الرئيسية الاخبار دراسة :أداء مؤسسة الرئاسة الفلسطينية 1994-2013

دراسة :أداء مؤسسة الرئاسة الفلسطينية 1994-2013[1]

فهرس

د. نادية سعد الدين[2]

مقدمة:

اكتنف أداء مؤسسة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، داخلياً وخارجياً، منذ تأسيسها سنة 1994، بإشكاليات ناتجة عن مأزق اتفاق أوسلو المزدوج وتبعاتهما القائمة حتى اليوم؛ على الرغم من انكفائه حبراً ورقياً، خلا مساحة الانتقاء الإسرائيلي لجانبيه الأمني والاقتصادي فقط، بدون احتساب تقدير الأداء لعقم خيار التفاوض الأوحد، وأجواء التغيير الجارية في المنطقة منذ انطلاقة الثورات والحركات الشعبية مطلع سنة 2011.

وقد حضرت تجليات أوسلو داخلياً، في سلطة مقيدة ومكبلة بالتزامات أحادية، ونظام سياسي فلسطيني اصطبغ، منذ ميلاده، بالطابع الرئاسي الفردي، قبل أن يصبح مختلطاً، وصلاحيات واسعة لرئيس السلطة وغامضة للحكومة، وتهميش للسلطة القضائية، وتداخل بين السلطات، وليس فصلها؛ وسط أزمة اقتصادية خانقة وليدة الاحتلال الإسرائيلي والاحتكام لمحددات أوسلو المجحفة، والارتهان لسياستي صندوق النقد والبنك الدوليين.

صاحب ذلك، في كثير من الأحيان، توتر في العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وحركة فتح من جهة وبقية القوى والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، نتيجة تنفيذ السلطة لالتزاماتها الأمنية الواردة في اتفاق أوسلو. وقد عكس ذلك خلطاً ناجماً عن عدم وضوح المعادلة بين سلطة تريد الحفاظ على اتفاقاتها، وتلجأ بالتالي إلى خطاب دبلوماسي مرن، وبين واقع على الأرض يستلزم خطاباً وأداءً ومستوى تنظيمياً آخر، في ظلّ عدوان الاحتلال ضدّ الشعب الفلسطيني.

وزاد الانقسام، إثر اشتباكات وقعت بين حركتي فتح وحماس، وأسفرت عن سيطرة الأخيرة على قطاع غزة في منتصف حزيران/ يونيو 2007، من عمق الأزمة، مكرّساً لانفصال حاد بين الضفة الغربية والقطاع، ولخطابين متناظرين لم يقيّض لهما التلاقي، على الرغم من متوالية جلسات المصالحة والاتفاقيات الناتجة عنها.

وبينما تسير مؤسسة الرئاسة في خيارها التفاوضي، خالية من أوراق القوة والإجماع الوطني، غداة النأي عن البدائل الاستراتيجية الأخرى، وفي مقدمتها المقاومة بشتى وسائلها؛ فإن الاحتلال يمضي قدماً في نمطه العدواني الثابت، مغرقاً المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة بالمستعمرات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية. وذلك، من دون أن تسهم اتفاقيات أوسلو في كبح عجلة مشروعه الاستعماري عن الدوران في حلقة التفاوض المغلقة نفسها التي زجَّ القيادة الفلسطينية داخلها، وسط الانحياز الأمريكي للاحتلال، وضعف الدعم العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية.

أولاً: المرجعية القانونية لمؤسسة الرئاسة:

سمح تعدد المرجعيات القانونية التي احتكمت إليها مؤسسة الرئاسة، منذ تشكيلها في سنة 1994 حتى صدور القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور المؤقت) في 7/7/2002[3]، والمعدل في 19/3/2003[4]، وتعديلاته الجزئية لسنة 2005[5]، باختلاط معايير مصدر شرعية الحكم، وغياب الأسس المحددة لصلاحيات رئيس السلطة، وللعلاقة بين السلطات الثلاث و”ضبابية” التخوم الفاصلة بينها، بينما أبقى نفاذ القانون، في المرحلة اللاحقة، على الإشكاليات نفسها، ولكن بصيغ مختلفة.

فإذا كانت مؤسسة الرئاسة تحتكم في شرعية وجودها ومرجعيتها، وبالتالي محددات التزاماتها ومسؤولياتها، إلى ميثاق منظمة التحرير، وبالاستناد إلى قرار المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة خلال 10-12/10/1993 في تونس “بتشكيل السلطة، (…) وترؤس السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مجلسها”[6]؛ إلا أن هناك فصائل فلسطينية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وقوى اجتماعية وسياسية عريضة غير ممثلة في أطر المنظمة. وفي الوقت نفسه، لا تستقيم معادلة الأخذ بنتيجة الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت لأول مرة في الأراضي المحتلة في 20/1/1996، وأسفرت عن إحكام سيطرة فتح على مفاتيح السلطة ومنافذها التنفيذية والتشريعية، في ضوء مقاطعة غالبية الفصائل لها، حتى تلك المنضوية في إطار المنظمة، مثل الجبهتين الشعبية والديموقراطية لتحرير فلسطين.

ومن جهة أخرى، يعدّ اعتماد القانون الأساسي سنداً مرجعياً للسلطة خطوة لاحقة وليس خطوة “مُؤسِّسة”، فعلى الرغم من تأكيده بأن “منظمة التحرير مرجعية السلطة”[7]، إلا أن الرئيس ياسر عرفات وقعه في 29/5/2002، تحت وطأة ضغوط خارجية، صاحبت مطالبات إصلاحية داخلية، بالرغم من إقراره من المجلس التشريعي في سنة 1997[8]، فجاء لاحقاً على وجود السلطة وليس سابقاً لها ومؤسساً لإطارها العام.

ويرتبط ذلك بإشكالية العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، بسبب التناقض بين قانونية التزام السلطة باتفاقياتها مع الاحتلال وبالمهمات الأمنية المحددة في أوسلو، بما فيها وقف العنف والحفاظ على الأمن الإسرائيلي ومعاقبة كوادر المقاومة، وبين شرعية استمرار المنظمة كمؤسسة وإطار وطني، ملتزمة مع شعبها بقيادة النضال الوطني، حتى تحقيق أهداف العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة؛ وبتنظيم المقاومة بشتى أشكالها ضدّ الاحتلال، والمسؤولة رسمياً عن توجيه السلطة ومراقبتها ومحاسبتها[9].

وقد بدا ذلك واضحاً منذ تشكل السلطة، التي سعت إلى نقل عملية صنع القرار السياسي من أطر ومؤسسات المنظمة إلى دوائر ووزارات تابعة لها، وسحب صلاحياتها وتصدر قيادة العمل الوطني، والتداخل في إدارة المفاوضات، ومتابعة العلاقات العربية والدولية، إزاء تعاطٍ دولي معها كسلطة شرعية[10]. أما استدعاء مطلب إحياء المنظمة إثر نسيان دام طويلاً فقد جاء عقب فوز حركة حماس الساحق في الانتخابات التشريعية التي جرت في 25/1/2006، من باب “سياسة إفشال الحكومة المنتخبة”[11]، بينما يدرج ملفها حالياً في إطار جلسات المصالحة، التي بدأت بعد سنة 2007 ولم تسفر عن تقدم ملموس حتى الآن فيما يتعلق بإعادة بناء المنظمة.

وإذا كانت اتفاقيات أوسلو تمنع السلطة من ممارسة الشؤون الخارجية، مقابل إناطتها بالمنظمة، فإن ذلك يأتي من باب منع صلاحيات السيادة والاستقلال عن سلطة قد تؤول إلى دولة، من دون أن يخفي الاحتلال مخطط “تعديل اتفاقيات أوسلو عملياً لإحالة الوظائف التمثيلية والدبلوماسية بيد السلطة الممثلة لفلسطيني الداخل حصراً”، وذلك وفق قول خبير القانون الدولي أنيس قاسم[12].

ويأتي اتفاق أوسلو ليستكمل الضلع الأخير في مثلث مرجعية السلطة، إن لم يكن أساسها، في نظر كثيرين[13]، بما فرضه من التزامات وقيود على أداء السلطة وساحة تحركها، ولكنه مرفوض من غالبية القوى والفصائل الفلسطينية، بسبب نصّه على تشكيل سلطة مقيدة ومحدودة الصلاحيات على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.

وثمة من يُدخل في أساس النظام السياسي، عنصر وثيقة الاستقلال الصادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، إلا أن الهيئات القيادية في المنظمة لم تتهيأ لتطبيقه فعلياً كما لم يجرِ تكييف الأنظمة والمدونات التنظيمية للمنظمة لتكون مصدر إلزام بتنفيذه[14]. وفي الوقت نفسه، يتم الاحتكام أحياناً إلى القوانين سارية المفعول الموجودة قبل تشكيل السلطة، على الرغم من تشابكها وعدم وحدتها، فهناك القوانين الأردنية في الضفة الغربية والقوانين المصرية في قطاع غزة. وبالرغم من أن السلطة قطعت شوطاً جاداً في توحيد التشريعات والقوانين، وإصدار قوانين أخرى ناظمة للمجتمع الفلسطيني، إلا أن الانقسام عمق أيضاً انفصاماً قانونياً وليس جغرافياً فقط.

وبالنسبة إلى خبراء قانونيين؛ ثمة مرجعيتان تحكمان عمل والتزامات مؤسسة الرئاسة، الأولى: داخلية ضابطة لعلاقة السلطات وللشؤون الحياتية المجتمعية، والثانية: الأوامر العسكرية الإسرائيلية الصادرة عن الحاكم العسكري وفق قوانين الاحتلال، والمتعلقة بالأمن والمستوطنين وأوضاع الأراضي المحتلة سنة 1967، بوصفه، وإدارته المدنية، مصدر السلطة منذ تشكيلها[15]، بموجب اتفاقيات أوسلو التي نصّت صراحة بأن “السلطة تحكم وتتصرف بموجب الصلاحيات التي نقلت إليها”[16]، بينما “ظلت الصلاحيات غير المنقولة بيده”، وفق قول قاسم[17].

ألقى هذا الخلط بظلاله السلبية على أداء مؤسسة الرئاسة وعلاقتها بالسلطات القائمة، وعلى النسيج المجتمعي الفلسطيني، في ظلّ عدوان الاحتلال الإسرائيلي.

1. صلاحيات مؤسسة الرئاسة:

بين فعلي “التكريس” قبل صدور القانون الأساسي، و”التوسيع” عقب نفاذه، اتسعت دائرة صلاحيات مؤسسة الرئاسة، بالرغم من اتساعه أصلاً، ليمسّ مختلف الجوانب الحيوية. فمنذ تأسيس السلطة، وتشكيل الحكومة الأولى بقرار منظمة التحرير “لممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية (…) والوظائف القضائية”[18]، أقام الرئيس عرفات سلطة شديدة التمركز حول شخصه، استأثر فيها بالقرار السياسي والجوانب المالية والأمنية، وبقرار تشكيل الحكومة وترؤس اجتماعاتها. واستمر ذلك حتى بعد استحداث منصب رئيس وزراء، قُبيل اشتداد الحصار عليه، وإصدار المراسيم والقرارات الرئاسية التي اكتسبت قوة القانون، وتعيين الوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية وموظفي الخدمة المدنية، وحصر تعيينات المناصب العليا بيده، وتأسيس وحلّ المؤسسات العامة[19]؛ بعيداً عن ناصية قانونية تسمح “للتشريعي” بمحاسبة رئيس السلطة، أسوة بالمعمول به في القانون الأساسي.

ولجأت مؤسسة الرئاسة إلى فرض سلطتها بأساليب متنوعة، منها بناء قوة أمنية مسلحة، من ثمانية أجهزة يغلب عليها اللون “الفتحاوي” الواحد، بهدف ضبط الوضع العام بمعزل عن السلطة القضائية التي تمّ إضعافها وتحييدها، والإيفاء بالتعهدات الأمنية للجانب الإسرائيلي[20]. وذلك تماشياً مع اتفاق أوسلو الذي لم يسمح للسلطة بتشكيل أيّ قوات مسلحة أخرى غير قوة شرطة، وقيّده أمنياً[21]، دون اشتراط ربط ذلك بالتوصل إلى تسوية متفق عليها للصراع. فيما أحدثت تعيينات الأجهزة الأمنية مشكلة أساسية في التركيبة الاجتماعية والسياسية[22]، ونخراً خلافياً في أوساطها المتعددة، ليس بشأن سبل التصدي للاحتلال، وإنما حول بسط السيطرة والنفوذ “المناطقي” في الساحة المحتلة، تسبب أحياناً، في سقوط ضحايا من المدنيين الفلسطينيين.

سمح فوز حركة فتح برئاسة السلطة وأغلبية مقاعد المجلس التشريعي (88 عضواً) في انتخابات سنة 1996، وسط مقاطعة غالبية القوى والفصائل، في فرض هيمنتها على مواقع النفوذ والقرار التنفيذي والتشريعي وأغلب المؤسسات العامة والأجهزة الأمنية، عبر شخصيات تابعة أو مناصرة وموالية لها، بحيث باتت تتمتع بامتيازات ومكاسب متنوعة. وقد أوجد ذلك تداخلاً شديداً بين فتح ومؤسسات السلطة، وأشاع سخطاً شعبياً واسعاً ترافق مع تردد تهم انتشار الفساد داخل أجهزة السلطة، مما انعكس تراجعاً في تأييد حركة فتح لصالح المعارضة الإسلامية، وهو ما ظهرت تجلياته في مرحلة لاحقة.

وعلى الرغم من سعي الرئاسة لبناء نظام سياسي قادر على توفير بيئة قانونية ودستورية لملء الفراغ الإداري والقانوني الذي تركه الاحتلال في ظلّ غياب كيانية مستقلة[23]، إلا أن هذه البيئة اتسمت عملياً بنقص المرجعيات القانونية، وسيطرة الفصيل الواحد على السلطة، وتهميش السلطتين التشريعية والقضائية، وتداخل السلطات، وتضخم القطاع الحكومي، وترهل الإدارة العامة، والاعتماد على المساعدات الخارجية. وقد تسببت سياسة التحكم في تعيين المناصب الحكومية العليا في السلطة، وفق أسس ومعايير حزبية وتنظيمية وعائلية، مقابل فرض القيود على تعيين أنصار حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في إيجاد شعور مجتمعي مرير بعدم تساوي الفرص والعدالة في التوظيف، كما أدى الإفراط في منح رتبة “المدراء العامين”، إلى تشكيلهم طبقة اجتماعية جديدة مثيرة للجدل والاتهامات، ومعبِّرة عن الفساد والمحسوبية[24].

وترافق ذلك مع إصدار الرئيس عرفات لقرارات وقوانين شكَّلت، بحسب هيئات حقوقية فلسطينية، انتهاكاً لحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، ومنها قرار إنشاء “محكمة أمن الدولة” في 7/2/1995[25]، الذي أعيد النظر في أحكام الإعدام الصادرة عنها سنة 2003 لجهة عرضها على محاكم مدنية[26]. ومنها كذلك المرسوم الرئاسي لقانون المطبوعات والنشر، في 5/6/1995، الذي يضع القيود والضوابط على حرية العمل الصحفي، وآلية نيل التراخيص ومراقبة الصحف قبل توزيعها[27]. بالإضافة إلى المرسوم الرئاسي، في 9/11/1998، بشأن “تكريس الوحدة الوطنية ومنع التحريض”، الذي أعيد نشره في الصحف المحلية سنة 2003 بدل إلغائه، انسجاماً مع اتفاق فلسطيني إسرائيلي على متابعة المحتوى الإعلامي والدراسي، غداة تشكيل لجنة ثلاثية تضم السلطة الفلسطينية، و”إسرائيل”، والولايات المتحدة، لمنع التحريض بموجب مذكرة واي ريفر الموقعة في 22/10/1998[28]. كذلك أصدر الرئيس عرفات، في 30/4/2000، بصفته وزير الداخلية، اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات العامة، التي تقيّد ممارسة حقّ التجمع السلمي، وتطلق يد رجال الشرطة لفضه، دون الاستجابة إلى مطالب إلغائها أو تعديلها، مما تسبب في حدوث انتهاكات عديدة[29].

وعلى الرغم من المطالبات الداخلية المبكرة بالإصلاح ومكافحة الفساد، إلا أن مصادر الدعم الغربية تغاضت عنها، آنذاك، واستمرت بضخ مساعدات مالية، تجاوزت مبلغ خمسة مليارات دولار، 90% منها غربية، خلال الفترة 1994-2001[30]. وقد اعتمد عليها في تأمين النفقات الإنشائية والتشغيلية للسلطة، وتدعيم التوجه نحو اقتصاد السوق، وتشجيع إنشاء المنظمات غير الحكومية، ليس لأجل مجتمع فلسطيني ديموقراطي متقدم، ما يهدد بضبط سياق العملية التفاوضية وتعطيل التسوية، وإنما لضمان إيجاد فئات وشرائح مجتمعية تتكئ في تحسين وضعيتها على المساعدة الغربية، توطئة لتطويع إرادتها وتسهيل قبولها بتسوية سياسية وفق الشروط الإسرائيلية.

إلا أن تعثر العملية السلمية أوجد قلقاً غربياً، تلبس ابتداءً، برداء “نصح” الرئيس عرفات بإصلاح أوضاع السلطة[31]، سرعان ما تحول إلى ضغط أمريكي إسرائيلي غداة تحميله فشل مفاوضات كامب ديفيد Camp David Summit سنة 2000، ومطالبته، وهو محاصر في مقر المقاطعة في رام الله منذ 2001 (حتى وفاته في 11/11/2004) باعتقال عناصر المقاومة، لا سّيما حركة حماس، بعدما تبين وقوفه في الموقع الاعتراضي لسياستهما. إذ بات تجريد مؤسسة الرئاسة من موارد قوتها الأساسية وإعادة توزيعها سبيلاً وحيداً لعزله[32]، عبر إناطة القرار السياسي بيد الحكومة ورئيس الوزراء الذي استحدث منصبه فيما بعد، ووضع الأجهزة الأمنية تحت إمرة وزارة الداخلية، وتفويض الشأن المالي إلى وزارة المالية.

ومع أن الرئيس عرفات حاول التصدي للضغوط الخارجية، إلا أن حصاره، وتردي الأوضاع الداخلية، وتفشي الفساد، أدى إلى نجاح هذه الضغوط في إضعاف قوته التأثيرية داخل النظام السياسي. فقام في 6/6/2002، بتعيين مجلس وزراء جديد برئاسته، أعقبه إصدار مرسوم رئاسي بتشكيل “اللجنة الوزارية للإصلاح” لإصلاح مؤسسات السلطة؛ ثُم أُجبر، تحت وطأة رزمة إصلاحات خطة خريطة الطريق[33]، على استحداث منصب رئيس وزراء، في آذار/ مارس 2003، والتوقيع على القانون الأساسي المعدل في 18/3/2003، وتكليف محمود عباس بمهام رئاسة الحكومة، الذي استقال بعد أشهر قليلة ليخلفه أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي حينها، فيما كانت صلاحيات الرئيس عرفات وقدرته على التحكم بالواقع من حوله تذوي حتى وافته المنية. ومن ثَمَّ تولى رئيس المجلس التشريعي روحي فتوح مسؤوليات الرئاسة لمدة ستين يوماً حسب القانون الفلسطيني، تبعها إجراء انتخابات رئاسية نجح فيها عباس في 19/1/2005، بعدما كان قد أصبح رئيساً لحركة فتح سنة 2004.

لم يتغير الحال كثيراً بعد نفاذ القانون الأساسي، الذي أعطى مؤسسة الرئاسة صلاحيات واسعة، مبقياً على انتخاب رئيس السلطة انتخاباً عاماً ومباشراً من الشعب الفلسطيني بموجب أحكام قانون الانتخابات.

ووفق مواد القانون؛ وبالإضافة إلى رئاسته للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، يُعدُّ رئيس السلطة القائد الأعلى للقوات الفلسطينية (المادة 39)، وله صلاحية تعيين ممثلي السلطة الوطنية لدى الدول والمنظمات الدولية والهيئات الخارجية، وإنهاء مهامهم، واعتماد ممثلي هذه الجهات لدى السلطة (المادة 40)، وإصدار القوانين والمراسيم (المادة 41)، واقتراح التشريعات والمصادقة عليها وإصدار القرارات التي لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، على أن تعرض عليه في أول جلسة يعقدها (المادة 43)، وإصدار العفو الخاص عن العقوبة أو تخفيضها، وأما العفو العام أو العفو عن الجريمة فيكون بقانون (المادة 42)، واختيار رئيس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة وإقالته وحلّ الحكومة (المادة 45)، وتلقيه إقراراً بالذمة المالية الخاصة برئيس الوزراء وبأعضاء الحكومة (المادة 80)، وإعلان حالة الطوارئ دون الرجوع إلى المجلس التشريعي (المواد 55 و65 و100)، وتعيين المحافظين في مناطق السلطة والمسؤولين في المناصب الإدارية العليا؛ من نوع محافظ سلطة النقد (المادة 93)، ورئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية (المادة 96)، وتعيين النائب العام وإقالته (المادة 107)، والمصادقة على تنفيذ حكم الإعدام الصادر من أيّ محكمة (المادة 109)؛ بينما خلا القانون الأساسي من بند يسمح للمجلس التشريعي بمحاسبة الرئيس أو مساءلته أو عزله (المادة 54).

وعلى الرغم من أن القانون الأساسي المعدل استحدث منصب رئيس الوزراء لأغراض الفصل بين مؤسسة الرئاسة والسلطة التنفيذية، وعدم تغول سلطة على أخرى، وتوزيع المهام التي كانت محصورة بيد الرئيس؛ إلا أنه منح في الوقت نفسه صلاحيات واسعة للرئيس تقود عملياً إلى المأزق ذاته الذي استهدف أساساً الخروج منه.

وقد حضر ذلك في أكثر من موضع؛ فقد استبقت مؤسسة الرئاسة تشكيل الحكومة برئاسة حماس بعد الانتخابات التشريعية 2006 بتعزيز السيطرة على العديد من المؤسسات الأمنية والمدنية؛ وبجملة تعيينات وترقيات في مؤسسات ووزارات السلطة والأجهزة الأمنية.

وشكلت سياسة التعيينات أمراً مرهقاً لميزانية السلطة العامة، حيث شهدت سنتي 2006 و2007 فقط تعيين زهاء 300 مدير عام وقرابة 18 ألف وظيفة في الجهاز الأمني31، بينما يقدر عدد الموظفين اليوم بنحو 172 ألف موظف من مدنيين وعسكريين، يذهب الجزء الأكبر من إجمالي الميزانية لرواتبهم، مما أوجد خللاً في هيكلة السلطة؛ حيث كان يتم أيضاً اقتطاع ما معدله 34% منها للأمن، وتوزيع الباقي على القطاعات التنموية والخدمية الأخرى[35]. وقد أدى ذلك إلى تدهور في أوضاع الضفة الغربية وقطاع غزة. كما زاد الأمر سوءاً، ارتهان السلطة لسياستي صندوق النقد والبنك الدوليين، والاحتكام إلى مرجعية اتفاق باريس الاقتصادي سنة 1994، الذي كان من المفترض أن يبلغ عمره الافتراضي مع انتهاء المرحلة الانتقالية من أوسلو سنة 1999، وأن يعاد تقييمه كلّ ستة أشهر[36]، إلا أن كلا الأمرين لم ينجز قطّ.

وتبدو المفارقة هنا في قضم الأمن لنسبة عالية من ميزانية سلطة لا تملك جيشاً ومقيدة أمنياً، وفق أوسلو، غير أن هذه العقيدة الأمنية الاستثنائية لسلطة تحت الاحتلال، تشمل التعاون في حماية أكثر من نصف مليون مستوطن في 180 مستعمرة، وتأمين مستلزمات التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، وملاحقة عناصر المقاومة، وتوفير متطلبات الجنرال الأمريكي (الذي يتابع الشؤون الأمنية) وعناصره في الضفة الغربية المحتلة.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس عباس منذ أكثر من عام (2012) عن وقف التعيينات الحكومية لدى مؤسسات السلطة بسبب أزمتها المالية، إلا أن البيانات الصادرة عن وزارة المالية في الحكومة تفيد بأن قيمة فاتورة رواتب موظفي السلطة والحكومة بلغت أكثر من مليار دولار خلال النصف الأول من سنة 2013، من ضمنها رواتب أعضاء المجلس التشريعي المعطل منذ سنة 2007، ونحو 410 ملايين دولار للعاملين في الأجهزة الأمنية[37].

وكثيراً ما تستخدم رواتب الموظفين في الخلاف السياسي الداخلي، إذ أصدرت مؤسسة الرئاسة بعد الانقسام تعليمات لموظفي القطاع العام في قطاع غزة، المقدرين بنحو 78 ألفاً، بالامتناع عن الذهاب إلى عملهم، ووفقاً لتقرير المجلس الاقتصادي الفلسطيني (بكدار)، فإن زهاء 17 ألف موظف منهم يلتحقون بعملهم، وتمثل الرواتب المدفوعة لهؤلاء 14.2% فقط من إجمالي الرواتب التي يتم تحويلها من السلطة، مما يعني أن خزينة السلطة تدفع سنوياً 368 مليون دولار لمن يجلس في بيته دون مردود إنتاجي أو خدماتي[38].

ترافق ذلك مع إصدار رئيس السلطة خلال سنتي 2006 و2007 تسعة قرارات لها قوة القانون، وأصبحت نافذة دون عرضها على المجلس التشريعي[39]، فيما صادق الأخير المنتهية ولايته، في جلسة عقدها في 13/2/2006 بُعيد الانتخابات التشريعية، على مجموعة من المراسيم الرئاسية التي تمنح مؤسسة الرئاسة حقّ تشكيل المحكمة الدستورية دون الحاجة لمصادقة المجلس التشريعي القادم، وتعيين رئيس ديوان الموظفين، ورئيس هيئة التقاعد، ورئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية، وتعديل يسمح بتعيين أمين عام المجلس التشريعي من خارج المجلس؛ وقد تولت شخصيات من حركة فتح جميع هذه المناصب[40].

كما أصدرت مؤسسة الرئاسة، في أثناء تعطيل عمل المجلس بسبب الانقسام، مراسيم وقرارات بتعيينات وتشكيلات أطر جديدة لا تحمل صفة الضرورة الملحة التي استوجبها القانون الأساسي المعدل؛ وبحسب قول نائب رئيس المجلس التشريعي حسن خريشة “فقد أصدر رئيس السلطة حوالي 46 قانوناً من هذا النوع، 60% منها تتعلق بجوانب الاستثمار وتسيير مصالح ومهام بعض الشخصيات”[41]، بالإضافة إلى مرسوم، في 20/11/2007، بتعيين مدير الإدارة العامة للأمن الوقائي ونائبه، وآخر في 1/3/2008، بتشكيل المعهد القضائي.

وبموازاة ذلك، أصدر الرئيس عباس بعد أحداث 2007 عدة مراسيم؛ بإقالة إسماعيل هنية من رئاسة الوزراء، و”إعلان حالة الطوارئ، وتكليف سلام فياض بتشكيل الحكومة بعد تأدية اليمين القانونية أمام رئيس السلطة”[42]، وتعليق العمل بثلاث مواد من القانون الأساسي (65 و66 و67) التي تنص على نيلها ثقة المجلس التشريعي، والتي لم تعترف بها حماس[43]. كما أصدر الرئيس مرسوماً “بمنح وزير الداخلية سلطة مراجعة تراخيص الجمعيات والمؤسسات والهيئات، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقها من إغلاق أو تصويب أوضاع”، حيث تمّ في وقت لاحق إغلاق تلك التابعة منها لحركة حماس في الضفة الغربية، أتبعه بمرسوم “حظر الميليشيات المسلحة والتشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية غير النظامية”[44]. وأصدر مرسوماً آخر “بتوسيع اختصاص القضاء العسكري في حالة الطوارئ”، بما يشكل خطورة لا تقتصر على انتهاك أحكام القانون الأساسي الخاصة بتلك الحالة، وإنما فيما تضمنه من مساس باختصاص ومهام القضاء المدني لصالح القضاء والنيابة العسكرية، فضلاً عن مدّ نطاق صفة الضابطة القضائية لتشمل كلّ من ينتسب للقوات الفلسطينية، وأيّ قوة أخرى قائمة أو تستحدث ضمنها، بما يسمح بإطلاق يد الجميع في ممارسات تؤدي لانتقاص من الحقوق والحريات والاعتداء عليها[45].

2. العلاقة مع السلطات:

لم يتحقق التوازن في علاقة مؤسسة الرئاسة مع السلطات الأخرى، في ظلّ تداخل الصلاحيات، وأحياناً سحبها لصالح الأولى على حساب مهام واختصاصات تدخل في نطاق التنفيذ والتشريع والقضاء، مما تسبب أحياناً في حدوث خلافات حادة بينها.

فإزاء الصلاحيات الواسعة التي امتلكها الرئيس عرفات، باتت مؤسسة الرئاسة تتمتع بما يوازي صلاحيات المؤسسة التنفيذية أو أكبر. ومثلما يخضع مجلس الوزراء لمساءلة المجلس التشريعي ورقابته، فإنه مسؤول أيضاً أمام رئيس السلطة، حيث إن كلّ وزير مطالب بشكل منفرد بتقديم تقرير مالي إلى الرئيس مباشرة. وبالتالي يجمع في تلك الحالة، بين سلطتين تنفيذية وتشريعية، ويُخوَّل نوعاً من حقّ النقض “الفيتو” Veto على قرارات المشرعين[46]. عدا عن وجود جمع مباشر بين رئاستي السلطة والمنظمة التي تشكل مرجعيتها، مما جعل من رئيس السلطة مشرعاً أول قبل المجلس التشريعي باعتباره يرأس مرجعية السلطة بكاملها.

وعلى الرغم من محاولات نيابية وفصائلية مبكرة لإصلاح أداء السلطة وتحديد السلطات المطلقة للرئيس عرفات، خاصة في الجوانب المالية والأمنية والسياسية، ولكن ذلك لم يتحقق إلا فيما بعد. فقد ظلّ الرئيس محتفظاً بوزارة الداخلية في الحكومات الثلاث الأولى التي تشكلت تباعاً منذ سنة 1994، بينما تخلى عنها في الحكومة الرابعة (13/6/2002-29/10/2002) نتيجة ضغوط خارجية وداخلية، في حين أبقى الملف المالي بيده بالرغم من تسلم وزراء تلك الحقيبة، أسوة بملف الشؤون الخارجية الذي ظلّ محصوراً في نطاق وزارة التعاون الدولي إلى حين فصله في الحكومة السادسة (30/4/2003–7/10/2003)، التي شكلها عباس بصفته رئيس وزراء، عقب استحداث المنصب في سنة 2003، وشهدت استحداث وزارة شؤون المفاوضات لأول مرّة. وقد غلب على طابع الحكومات الثمانية التي تشكلت في عهد الرئيس عرفات اللون “الفتحاوي”، إلى جانب قلة من الفصائل المقربة من الحركة وشخصيات مستقلة، ولعل ذلك يعود إلى رفض غالبية الفصائل المشاركة في الانتخابات والحكومة، فضلاً عن نزعة الاستئثار بالقرار السياسي.

وباستثناء قِصر عمر الحكومة الأولى (10/9/1994–16/5/1996) التي قدمت استقالتها استعداداً لإجراء الانتخابات التشريعية، فإن انتشار مظاهر الفساد، والتضخم الوظيفي، وتداخل الصلاحيات أدت إلى استقالة الحكومة الثانية في 25/6/1998، وتقليص حجم الحكومة الرابعة، وإحداث أزمة بين مؤسسة الرئاسة والمجلس التشريعي بسبب رفض الرئيس عرفات عرضها على “التشريعي” باعتبار ما تمّ تعديلاً وزارياً وليس تشكيلاً جديداً، خلافاً لرؤية الأخير. هذا، بالإضافة إلى المخالفة القانونية للقانون الأساسي لسنة 2002، الذي يضع سقفاً أعلى لعدد الوزراء يبلغ 19 وزيراً، قبيل تحديده بسقف 24 وزيراً في القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، وليس 21 حسب تشكيلتها، إلا أن الحكومة بقيت تمارس عملها إلى حين استقالتها في أيلول/ سبتمبر 2002.

أخذت الخلافات بين مؤسسة الرئاسة والحكومة منحى مختلفاً، بعد استحداث منصب رئيس الوزراء، وإجراء تعديلات على القانون الأساسي، جاءت مبهمة وقابلة للتفسير فيما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة. وقد تسبب ذلك في شدّ وجذب كبيرين بين الرئيس عرفات وعباس الذي تمّ تكليفه بتشكيل الوزارة الجديدة، والتي احتفظ فيها بحقيبة وزارة الداخلية لنفسه؛ غير أنه لم يستمر في عمله سوى أشهر قليلة، بسبب الخلاف حول برنامج عمل الحكومة وتدخل مؤسسة الرئاسة في عملها[47]؛ فقدم استقالته التي قبلها الرئيس عرفات، وعين قريع خلفاً له، الذي تمكن من تشكيل الحكومة في عهده مرتين، وفي عهد الرئيس عباس مرة واحدة.

من جهة أخرى، ارتبطت عمليات تعيين القضاة وطاقم الجهاز القضائي بشكل عام بيد مؤسسة الرئاسة، بما في ذلك التدخل في آليات تعيين الجهاز القضائي وتجاوز المعايير العامة بهذا الشأن[48].

لم يختلف الحال كثيراً في عهد الرئيس عباس، بسبب تداخل الصلاحيات ما بين مؤسسة الرئاسة والحكومة، خصوصاً فيما يتعلق بالمسؤولية عن الأجهزة الأمنية التي دُمجت في ثلاثة، والمجال الخارجي الخاص بتعيين السلك الدبلوماسي والسفراء وممثلي المنظمة. وقد أوجد ذلك خلطاً إضافياً بين مؤسسة الرئاسة باعتباره من صلاحية الرئيس حسب القانون الأساسي، والحكومة عبر تبعيته لوزارة الخارجية، والمنظمة من خلال الدائرة السياسية المعنية بالتمثيل الخارجي. وقد تسبب قيام مؤسسة الرئاسة بسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الجانب من الحكومة، ووقف الدعم المالي عنها لفترة، في حدوث أزمة بين الطرفين تمّ تسويتها بعد ذلك.

وزاد فيما عدَّته الفصائلُ تجييرَ هياكل المنظمة لصالح مؤسسة الرئاسة، قرارُ تمديد ولاية الرئيس عباس عاماً آخراً إضافياً على انتهاء ولايته المقررة في كانون الثاني/ يناير 2009، لتؤول حتى سنة 2010 من الشهر نفسه [49]، وفق تعديل القانون الأساسي المعدل لسنة 2005. وأمام تأزم الموقف، أوجد المجلس المركزي الفلسطيني، في 23/11/2008، مخرجاً بانتخاب الرئيس عباس رئيساً لدولة فلسطين، ولكنه تعرض لانتقاد أصاب صلاحيات المركزي، التي ليس من بينها انتخاب رئيس الدولة وإنما ترشيحه، بينما تناط المهمة بالمجلس الوطني بوصفه السلطة العليا للمنظمة، مقابل من أيدّه لصعوبة انعقاد المجلس الوطني[50].

وعدا عن خلافاتها مع حكومة حماس (سنبحثها لاحقاً)، فقد تسببت موازنة سنة 2013 في توتر العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والحكومة، حينما قبل سلام فياض استقالة وزير المالية نبيل قسيس بعدما رفضها الرئيس عباس، مما دفعه لتقديم استقالته في نيسان/ أبريل 2013. وتمت الاستقالة وسط مطالبات فلسطينية برحيله بسبب الأوضاع المتردية في الضفة الغربية، وتحميل سياسته مسؤولية ما آلت إليه؛ بعد أن استقر عليها أكثر من خمس سنوات متتالية رئيساً للوزراء، مع العلم أنه استمر تسعة أعوام وزيراً للمالية. وقد قبل الرئيس عباس الاستقالة[51]، وكلف الأكاديمي رامي الحمد الله بتشكيل حكومة جديدة، ولكنه قدم استقالته بعد 18 يوماً من أدائه اليمين الدستوري، احتجاجاً على تداخل الصلاحيات، وتدخل نائبيه المقربين من الرئيس عباس في شؤونه، إلا أن الأخير أعاد تكليفه بتشكيل الحكومة، حيث أدى اليمين الدستوري أمام الرئيس في 19/9/2003 وأعلن حكومته بالتشكيلة القديمة نفسها، بعد الاتفاق على إعطائه صلاحيات أوسع.

ويعكس ذلك مخالفة قانونية وتدخلاً في صلاحيات المجلس التشريعي، بحسب النائب حسن خريشة، حيث “ينص القانون الأساسي المعدل على وجوب عدم ممارسة أيّ حكومة لعملها إلا بعد نيل ثقة الأغلبية في “التشريعي”، وليس تكليف حكومات دون الرجوع إليه”، حيث تمّ تعطيل عمله منذ سنوات، ويعتقد خريشة بوجود رئيس وزراء “شكلي” في ظلّ “احتكار رئيس السلطة لصلاحيات السلطة التنفيذية وللنواحي الاقتصادية والسياسية معاً”[52]على حدّ تعبيره.

وأخيراً، فقد امتد التداخل إلى المجال الإداري، ومنها إعادة إلحاق المؤسسات الإعلامية لرئاسة السلطة مما أضعف استقلاليتها، وأدى إلى تعيين الموظفين وفق أسس غير سليمة غالباً.

 3. الفساد:

في أجواء العدوان الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني، وتدهور أوضاع المناطق التي تديرها السلطة، انتشرت رائحة الفساد حتى تجاوزت الساحة المحلية صوب الفضاء الدولي، مما ضاعف من معاناة الفلسطينيين وأزمتهم المعيشية الخانقة؛ في ظلّ غياب الكيانية الوطنية السيادية والمستقلة، وتفتت التجمعات السكانية بفعل الاستيطان، والجدار العنصري، والانفصال الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

حضرت تجليات الأزمة منذ تشكيل السلطة؛ عبر محاولة التشبيك بين الشرائح السياسية والأمنية والاجتماعية وفق علاقات الولاء والارتباطات الشخصية، وربط النخب السلطوية بالنخب المحلية في الداخل، ضمن علاقة توزيع المصالح والأدوار والمناصب لضمان إدامة علاقات من السيطرة على المجتمع الفلسطيني[53]. فضلاً عن اعتماد مبدأ التمثيل، الحزبي أو المناطقي أو العائلي…، في عملية توزيع الموارد والمقاعد الوزارية والوظائف العليا، لكسب قبول مجتمعي بها، دون النظر لتأثيراتها في نجاعة النظام.

وقد شجع هذا الوضع ما يعرف بحالة المحسوبية، وما سماه الباحثون “الزبائنية” التي تحظى بنوع من مراتبية غير رسمية لبنيتها في الجهاز البيروقراطي الحكومي والأجهزة الأمنية[54]. وقد سُمح لكثيرين باستغلال مناصبهم وعلاقتهم بالسلطة لتحقيق مكاسب سرية، سُهل لها إسرائيلياً، أحياناً، عن طريق إقامة شراكات ومنح وكالات، فيما تعرضت المساعدات الخارجية لمحاصصة واقتطاع لصالح مسؤولين كبار، وانتشرت رائحة الفساد، لا سيّما بين أوساط المسؤولين في إدارة السلطة وصفوف المتقلدين منهم مناصب تتيح الاتصال بالجانب الإسرائيلي والدول المانحة51، حتى بلغت قيمة هدر المال العام، المعلنة، زهاء 350 مليون دولار، وفق “التقرير السنوي لهيئة الرقابة العامة عن أحوال الفساد في إدارة السلطة الفلسطينية لعام 1996” الصادر مطلع سنة 1997[56]، غير أن الملف أغلق عند ذاك وظلّ محصوراً ورقياً، أسوة بجهود مماثلة لم تأخذ نصيبها من التنفيذ الفعلي.

وعلى الرغم من قيام الرئيس عباس بعدة إجراءات لمكافحة الفساد، منها تأسيس هيئة مكافحة الفساد سنة 2010، وإصدار قانوني مكافحة الفساد لسنة 2005 والكسب غير المشروع لسنة 2005 والمعدل لسنة 2010، ونجاح الهيئة في “استرداد ملايين الدولارات منذ تأسيسها، كان أخرها 60 مليون دولار من رجلي أعمال فلسطينيين فارين”[57]، إلا أن السلطة ما تزال تعاني من اتهامات الفساد التي أدت إلى تراجع الدعم المالي وهزّت ثقة الشارع بها، قبل أن تبدأ نهجاً جدّياً بمحاسبة المتورطين. وبحسب رئيس الهيئة رفيق النتشة فإنها “أحالت منذ تأسيسها 18 ملف فساد إلى المحاكم لم يبرأ منها سوى ملف واحد فقط، بينما تسلمت العام الماضي [2013] 400 شكوى بشبهات فساد تجري التحقيق فيها جميعاً”[58].

وقد بات ملف الفساد محل اهتمام الدول المانحة، لأغراض سياسية، ورديف مطالبتها الحثيثة بالإصلاح، حتى بلغ الأمر باتهام لجنة خاصة في الكونجرس Congress الأمريكي في 2/7/2012، “الرئيس عباس ونجليه ياسر وطارق، بالاستفادة من الموقع السياسي لتحقيق مصالح شخصية”؛ مما أثار موجة اعتراض فلسطيني للتدخل الخارجي في شأنهم المحلي.

وغالباً ما تجعل الجهات المانحة من الدعم المالي سيفاً مسلطاً على السلطة تحت طائلة الإصلاح ومكافحة الفساد، إلا أن تدفقه، المقدّر منذ تأسيس السلطة وحتى 2013 بنحو 21 مليار دولار حسبما ذكر رئيس المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار محمد اشتية[59]، لم يتوقف، بحسبان معظمه مسيّساً ومشروطاً بأجندات لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، تماشياً مع سياسة الاحتلال في الإبقاء على التبعية الاقتصادية والسياسية الفلسطينية.

4. استطلاعات الرأي:

إذا كانت استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز دراسات فلسطينية متخصصة ومستقلة، في عهد الرئيس عرفات، قد ارتبطت بمعطيات التفاوض والعملية السلمية وإجراءات الإصلاح والظروف المجتمعية، فإن حالة الانقسام وخطوات المصالحة دخلت معطى إضافياً ثابتاً في تلك الاستطلاعات المشغولة في عهد الرئيس عباس.

ولكن في المحصلة؛ تجمع الاستطلاعات على تصدّر الرئيس عرفات لائحة الشخصيات القيادية الفلسطينية الأكثر شعبية واحتراماً بين صفوف الشعب الفلسطيني[60]، على الرغم من تذبذب مؤشرها أحياناً، بفارق بسيط، بين الصعود والهبوط، وفق الظروف المصاحبة لها.

ففي ظلّ أجواء العدوان الإسرائيلي والاستعداد لتوقيع اتفاق طابا (28/9/1995)، حصل الرئيس عرفات، في استطلاع رأي أجراه مركز البحوث والدراسات الفلسطينية في أواخر شهر آب/ أغسطس، على تأييد شعبي كبير بلغ 53.7%، ودعم 70% لاستمرار المفاوضات، بالرغم من استبعاد 60% منهم نجاحها، مقابل إسناد 69% لمقاومة الاحتلال[61].

وغداة نيل الرئيس عرفات في استطلاع رأي أجراه “برنامج دراسات التنمية في جامعة بيرزيت” في بدايات اندلاع انتفاضة 2000، نسبة تأييد إيجابي بلغت 46%، في ظلّ انتقاد بعض المستطلعين لإدارة تصدي السلطة لعدوان الاحتلال، واستبعاد 92% منهم لحدوث سلام، فقد تراجعت النسبة إلى 38% في سنة 2001 للأسباب ذاتها [62]، ثم ما لبثت أن ارتفعت مجدداً إلى 52%، رداً على حصاره إسرائيلياً[63]، فيما بلغت ذروتها في سنة 2003 بنسبة تأييد 62.6%، منها 68% في قطاع غزة[64].

وقد جدّد 49.3% من المستطلعين الولاء للرئيس عرفات وتأييد إعادة انتخابه رئيساً للسلطة في أيّ انتخابات تجري، وذلك في دراسة أجرتها “مؤسسة ألفا العالمية للأبحاث والمعلومات واستطلاع الرأي” في نيسان/ أبريل 2004[65]، أي قُبيل وفاته بأشهر قليلة.

في المقابل؛ تباينت استطلاعات الرأي حول شعبية الرئيس عباس إثر دخول عنصر الانقسام وخطوات المصالحة في معطى نتائجها، فبعد نيله نسبة تأييد 54% في نيسان/ أبريل 2006، تراجعت النسبة، عقب أشهر قليلة فقط، إلى 34%، بسبب تفاقم الظروف المعيشية للمواطنين وسوء أداء السلطة[66]. إلا أن النسبة سرعان ما ارتفعت إلى 68%، مقابل 32% لرئيس الحكومة المقالة في قطاع غزة إسماعيل هنية، وفق استطلاع للرأي نفذته مؤسسة “الشرق الأدنى” للاستشارات في آب/ أغسطس 2008[67]، بينما حلّ أداء حركة حماس في صفقة تبادل الأسرى مع الجانب الإسرائيلي، عبر الوسيط المصري، كمعطى إيجابي في تأكيد 37% على ازدياد تأييدهم لحماس، مقابل هبوط محدود في شعبية الرئيس عباس وانخفاض التوقعات من حوار المصالحة، وذلك وفق استطلاع للرأي أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” في الفترة ما بين 15-17/12/2011[68].

ارتفعت شعبية الرئيس عباس إلى 64% إبان الاعتراف الدولي بنيل فلسطين صفة “دولة مراقب”، غير عضو، في الأمم المتحدة، في 29/11/2012. وقد صاحب ذلك انقسام في الشارع الفلسطيني حول استئناف المفاوضات، وانتقاد لحركتي فتح وحماس بشأن عدم تحقيق المصالحة، حسب استطلاع أجراه مركز العالم العربي للبحوث والتنمية (أوراد)[69]. بينما أظهر استطلاع أجراه المعهد مؤخراً بأن الرئيس عباس يُعدّ الأكثر شعبية للفوز في أيّ انتخابات رئاسية قادمة بنسبة تأييد 45% مقابل 23% لهنية[70]. غير أن نتائج مثل هذه الاستطلاعات يجب أن تؤخذ بحذر، بسبب الظروف الخاصة التي تتم بها، وأجواء الانقسام الفلسطيني، والميول المسبقة لبعض مراكز الاستطلاع، وجهات تمويل هذه الاستطلاعات.

ثانياً: مؤسسة الرئاسة والفصائل الفلسطينية:

شكل اتفاق أوسلو نقطة تحول حاسمة في تكوين الحقل السياسي الفلسطيني، وتغيير قواعد اللعبة السياسية فيه وتحديد مواجهاته وتحدياته، بعدما فتح المجال “نظرياً” أمام دولة وطنية ذات سيادة على إقليم سياسي وجغرافي (الضفة وغزة)، وحدود معترف بها تعود لما قبل حزيران/ يونيو 1967، وحلّ لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

بيد أن الانتقال من حقل منظمة التحرير الوطني، الذي تديره وتتفاعل في إطاره حركة تحرر (متعددة الأحزاب والتنظيمات السياسية)، إلى حقل تديره وترتب وضعه سلطة حكم ذاتي يحكمها عدد من التدابير والقيود، وفي مقدمتها التخلي عن الكفاح المسلح واعتماد استراتيجية التفاوض والاعتراف بالكيان الإسرائيلي، مقابل اعتراف الأخير بالمنظمة دون إقراره بالحقوق الوطنية الفلسطينية؛ قد أوجد تحولاً في النظام السياسي على أساس سلطة ومعارضة، وليس على أساس مجرد تنظيمات تتفق وتختلف في إطار تنظيمي جامع ممثل بالمنظمة. كما أوجد إشكاليات حادة في العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وحركة فتح من جهة وبين القوى والفصائل الأخرى، لا سيّما حركتي حماس والجهاد الإسلامي، من جهة أخرى، متخذاً مظاهر سلبية متعددة:

جاء اتفاق أوسلو وسط معارضة غالبية القوى والفصائل الفلسطينية، حتى تلك المنضوية في إطار المنظمة مثل الجبهتين الشعبية والديموقراطية لتحرير فلسطين، بسبب نصّه على تشكيل سلطة مقيدة ومحدودة الصلاحيات على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون أن يمنع ذلك الرئيس عرفات من تمريره[71]. وقد ألقى ذلك ظلال توتر على العلاقة البينية، تجسدت عبر مقاطعة الفصائل للانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت في سنة 1996، بوصفها إحدى إفرازات الاتفاق، ولكنها شاركت في نظيرتها التي جرت في سنة 2006، بسبب ما رأته “واقعاً جديداً عشية دفن أوسلو بالانتفاضة والإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب”[72]، إلا أن حماس قاطعت الانتخابات الرئاسية، في 9/12/2005، ترشيحاً وتصويتاً كونها جرت “دون انتخابات المجلس التشريعي وبخطوة منفردة من فتح”[73]، بحسب رأيها.

انسحب انتقاد القوى والفصائل للقرار الرئاسي المنفرد في أوسلو، على الأداء التفاوضي، إزاء استئثاره بدون التنسيق معها، وتقديم التنازلات للجانب الإسرائيلي دونما مقابل، واعتماد التفاوض خياراً وحيداً، مما دفع ببعضها، مثل الجبهة الديموقراطية، وبصورة أقل الجبهة الشعبية، للمطالبة بتشكيل قيادة سياسية عليا للمشاركة في القرارات السياسية، خصوصاً المتعلقة منها بالتفاوض مع الاحتلال، وعدم حصرها في جانب السلطة أو فتح فقط[74].

وبينما سعى الرئيس عرفات، في مواضع كثيرة (سنبحثها لاحقاً)، للأخذ بناصيتي التفاوض والمقاومة معاً وتعزيز التنسيق مع الفصائل، الذي تجسَّد في أثناء انتفاضة الأقصى 2000-2005، التي أعادت تغذية الخطاب السياسي الفلسطيني بلغة حركة التحرر الوطني في مقاومة الاحتلال، وولّدت أشكالاً من الوحدة التنظيمية القاعدية، عبر عقد اجتماعات دورية وإصدار بيانات مشتركة، افتقدتها ساحة انتفاضة 1987. ودَعَمَ الرئيس بشكل سري المقاومة، تسليحاً وتدريباً وتمويلاً، ولكنه ظلّ في الوقت نفسه يعلن إصراره على الالتزام بمسار التسوية السلمية كخيار استراتيجي. كما أنه عندما ألقى كلمة فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة General Assembly of the United Nations في 11/11/2001، أعلن وقف إطلاق النار من طرف واحد، مؤكداً أنه سيبذل ما بوسعه من أجل المحافظة عليه[75]. غير أن الرئيس عباس لم يتبنّ أسلوب عرفات في السير بشكل متوازٍ في دعم مساري التسوية والمقاومة، وأصر على الالتزام فقط بمسار التسوية السلمية، واستهل رئاسته في السلطة بتعهده بالالتزام بخريطة الطريق ومكافحة “العنف”[76]، فيما باتت “المقاومة السلمية” سمة لصيقة لتعهداته الدولية فيما بعد.

وشكلت مواقف مؤسسة الرئاسة موضع تكدّر للعلاقات مع القوى والفصائل، لا سّيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في ظلّ انتقادها “للتنسيق الأمني مع الاحتلال ونزع سلاح المقاومة واعتقال كوادرها في الضفة الغربية، ومواصلة نهج التفاوض على حساب المصالحة”[77]؛ فضلاً عن انتقادها لموقف الرئيس عباس من قضية اللاجئين، بالإشارة إلى تصريحه “عودة عدد محدود منهم وحصول البقية على تعويض”[78]؛ بما يُعدُّ، في نظرها، انتقاصاً من حقّ وطني غير قابل للتفريط فيه أو التنازل عنه. بالإضافة إلى نعت عباس لصواريخ المقاومة بـ”العبثية”[79]، وتأكيد عدم “سماحه بانتفاضة ثالثة”، في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي، وانتقاده لانتفاضة 2000 التي “دمرّت كلّ شيء”[80]، بحسب قوله.

حضرت تجليات أزمة العلاقة بين الرئاسة وبين عدد من القوى والفصائل الفلسطينية من بين ثنايا اتفاقيات أوسلو، ونتيجة تنفيذ السلطة لالتزاماتها الأمنية الواردة فيها، بالرغم من استمرار عدوان الاحتلال ضدّ الشعب الفلسطيني.

وقد عكس ذلك نفسه، منذ تشكيل السلطة، خلال الحملات الأمنية ضدّ عناصر المقاومة، خصوصاً في الفترات التي تشهد فيها الأراضي المحتلة تصعيداً في عدوان الاحتلال وردّ المقاومة عليها، أو تنفيذ عمليات استشهادية في فلسطين المحتلة سنة 1948؛ بالإضافة إلى استهداف البنية التحتية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي عبر إغلاق المؤسسات والجمعيات التابعة لهما[81]. كما قامت الرئاسة بإصدار قرارات بمصادرة الأسلحة وإغلاق الصحف والمجلات التي تدعم علناً عمليات المقاومة؛ فضلاً عن انتهاك حقّ حرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي في ظلّ تغييب سيادة القانون، وضعف السيطرة الأمنية لصالح انتشار الفوضى والفلتان الأمني، وقيام البعض بأخذ القانون باليد مما يشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق المواطنين[82].

وواصلت مؤسسة الرئاسة النهج نفسه منذ سنة 2005، عبر حملات اعتقال كوادر المقاومة، ومصادرة السلاح، ومداهمة مؤسساتها ومصادرة محتوياتها[83]؛ فضلاً عن الاعتقال التعسفي وانتهاك حقّ حرية الرأي والتجمع السلمي عبر منع مواطنين وقوى وأحزاب سياسية من تنظيم مظاهرات سلمية[84]. وكان من أمثلة ذلك، الإجراءات التي اتخذت لتفرقة التظاهرات الشعبية التي عمّت الضفة الغربية في آذار/ مارس 2011 للمطالبة بإنهاء الاحتلال، والهجوم العنيف الذي شنه أفراد من قوات الشرطة والأمن التابعة للسلطة في الضفة الغربية في مطلع سنة 2012 وفي منتصفها بحق المتظاهرين السلميين، احتجاجاً على لقاء كان مقرراً عقده في رام الله بين الرئيس عباس ووزير في الحكومة الإسرائيلية، قبيل إلغائه، وللتنديد بسياسة القمع الوحشي والاعتقالات التعسفية[85]، وفق تقرير منظمة العفو الدولية.

 

الانقسام الفلسطيني:

شكلت انتخابات المجلس التشريعي سنة 2006، التي حصدت فيها حركة حماس 74 مقعداً مع فوز 4 مستقلين متحالفين معها، مقابل 45 مقعداً لفتح، و9 مقاعد للقوائم المحسوبة على اليسار، والبقية لمستقلين من أصل 132 مقعداً[86]، مفصلاً حاداً في مفاعيل الانقسام المستمر حتى اليوم.

وبالرغم من طرح حماس، في البداية، تشكيل حكومة ائتلاف وطني، إلا أنها تعرضت إلى حصار دولي، وضغوط كبيرة متواترة للقبول بشروط اللجنة الرباعية الدولية Quartet، للاعتراف بالكيان الإسرائيلي وبالاتفاقيات المبرمة معه، ونبذ ما يسمى “العنف”[87]، مما اضطرها إلى تشكيل الحكومة منفردة بعد رفض فتح والفصائل الأخرى الانضمام إليها.

قادت الخلافات بين فتح وحماس إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية على أرضية المحاصصة وفق اتفاق مكة الذي أبرم في شباط/ فبراير 2007 تحت رعاية سعودية، تمهيداً مفترضاً لخطوة فكّ الحصار وفتح المعابر. ولكن الحصار استمر مصحوباً بخلاف بين مؤسستي الرئاسة ومجلس الوزراء على الصلاحيات، سرعان ما تحول إلى صراع دموي بين عناصر الأجهزة الأمنية وفتح، وبين عناصر القوة التنفيذية التابعة لحماس؛ فشهد القطاع فلتاناً أمنياً، وسط اتهام حماس لمؤسسة الرئاسة بـ”إدخال أسلحة، وتدريب عناصر ضمن خطة أمريكية لتصفيتها”[88]، مما “اضطرها إلى وضع حدّ للتيار المرتبط بأجندة أمريكية صهيونية”[89]، عبر سيطرتها على القطاع في 14/6/2007. غير أن الرئيس عباس وصف ما حدث في غزة “انقلاباً على الشرعية”، مُصدراً عدة مراسيم (سبق ذكرها)، ومتهماً حماس بـ”احتضان تنظيم القاعدة في القطاع”[90]، الأمر الذي رأت فيه الحركة “تحريضاً خطيراً يهدف إلى عزلها إقليمياً ودولياً، ويمهد لتدخل دولي ضدها”[91].

وقد تعزز هذا الاعتقاد عند حماس غداة الحديث عن معلومات حول “تأييد رئاسة السلطة لاستمرار الحرب الإسرائيلية ضدّ القطاع”[92]، التي وقعت بين 27/12/2008 و18/1/2009. وقد وجهت القوى والفصائل، من بينها كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح، انتقادات للرئاسة، وقيادة المنظمة، والسلطة لتأجيل ممثل المنظمة في الأمم المتحدة اتخاذ قرار في مجلس حقوق الإنسان الأممي بشأن تقرير جولدستون Goldstone Report حول إدانة الاحتلال، لارتكابه مجازر حرب في غزة في أثناء العدوان، ولاحقاً بسحبه، مما “وضعها في دائرة الشك والتواطؤ مع الاحتلال”[93]، حسب رأيها.

سمح التجاذب الإعلامي المتبادل بين حركتي فتح وحماس، والمترافق مع حملات اعتقال عناصر المقاومة في الضفة الغربية، بتوليد أزمات حادة طغت على جلسات المصالحة، والاتفاقيات الناتجة عنها، والتي لم تسفر حتى اليوم عن إنهاء الانقسام، وبإحداث فرز للداخل الفلسطيني بين قطب يدعو إلى التسوية بإخضاع القضية لموازين القوى فقط، مقابل آخر يتبنى خطّ المقاومة. وهو ما يحدث في ظلّ محاولات القوى الدولية والكيان الصهيوني وبعض الأنظمة العربية لتشديد الخناق على حماس، إما لإفشالها وتسهيل إسقاطها، أو الضغط عليها لقبول شروط الرباعية[94]واستدراجها في إطار العملية السلمية.

ثالثاً: مؤسسة الرئاسة والاحتلال الإسرائيلي:

احتكمت مؤسسة الرئاسة في إدارة علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي إلى محددات اتفاق أوسلو المجحفة، فظلت سياستها أسيرة لبنوده، دون محاولة الخروج من إطارها، في ظلّ الانحياز الأمريكي للاحتلال وضعف الدعم العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية. ويبرز ذلك في اعتماد مؤسسة الرئاسة خيار التفاوض الأوحد، دون تبني استراتيجية وطنية تضم خيارات وبدائل أخرى، وتأخذ بالاعتبار طبيعة الفكر الصهيوني تجاه القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من محاولة الرئيس عرفات، في بعض المواضع، الحصول على أوراق قوة تجمع بين ناصيتي التفاوض والمقاومة معاً، كما برز خلال مجزرة “نفق الأقصى” سنة 1996، وفي أثناء انتفاضة الأقصى 2000-2005 حينما دعم شراء الأسلحة، وتدريب المقاومة، ودعم الحوار الوطني مع مختلف الفصائل، بما فيها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فضلاً عن استخدام الاحتجاج الجماهيري المدعوم من جانبه ضدّ عدوان الاحتلال كورقة ضغط في أثناء المفاوضات، والتلويح أكثر من مرة بإعلان قيام الدولة الفلسطينية بإجراء أحادي الجانب عند بلوغ جلسات التفاوض طريقاً مسدوداً[95]. إلا أن ذلك كله كان يجري غالباً، باستثناء الانتفاضة، في إطار إدارة التفاوض مع الاحتلال وليس تعبيراً عن استراتيجية بديلة له.

أما الرئيس عباس فقد قطع الوصل مع المقاومة، بشكلها الكفاحي المسلح، مبقياً على الجوانب السلمية منها فقط، وهو الأمر الذي برز جلياً بعد الانقسام، في ظلّ التنسيق الأمني مع الاحتلال وملاحقة عناصر المقاومة في الضفة الغربية، مسقطاً بذلك أوراق قوة من يده ومكتفياً بالتفاوض “خياراً استراتيجياً وحيداً لإحلال السلام في المنطقة”[96]؛ أو حتى “منهجاً للحياة”[97]، وفق رؤية كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، بالرغم من إقرار كلٍّ من عباس وعريقات “بفشل مسار التسوية بسبب التعنت الإسرائيلي”[98]، ولكن من دون مبارحة طاولة التفاوض.

وغالباً ما كان يصاحب العودة الفلسطينية إلى المفاوضات، بعد انقطاع يطول أو يقصر، رفضٌ شعبيٌ وفصائليٌ واسع، لا يتم الأخذ به؛ بينما يقوم الطرف الإسرائيلي بـ”تكسير” الشروط الفلسطينية المسبقة لها والخاصة بوقف الاستيطان، فتجري المفاوضات على وقع استمراره، أسوة بجلسات التفاوض التي انطلقت في نهاية تموز/ يوليو 2013، على الرغم من رفض غالبية القوى والفصائل لاستئنافها في ظلّ الاستيطان وغياب المرجعية المحددة وفق حدود سنة 1967.

وقد سمح فتح قنوات تفاوض سرية إلى جانب جلسات المفاوضات العلنية، منذ أوسلو، والتي غالباً ما يكشف عنها لاحقاً، في توليد الشكوك حول مدى قرب القائمين على العملية التفاوضية من الحقوق الوطنية الفلسطينية، والخروج أحياناً، بصيغ تصفية للقضية الفلسطينية، على شاكلة اتفاق بيلين – أبو مازن Beilin-Abu Mazen document، في 31/10/1995، الذي أقر بعودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس في الأرض المحتلة سنة [99]1948، أسوة بمبادرة أيالون – نسيبة Nusseibeh–Ayalon Plan، في تموز/ يوليو 2002، وتفاهمات جنيف Geneva Accord، في كانون الأول/ ديسمبر 2003، اللتين أضافتا إلى اتفاق بيلين – أبو مازن عَودة اليهود إلى “الدولة اليهودية”. وهذا يمنح “صكّ اعتراف” مجاني بما يسعى إليه الكيان الإسرائيلي لإقرار مشروعيته التاريخية والدينية والقانونية المزعومة، فضلاً عن إسقاط حقّ عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجروا منها بفعل العدوان الصهيوني سنة 1948، وحرمان المواطنين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة سنة 1948 من حقهم في وطنهم.

على الرغم من تبني منظمة التحرير مطلب إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة سنة 1967 وعاصمتها القدس الشريف، إلى جانب الكيان الإسرائيلي، وإرجاء قضايا الوضع النهائي إلى المرحلة النهائية وفق أوسلو، وإلغاء بنود من الميثاق الوطني الفلسطيني تتحدث عن “فلسطين التاريخية”، و”الكفاح المسلح”، و”الصهيونية” كحركة عنصرية توسعية، خلال جلسة عقدها المجلس الوطني سنة 1996 في غزة، تلبية لمطالب إسرائيلية أمريكية[100]، غير أن ذلك كله كان يجابه إسرائيلياً بتصعيد العدوان ضدّ الشعب الفلسطيني. وكان يشجع الإسرائيليين على ذلك انتفاء اختلافاتٍ حقيقية بين أحزابهم، بمختلف توجهاتها اليسارية واليمينية والدينية، تجاه القضية الفلسطينية، حيث ترفع مجتمعة “لاءات” العودة إلى حدود 4/6/1967، وتقسيم القدس، وحقّ العودة، ووقف الاستيطان، مقابل الحديث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح، أو حتى رفضها كلياً.

ويحضر هذا الموقف الإسرائيلي الثابت، مع “تكييف تكتيكي” لمخرجاته أحياناً طبقاً للمرحلة، في متوالية الأطر التي عقدت للتسوية، منذ انطلاق أوسلو حتى مؤتمر أنابوليس 2007، مروراً باتفاقيات القاهرة 1994، وطابا 1995، وواي ريفر 1998، وشرم الشيخ 1999-2003، ومفاوضات كامب ديفيد التي شهدت تمسك الرئيس عرفات بالثوابت الوطنية، على الرغم من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المضادة. وقد تمّ تحميل عرفات مسؤولية فشل ما سُمِّي “الفرصة الأخيرة” في تحقيق اختراق سياسي، دون أن يتم الالتفات إلى مسؤولية “لاءات” رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بشأن تقسيم القدس وحقّ العودة وإزالة المستعمرات الكبرى[101]، وتحرير الاحتلال من كلّ مطلب مستقبلي بشأن قضايا الوضع النهائي[102]، وهو ما رفضه الرئيس عرفات.

وجاءت خريطة الطريق وسط تحذير فلسطيني من شطب حقّ العودة، وافتقارها تصوراً محدداً حول شكل الحل الدائم، وطبيعة الدولة الفلسطينية وحدودها وصلاحياتها ومساحتها، فيما تلخص الجديد فيها بطلب تطبيق الالتزامات الإسرائيلية بالتوازي وليس بالتوالي، وتجميد الاستيطان[103]. إلا أن الجانب الإسرائيلي كبلها بنحو 14 تحفظاً بشأن رفض حقّ العودة، وتفكيك بنية “الإرهاب” والاعتراف “بيهودية الدولة”[104]، فيما كانت الخريطة وسيلة مثالية للاحتلال لإطالة عمر المفاوضات، ومنحه الفرصة الكافية لتعميق الخلل القائم لمصلحته.

وقد تكرر الموقف الإسرائيلي نفسه من المبادرة العربية للسلام، التي أعلنت في قمة بيروت 2002، وشكلت أساس التحرك العربي، حيث أعلن ابتداءً برفضها، ومن ثم وافق على التعاطي معها على أنها أفكار للتفاوض، شريطة “إخراج حقّ العودة والمستوطنات والقدس من المعادلة، وتوسيع دائرة المباحثات لتشمل دولاً أخرى”[105].

يخرج من مؤسسة الرئاسة أحياناً مقولات متناقضة بمنطوق التهديد أكثر منه تكتيكياً سياسياً لاستراتيجية واضحة. وهي مقولات تتنقل بين “حلّ السلطة”، و”الدولة الواحدة”، ومحاكمة الاحتلال دولياً، مما يعكس مأزقاً حقيقياً حاداً، ليس لأنها فقط تدخل في إطار إدارة التفاوض، أو لغياب صفة الجدية وعدم الانسجام مع استراتيجيتها ونهجها، وإنما أيضاً، لكونها تشي بإشكالية “الانفراد السياسي” فيما تعتقده السلطة مخرجاً مناسباً للأزمة الراهنة، وسط غياب الإجماع الوطني عليها.

ويأتي التلويح بالدولة الواحدة من جانب السلطة كخيار سيء، يقصد به التخويف من مغبة الإنجرار نحوه نتيجة سياسة الاحتلال، وليس حلاً جاداً مطروحاً للبحث، ومن شأن ذلك الاستخدام بتلك الطريقة أن يلحق أضراراً جسيمة تلغي مطلب اللجوء إليه.

أما إذا كانت إقامة دعاوى جزائية أمام المحكمة الجنائية الدولية ضدّ مجرمي الحرب الإسرائيليين وحيال انتهاكاتهم الاستيطانية في الأراضي المحتلة، تُعدُّ مطلباً وطنياً متاحاً بعد “الصفة” الجديدة لفلسطين في الأمم المتحدة، فإن الرئيس عباس قد حسم أمرها حينما صرح “بعدم التوجه إلى المحكمة إلا عند الاعتداء الإسرائيلي علينا”[106]، بحسب تعبيره، مما فرّغ هذا المنجز من مضمونه الحقيقي، وجرّ قلقاً فلسطينياً من انسحابه على الشق الآخر من المكسب القانوني، ممثلاً في اتفاقيات جنيف الأربع Geneva Conventions.

ويؤشر هذا المعطى للانتقاد الذي صاحب الخطوة الأممية، حيث لم يكن القرار بديلاً عن التفاوض الذي لم تغادر القيادة الفلسطينية دائرته قطّ، ولكنها أرادت إيجاد بيئة تفاوضية جديدة من خلال تحسين المركز القانوني دولياً عبر العضوية في الأمم المتحدة[107]. أي أنها لم تضعها ضمن إطار استراتيجية بديلة عن المفاوضات بعدما أدركت فشلها، فيما أرجأت متطلباتها اللاحقة لإعطاء فرصة أمام جهود إحياء العملية السلمية.

ومع ذلك، لن يلتزم الاحتلال بنواتجها التي لا تغير موازين القوى ولا الوقائع على الأرض، وإنما بما تجسده متغيراته الاستيطانية والعدوانية في الأراضي المحتلة.

أما تهديد الرئيس عباس بحل السلطة، فإنه يعبر عن مأزق، وليس مخرجاً، إزاء سياسة الاحتلال المُقوِّضة لـ”حلّ الدولتين”، وأزمة السلطة المالية، وتراجع دعم الدول المانحة، وعدم التزام الدول العربية بتعهداتها التي أقرتها في قمم عربية سابقة بتقديم الدعم المالي اللازم للسلطة.

وإذا كان “حلّ السلطة” يجد قاعدته الشعبية الواسعة لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن “العالم” لا يرى فيه تهديداً أمام متوالية تكراره، ولتناقضه الصريح مع قدرة السلطة على تنفيذه، بسبب الضغط الخدماتي والوظيفي على الأقل؛ بسبب الرفض الغربي الإسرائيلي له، في ظلّ التنسيق الأمني مع الاحتلال، وعدم قبول الأخير بالعودة للاحتلال المباشر، وإزاء خطّ سائد في القيادة الفلسطينية يرى عدم استنفاد الخيارات الأخرى، باعتبار السلطة معبراً للدولة الموعودة وجهازاً خدمياً حيوياً.

وأياً يكن، فقد قاد مسار أوسلو إلى هذا النوع من الاستراتيجيات المتناقضة، في ظلّ التشبث به بالرغم من فشله، والإصرار على الاستمرار في مسار تفاوضي مجرب في إخفاقه، واستمرار الانقسام.

لم تنفك مؤسسة الرئاسة عن أَسْر رهانها على الولايات المتحدة في العملية السلمية، دون البحث عن منافذ دولية أخرى وساحات أكثر رحابة وإسناداً للقضية الفلسطينية، على الرغم من الانحياز الأمريكي المفتوح للاحتلال.

وإذا كانت مسيرة الإدارات الأمريكية المتعاقبة تبين انحيازها السافر للكيان الإسرائيلي، على حساب الحقوق العربية الفلسطينية المشروعة، فإن مسار عملية السلام منذ مؤتمر مدريد Madrid Conference 1991 حتى اليوم يجسده عملياً، عبر دعم واشنطن للأمن الإسرائيلي ولمطالب الاحتلال في المفاوضات، مقابل إعمال الضغط المضاد على القيادة الفلسطينية، إما للقبول بتقديم التنازلات أو لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة.

ويزيد الأمر صعوبة؛ حرص الإدارة الأمريكية على الإمساك بتلابيب ملف العملية السلمية، وتحييد دور الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، خلا الجانب الاقتصادي بالنسبة للأخير، وغضّ الطرف عن انتهاكات الاحتلال في الأراضي المحتلة، من دون طرح رؤية لإنهاء الصراع أو امتلاك الإرادة لفرض حلّ متوازن. وهذا ما حدث في سنوات ولاية الرئيس باراك أوباما الأربع الأولى الجوفاء من أيّ تقدم جديّ باتجاه التسوية السلمية، باستثناء جولات متوالية، لجورج ميتشل، مبعوث أوباما للسلام في الشأن الفلسطيني، وجولات لوزيرة خارجيته هيلاري كلينتون Hillary Clinton. كما حدث تحرك لوزير الخارجية في دورة أوباما الثانية يوحي باستمرار الاهتمام بهذا الملف، على الرغم من انشغال أمريكا بالقضايا الداخلية والخارجية الأخرى، وللتأكيد بأن العملية السلمية لم تمت.

ولا تشي المؤشرات الراهنة عن انفصام مع النهج السابق، إذ لا يبدو أن الإدارة الأمريكية تملك، قريباً على الأقل، خطة واضحة لحل الصراع، وإنما إدارته فقط.

 

رابعاً: العلاقات الفلسطينية الخارجية:

1. مؤسسة الرئاسة والعلاقات العربية والإسلامية:

إذا كان الانتقال من مرحلة الشتات، بما شهدته من تأثر الفلسطينيين بضغوط النظم العربية ونتائج انقسامها والمواجهة مع بعضها، إلى سلطة وطنية تشكل نواة دولة عتيدة، بما لذلك من التزامات قانونية ودبلوماسية وسياسية متبادلة، قد أوجب تغييراً ساعد على صياغة العلاقات الفلسطينية – العربية بطريقة مختلفة؛ إلا أن ترسبات مفاصل الشتات عكست نفسها، أحياناً، على العلاقات الثنائية في عهد الرئيس عرفات، لا سيّما في الفترة الأولى من تشكيل السلطة[108]، والتي أخذت بـ”التفكك” إلى حدّ ما في عهد الرئيس عباس. بينما حضرت متغيرات عربية ودولية، من حيث انهيار الاتحاد السوفيتي وبزوغ القطب الأمريكي الأوحد، وتبعات حرب الخليج الثانية، والاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، والثورات والتغيرات في العالم العربي.

ومع ذلك، فقد حرص الرئيس عرفات، منذ توليه الرئاسة، على إقامة علاقات عربية وإسلامية متوازنة، عبر الرفض الفلسطيني للتدخل في شؤون الدول الداخلية، وإيجاد شبكة علاقات قوية مع منافذ آسيوية وإفريقية، حظيت الساحات العربية والإسلامية منها بمكانة متقدمة، وتنمية العلاقات إيجاباً مع إيران نظراً لمكانتها الاستراتيجية في النظام الإقليمي[109]. كما سعى عرفات لإيجاد تنسيق عربي متقدم، خاصة مع دول المواجهة منها، من أجل تشكيل تحالف عربي مضاد لعدوان الاحتلال وتنصله من تنفيذ الاتفاقيات، وقد تجسد ذلك في زيارته إلى سورية سنة 1996 بعد قطيعة دامت أربع سنوات، والتي جاءت بتشجيع من الرئيس المصري المعزول حسني مبارك[110]؛ فضلاً عن التنسيق والتعاون المستمرين مع الأردن للغرض ذاته.

وبالمثل؛ حرص الرئيس عباس على حشد الدعم السياسي، والمعنوي، والمالي للقضية الفلسطينية في إطار النظام الإقليمي العربي والإسلامي، عبر المشاركة في القمم العربية المتوالية، وزيارة الدول العربية والإسلامية، والتنسيق المستمر معها، خصوصاً مصر والأردن، حول العملية السلمية، ومن خلال لجنة المبادرة العربية للسلام، عدا عن الحراك النشط للدبلوماسية الفلسطينية التي جابت مختلف دول العالم، وفي مقدمتها الدول العربية والإسلامية، من أجل كسب التأييد اللازم لخطوتها في الأمم المتحدة.

ومع ذلك، تأثرت مفاعيل العلاقة الفلسطينية العربية بالمتغيرات والثورات الجارية بالمنطقة، منذ مطلع سنة 2011، فيما دخلت تبعات الانقسام الفلسطيني معطى إضافياً فيها.

فإذا كانت الثورة المصرية قد أزاحت الرئيس مبارك عن الحكم، بعدما شكل، بحسب حماس، سنداً قوياً لقيادة فتح والسلطة وحليفاً لها في جلسات حوار المصالحة، وفي “تأليب الرأي العام عليها”[111]، وتشديد الخناق على غزة في أثناء عدوان الاحتلال 2008/2009. فإن مصر تحت قيادة الرئيس مرسي قد شكَّلت ظهيراً استراتيجياً للقطاع خلال العدوان الإسرائيلي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، وكسرت جدار العزلة الذي أسر حماس سنوات، وأوجدت قبل ذلك رافعة قوية لتوقيع اتفاق المصالحة في القاهرة مطلع أيار/ مايو 2011. وقد هيَّأ ذلك لحماس أرضية استنادية قوية، فيما خفَّفت أوراق ضغط قوية ملكتها فتح طويلاً. غير أن الأحداث التي أدت لسيطرة الجيش على السلطة، وعزل الرئيس مرسي، في 3/7/2014، قد قلبت المعادلة، حيث تعرَّضت حماس لحرب إعلامية وحملات تشويه مصرية، وشددت السلطات المصرية الخناق على قطاع غزة. وقد أوجد هذا مناخاً مواتياً لرئاسة السلطة لإعادة الأمور إلى سابق عهدها.

أما علاقة مؤسسة الرئاسة مع طهران فهي ليست في أفضل أحوالها، بسبب انتقادها الدائم للدعم الإيراني المتقدم لفصائل المقاومة[112]، وذلك قبل أن تتوتر العلاقة بين طهران وحماس بسبب موقف الأخيرة من الأزمة السورية، التي قطعت الوصل أيضاً بينها والنظام السوري.

وتأخذ علاقة الرئاسة مع قطر، خلافاً للدول الخليجية الأخرى، حالتي الشدّ والجذب، أحياناً، بسبب استضافة الدوحة لقيادة حماس، وتواصلها مع الحكومة في غزة؛ وإثر زيارة أمير قطر التاريخية إلى غزة، بهدف كسر الحصار عنها وتقديم دعم إلى الشعب الفلسطيني، بلغ زهاء 450 مليون دولار[113].

لم يصل الدعم العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية إلى المستوى المطلوب، خارج سياق المواقف التضامنية، وعلى الرغم من النصرة التركية لقضايا الشعب الفلسطيني، إلا أنه ليس من المتوقع اتخاذها مواقف أكثر تقدماً بشكل يصطدم مع الاحتلال الإسرائيلي؛ نظراً لوجود علاقات اقتصادية وعسكرية متينة بين الجانبين التركي والإسرائيلي[114]، بقيت مزدهرة حتى في ظلّ توتر العلاقات التي تمّ استئنافها مؤخراً.

2. مؤسسة الرئاسة والعلاقات الدولية:

على الرغم من حرص مؤسسة الرئاسة على بناء علاقات دولية قوية لدعم قضيتها في مواجهة العدوان الإسرائيلي، إلا أن الإمساك الأمريكي بملف العملية السلمية، وتحييد دور الأمم المتحدة، وحصر الدور الأوروبي في إطار التمويل فقط، عدا عن الرهان الرئاسي على الإدارة الأمريكية بالرغم من انحيازها للاحتلال، وعدم البحث عن منافذ بديلة، خصوصاً أوروبا والصين التي يجمعها مع الدول العربية تاريخ جيد من العلاقات الثنائية، قد ضيق الخيارات أمام القيادة الفلسطينية. ويزيد من ذلك ضعف التنسيق بين الدول العربية، وتباين سياساتها الخارجية، ودوران كثير منها في فلك السياسة الأمريكية الغربية، وتشكيلها عنصر ضغط إضافي، أحياناً، على مؤسسة الرئاسة للمضي في خطوات العملية السلمية.

لقد صدرت بيانات عديدة من جانب الاتحاد الأوروبي European Union (EU) لدعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود سنة 1967 وفق “حلّ الدولتين”، وتمّ اتخاذ موقف متقدم من قضية التوسع الاستيطاني لجهة رفضها باعتبارها عقبة أمام العملية السلمية[115]. وقد تجسد ذلك في قرار “منع تمويل والتعاون مع هيئات ومؤسسات قائمة في المستوطنات في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة”[116]، مما تسبب في توتر علاقته مع الاحتلال. غير أن حالة الانفصام الحاد بين القول والفعل التي تعتري المواقف الغربية عموماً تجاه الكيان الإسرائيلي تجعل من المستبعد تحول التوتر في العلاقة إلى نشوب أزمة قد تحمل الاحتلال على تغيير مواقفه تجاه ما يتصل بقضايا الصراع.

وكان تراجع الاهتمام الدولي، كما العربي، بالقضية الفلسطينية أمام المتغيرات الجارية في المنطقة، أحد الأسباب التي دفعت مؤسسة الرئاسة للتوجه إلى الأمم المتحدة بطلب “العضوية غير الكاملة” في الجمعية العامة، في محاولة منها لإعادة القضية مجدداً على المسرح الدولي، بعدما مهدت لها بحراك دبلوماسي، عبر جولات مكوكية جابت مختلف العالم لطرح أهمية الخطوة في ظلّ الاستيطان الإسرائيلي القاضم للمساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية.

خامساً: “الدولة الفلسطينية” بين الواقع والممكن:

لم يُقيّض لمسار أوسلو، منذ ولادته سنة 1993، أن يسفر عن شيء، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله أو لاختلال موازين القوى لمصلحة الكيان الإسرائيلي فحسب، وإنما لإصرار الأخير على تحكيم هذا الخلل في فرض تسوية لا تحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ما أحدث مأزقاً حرجاً وأوضاعاً متدهورة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومساراً تفاوضياً متعثراً تارة، وجامداً تارة أخرى، على الرغم من متوالية المؤتمرات والاتفاقيات التي بقيت صورية أو حبراً على ورق.

وإذا كانت ثلاثة عناصر قد اجتمعت في توليفة المأزق الذي قاد إليه أوسلو اليوم؛ أولها مضمون الاتفاق نفسه، وثانيها طبيعة الاحتلال الذي استخدم الاتفاق لتكريس مشروعه الصهيوني في فلسطين، وثالثها الانحياز الأمريكي المفتوح للاحتلال مقابل ضعف الدعم العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية، فإنها أنتجت سلطة مقيدة ومحدودة الصلاحيات على الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد كان مبرر قيام واستمرار السلطة حملها مشروعاً قوامه التحول من سلطة حكم ذاتي على مناطق مجزأة إلى دولة وطنية ذات سيادة على إقليم سياسي وجغرافي (الضفة، وغزة، وشرقي القدس) وحدود معترف بها وفق سنة 1967، وحلّ لقضية اللاجئين وفق القرار الدولي 194، إلا أن كلّ ذلك لم يتحقق منه شيء، بينما بقيت السلطة “راسخة” لم يتغير وضعها منذ تأسيسها، خلافاً لآمال أقطاب أوسلو العريضة من الجانب الفلسطيني.

ولمنظمة التحرير، وفيما بعد مؤسسة الرئاسة، الحصة الأكبر من المسؤولية، إن لم يكن جلها، إزاء الارتضاء بتجزئة قضايا الوضع النهائي إلى ستة مجالات أساسية (اللاجئين، والقدس، والاستيطان، والحدود، والأمن، والمياه) وتأجيل بحثها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، ضمن فترة انتقالية كان من المفترض بلوغها سنة 1999، والمضي في النهج ذاته بدل مراجعة المسار السياسي غداة فشله. وقد تسبب ذلك في فتح عملية التفاوض، وفي الانغماس في مناقشة تفاصيل جزئية صغيرة على حساب القضايا الجوهرية للصراع. كما أدى إلى تحرير الاحتلال من أيّ التزامات أو مساءلة تجاه انتهاكاته في الضفة الغربية وقطاع غزة طالما تلك القضايا خاضعة للبحث لاحقاً، فضلاً عما سببه اتفاق أوسلو من تفكيك مختلف مكونات السيادة الفلسطينية.

أضعف هذا الوضع أوراق ضغط قوية ضدّ الكيان الإسرائيلي، بينما أثقل السلطة بالتزامات أوسلو الذي لم يعد الاحتلال يدرجه في حسابه. وسمح ذلك بانفلات الاحتلال من ضغط اللحظة، وإغراق المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة بالمستعمرات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، سعياً إلى تطبيق الرؤية الإسرائيلية للكيان الفلسطيني المستقبلي الذي لا يخرج بالنسبة إليها عن إطار حكم ذاتي معني بالسكان، ولا يملك السيادة والأمن الموكولين للاحتلال.

ولم تغير “الصفة” الجديدة لفلسطين في الأمم المتحدة من واقع الحال، كما لم تُقم الدولة فعلياً، ولن تُلزم الجانب الإسرائيلي بما يعاكس متغيراته الاستيطانية في الضفة الغربية، غير أن الإشكالية تكمن هنا في التعويل المستمر لمؤسسة الرئاسة على مسار التفاوض، باعتباره خياراً استراتيجياً وحيداً يتقدم على سواه من البدائل الأخرى.

 

 

خلاصة:

ليس هناك ما يشي بقرب التوصل إلى تسوية سلمية خلف المنعطف القادم، على الأقل، في ظلّ صيغ تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وصعوبة حدوث خرق في الفكر الصهيوني اليميني الذي تحمله التيارات الإسرائيلية، بمختلف توجهاتها، تجاه القضية الفلسطينية، فكراً وتطبيقاً، وإزاء الانحياز الأمريكي للاحتلال، وضعف الدعم العربي الإسلامي للقضية.

بينما يتفاقم المأزق الفلسطيني، في ظلّ إخفاق منظمة التحرير في اختبار المفاوضات، وتحقيق أهداف التحرير وتقرير المصير وحقّ العودة، وأداء داخلي يتسم بصلاحيات واسعة لمؤسسة الرئاسة وغامضة للحكومة، وتداخل بين السلطات، وليس فصلها، وتهميش للسلطتين التشريعية والقضائية؛ على وقع انتشار رائحة الفساد، وانتقاد شعبي وفصائلي لإدارة التفاوض، وغياب الإجماع الوطني عن جلساتها، وتعثر خطوات المصالحة، وتكرّس الانقسام مقابل عدوان إسرائيلي متصاعد ضدّ الشعب الفلسطيني.

إن ذلك يتطلب تغييراً في الاستراتيجية التي قادت إلى المأزق؛ عبر الاعتراف أولاً بفشل مسار أوسلو، وبالعودة إلى الوحدة الوطنية وترتيب البيت الداخلي؛ بإعادة بناء منظمة التحرير أولاً، ووضع برنامج سياسي وطني يتبنى المقاومة، بشتى أشكالها، فضلاً عن تخلي السلطة عن التنسيق الأمني مع الاحتلال.



[1] هذه الدراسة هي دراسة علمية محكّمة؛ وقد أُجيز نشرها في كتاب “السلطة الوطنية الفلسطينية: دراسة في التجربة والأداء 1994-2013″، الذي قام بتحريره د. محسن محمد صالح، والذي سيصدر نصه العربي عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، 2014.

[2] دكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة سنة 2010. مديرة تحرير الشؤون الفلسطينية في جريدة الغد الأردنية، وصحفية معنية بتغطية الشأن الفلسطيني، في الجريدة نفسها. مُحاضرة غير متفرغة في العلوم السياسية في جامعة الزيتونة الأردنية الخاصة. شاركت في العديد من المؤتمرات بأوراق عمل متخصصة، ولها العديد من الأبحاث والدراسات التي نُشرت في مجلات علمية محكَّمة، ولها مقالات عن الشأن السياسي العربي والفلسطيني في عدد من الصحف العربية.

[3] القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2002، صحيفة الوقائع الفلسطينية (الجريدة الرسمية)، ديوان الفتوى والتشريع، غزة، العدد الممتاز، 7/7/2002، موقع وزارة العدل الفلسطينية، انظر: http://www.moj.gov.ps/official-newspaper

[4] القانون الأساسي المعدل، الوقائع الفلسطينية (الجريدة الرسمية)، ديوان الفتوى والتشريع، غزة، العدد الممتاز، 19/3/2003، وزارة العدل الفلسطينية.

[5] “القانون الأساسي لسنة 2005 م بتعديل بعض أحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 م،” الوقائع الفلسطينية (الجريدة الرسمية)، ديوان الفتوى والتشريع، غزة، العدد 57، 13/8/2005، وزارة العدل الفلسطينية، انظر:

 http://www.mpil.de/files/pdf1/basic_law_2005.pdf

[6] أحمد قريع، الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات من أوسلو إلى خريطة الطريق (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011)، جزء 3، ص 240.

[7] القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2002، مرجع سابق.

[8] قيس عبد الكريم وآخرون، الحكومات الفلسطينية: 19942006 (بيروت: دار التقدم العربي للصحافة والطباعة والنشر، 2008)، ص 18.

[9] شفيق الحوت، “اتفاقات عرفات – رابين ومصير منظمة التحرير الفلسطينية،” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 5، العدد 18، ربيع 1994، ص 14-16.

[10] ممدوح نوفل، “إشكالية العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وسبل حلها،” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 6، العدد 22، ربيع 1995، ص 56-57.

[11] عزمي بشارة، “فلسطين إلى أين؟،” المستقبل العربي، العدد 329، تموز/ يوليو 2006، ص 7-11.

[12] الغد، 13/9/2013.

[13] جبريل محمد وعمر رحال، مدخل إلى مفهوم الحكم الصالح في فلسطين: الحكم المحلي نموذجاً (رام الله: مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، 2000)، ص 55-56.

[14] أحمد قريع، الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات من أوسلو إلى خريطة الطريق، ص 242.

[15] رجا شحادة، “النقل المبكر للصلاحيات في الضفة الغربية: العبء لا المسؤولية،” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 6، العدد 21، شتاء 1995، ص 55-56.

[16] وفق المادة الرابعة من اتفاق غزة – أريحا، المسمى أيضاً باتفاق القاهرة والذي تمّ توقيعه في 4/5/1994.

[17] الغد، 12/9/2012.

[18] بموجب اتفاق القاهرة الصادر في 4/5/1994.

[19] مروان كنفاني، سنوات الأمل (القاهرة: دار الشروق، 2007)، ص 337.

[20] داود سليمان، مرجع سابق، ص 50-54.

[21] أحمد محمود، “اتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني: قراءة في المضامين والإشكاليات والتطورات المستقبلية،” السياسة الدولية، العدد 117، تموز/ يوليو 1994، ص 169.

[22] مروان كنفاني، مرجع سابق، ص 270.

[23] أيمن يوسف، “النظام السياسي الفلسطيني (1996-2006): من الأحادية إلى الاستقطاب الثنائي،” المستقبل العربي، العدد 334، كانون الأول/ ديسمبر 2006، ص 42.

[24] مروان كنفاني، مرجع سابق، ص 334.

[25] داوود سليمان، مرجع سابق، ص 78.

[26] مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، “حالة الحريات العامة في مناطق السلطة الفلسطينية،” مجلة شؤون استراتيجية، عمّان، العددان 24 و25، السنة الثامنة، 2009، ص 114.

[27] المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ملاحظات نقدية على قانون المطبوعات والنشر لعام 1995 (غزة: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 1995)، ص 13-15.

[28] المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، “حرية الرأي والتعبير في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية”، مجلة الدراسات الإعلامية، القاهرة، العدد 118، كانون الثاني/ يناير – آذار/ مارس 2005، ص 171.

[29] المرجع نفسه، ص 190.

[30] علي الجرباوي، “حول الأجندة الخارجية لإصلاح الحالة الفلسطينية،” المستقبل العربي، العدد 335، كانون الثاني/ يناير 2007، ص 47.

[31] انظر: يزيد صايغ وخليل الشقاقي، ترجمة مركز البحوث للدراسات الفلسطينية، تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية (نيويورك: مجلس العلاقات الخارجية، 1999).

[32] عبد الإله بلقزيز، “حماس وفتح والرئاسة: لعبة الأخطاء القاتلة،” المستقبل العربي، العدد 330، آب/ أغسطس 2006، ص 31.

[33] صاغتها اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) سنة 2003.

[34] انظر: الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية تنذر بعواقب وخيمة، الشرق الأوسط، 29/7/2007.

[35] الغد، 26/4/2013.

[36] شريف الموسى ومحمود الجعفري، “السلطة والتجارة: البروتوكول الاقتصادي الإسرائيلي – الفلسطيني،” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 6، العدد 21، شتاء 1995، ص 29.

[37] الحياة، 6/8/2013.

[38] المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)، دراسة أعدتها بكدار حول الوضع المالي في غزة، انظر:

http://www.pecdar.ps/userfiles/file/emp.%20report.pdf

[39] الغد، 12/9/2012.

[40] مريم عيتاني، صراع الصلاحيات بين فتح وحماس في إدارة السلطة الفلسطينية 20062007 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008).

[41] الغد، 13/9/2013.

[42] صحيفة الحياة الجديدة، رام الله، 17/7/2007.

[43] بيان صادر عن المكتب الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية – حماس في 14/7/2007.

[44] الحياة الجديدة، 17/7/2007.

[45] مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 104.

[46] جبريل محمد وعمر رحال، مرجع سابق، ص 64.

[47] مروان كنفاني، مرجع سابق، ص 475 و478.

[48] جبريل محمد وعمر رحال، مرجع سابق، ص 65.

[49] القدس، 30/5/2008.

[50] القدس، 27/11/2008.

[51] الأيام، 13/4/2013.

[52] موقع فلسطين أون لاين، 18/9/2013، انظر: http://www.felesteen.ps

[53] أيمن يوسف، مرجع سابق، ص 42.

[54] جبريل محمد وعمر رحال، مرجع سابق، ص 66.

[55] علي الجرباوي، مرجع سابق، ص 75.

[56] المرجع نفسه.

[57] القدس، 28/8/2013.

[58] الشرق الأوسط، 16/6/2013.

[59] وفا، 22/9/2013، انظر: http://www.wafa.ps/Arabic/index.php?action=detail&id=160438؛

وانظر أيضاً: الحياة الجديدة، 23/9/2013.

[60] القدس، 3/9/2013.

[61] عبد العزيز الأعرج، “ردود الفعل الفلسطينية على اتفاق طابا،” مجلة شؤون الأوسط، بيروت، العدد 46، تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، ص 50.

[62] انظر برنامج دراسات التنمية – جامعة بيرزيت في: www.birzeit.edu/ccds/arabic/opinionpolls/poll2

[63] جميل هلال، “قراءة في نتائج استطلاع للرأي في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية شباط (فبراير) 2002،” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 13، العدد 50، ربيع 2002، ص 153.

[64] انظر برنامج دراسات التنمية – جامعة بيرزيت.

[65] القدس، 7/4/2004.

[66] انظر برنامج دراسات التنمية – جامعة بيرزيت.

[67] الحياة، 6/8/2008.

[68] القدس، 18/1/2011.

[69] القدس، 15/12/2012.

[70] القدس، 3/9/2013.

[71] انظر: محمد حسنين هيكل، “السياسة والتاريخ في غزة – أريحا أولاً،” السفير، 21/10/1993.

[72] سامي خاطر، “تقييم المسار السياسي لحركة حماس (2006–2007)،” في محسن محمد صالح (محرر)، قراءات نقدية في تجربة حماس وحكومتها (20062007) (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007)، ص 18-21.

[73] بيان صادر عن حركة المقاومة الإسلامية – حماس في 1/12/2004.

[74] نايف حواتمة، أبعد من أوسلو: فلسطين إلى أين؟ (عمّان: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، 2000)، ص 30-34.

[75] مؤسسة ياسر عرفات، ياسر عرفات، حياة لا تنسى، الانتفاضة الثانية، انظر:

http://www.yaf.ps/ya/life_details.php?start=28

[76] الشرق الأوسط، 9/2/2005.

[77] أسامة حمدان، “إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية: رؤية حركة حماس،” في محسن محمد صالح (محرر)، منظمة التحرير الفلسطينية: تقييم التجربة وإعادة البناء (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007)، ص 188-189.

[78] صحيفة الأهرام، القاهرة، 28/7/2008.

[79] صحيفة النهار، بيروت، 23/1/2008.

[80] السفير، 26/9/2008.

[81] انظر: وائل سعد، “قراءة نقدية في تجربة السلطة الوطنية الفلسطينية،” في محسن محمد صالح (محرر)، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني والآفاق المحتملة (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2013).

[82] المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، “حرية الرأي والتعبير في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية،” ص 172-191.

[83] خالد محمد صافي، “قراءة أولية في وصول حركة حماس إلى السلطة ومستقبل عملية التسوية،” مجلة دراسات باحث، مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، بيروت، العدد 13-14، شتاء/ ربيع 2006، ص 161.

[84] مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 106-113؛ وانظر أيضاً: وائل سعد، مرجع سابق.

[85] القدس، 23/9/2013.

[86] الأيام، 30/1/2006.

[87] محمد خالد الأزعر، “صعود حماس ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني،” مجلة شؤون عربية، القاهرة، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، العدد 125، ربيع 2006، ص 139.

[88] صحيفة الحقائق الدولية، لندن، 11/7/2007.

[89] بيان صادر عن حركة المقاومة الإسلامية – حماس في 14/6/2006.

[90] الحياة الجديدة، 17/7/2007.

[91] بيان صادر عن المكتب الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية – حماس في 21/7/2007.

[92] انظر: وكالة فلسطين اليوم الإخبارية، 5/10/2009، في: http://www.paltoday.com/arabic/news-59495.htm1

[93] القدس العربي، 5/11/2009.

[94] عبد الإله بلقزيز، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من فتح إلى حماس (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص 113-118.

[95] مروان كنفاني، مرجع سابق، ص 380 و395.

[96] الحياة الجديدة، 20/1/2009.

[97] صائب عريقات، الحياة مفاوضات (نابلس: جامعة النجاح الوطنية، 2008).

[98] القدس، 25/2/2010.

[99] جابر سليمان، “اللاجئون الفلسطينيون في مشاريع التسوية،” دراسات باحث، العدد 6، ربيع/ صيف 2004، ص 112-122.

[100] شفيق الحوت، “تجربة منظمة التحرير الفلسطينية: رؤية عامة،” في محسن محمد صالح (محرر)، منظمة التحرير الفلسطينية: تقييم التجربة وإعادة البناء (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007)، ص 16-17.

[101] كميل منصور، “أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 والمواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية،” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 13، العدد 49، شتاء 2002، ص 22-23.

[102] عوزي بنزيمان، “أروقة السلطة.. تعب المعركة،” صحيفة هآرتس، 11/3/2000.

[103] عزمي بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية (القاهرة: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2005)، ص 345.

[104] صبحي عسيلة، “السياسة الأمريكية تجاه خريطة الطريق،” السياسة الدولية، العدد 153، تموز/ يوليو 2003، ص 184–188.

[105] حسن أبو طالب، “المبادرة العربية بين السكون والحركة،” السياسة الدولية، العدد 196، تموز/ يوليو 2007، ص 30-31.

[106] الحياة، 30/11/2012.

[107] محمد جمعة، “المعارك المنفصلة: الرهانات الفلسطينية بعد “ميلاد” الدولة أممياً،” السياسة الدولية، العدد 191، كانون الثاني/ يناير 2013، ص 34.

[108] خليل شقاقي، العلاقات الفلسطينية – العربية من المنفى إلى الحكم الذاتي (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1997)، ص 2-7.

[109] بسام أبو شريف، ياسر عرفات (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2005)، ص 334-335.

[110] مروان كنفاني، مرجع سابق، ص 380.

[111] القدس العربي، 14/12/2008.

[112] الحياة، 5/12/2012.

[113] الحياة الجديدة، 24/10/2012.

[114] صحيفة يديعوت أحرونوت، 19/2/2013.

[115] زياد الضرابعة، الاتحاد الأوروبي والقضية الفلسطينية (عمّان: دار الحامد للنشر والتوزيع، 2011)، ص 96-98.

[116] القدس، 16/7/2013.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version