني سيلقي بالسلطة على مزابل التاريخ، وستصل الفوضى من محيط القدس الى الضفة. اذا لم يتم العثور على طريق لوقف الفوضى، سيزداد عدد منفذي العمليات الارتجالية وغير الارتجالية، وستصبح العمليات اكثر قاتلة.
لقد تصرفت إسرائيل حتى الآن كما لو كان المقصود خرقا اعتياديا للنظام، سيختفي من تلقاء ذاته، وان بعض التسهيلات في الاقتصاد والحركة ستؤدي الى خمود هذه الموجة. يقولون لنا انه لا توجد دلائل للانتفاضة على الأرض، تماما كما رووا لنا قبل الجرف الصامد بأن حماس ليست معنية بتحطيم الاليات. وهكذا سنصل الى الاندلاع المقبل في الضفة، بدون دلائل، ولكن، ايضا، بدون سلطة فلسطينية نحملها المسؤولية.