لا يختلف عاقلان في هذا العالم، خصوصاً إذا كانا من أبناء الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال والاضطهاد على أن العودة إلى زمن المهاترات والمناكفات بين حركتي فتح وحماس، لا تصب في مصلحة القضية المركزية للعرب، بل يعيدها سنوات إلى الوراء، في ظل انقسام الصف الوطني الفلسطيني واستمرار حالة الشقاق وإفشال جهود استكمال المصالحة الوطنية، وهذا غاية ما يصبو إليه الجانب الاسرائيلي الذي يعمل جاهداً لتحقيقه وفق القاعدة السياسية المعروفة “فرّق تسد” .
المصالحة الفلسطينية التي قطعت أشواطاً مهمة، إثر تشكيل حكومة التوافق الوطنية، باتت الآن في مهب الريح، بعد سلسلة التصريحات غير المسؤولة وسلسلة التفجيرات في غزة، وبعد منع فتح من إقامة مهرجان شعبي في غزة في الذكرى العاشرة لاستشهاد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات .
من المؤسف جداً أن يحصل كل هذا تزامناً مع إحياء ذكرى عرفات، وأن يسارع كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر المسؤولية كاملة، متناسين أن المصالحة مصلحة وطنية عليا، لا يمكن بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة القفز عليها، لأنها الخيار الوحيد للوصول إلى حق تقرير المصير وإعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني بإقامة دولته المشروعة على أرضه التاريخية وعاصمتها القدس الشريف التي تتعرض هذه الأيام لخطر التهويد الكامل، بما فيها المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها الأقصى المبارك الذي لا يكاد يمر يوم إلا ونشهد فيه أعمال حفريات تستهدف أساساته ومن ثم وجوده، فضلاً عن أعمال التدنيس اليومية من جانب المتطرفين الاسرائيليين تحت حماية الجنود وحراستهم .
لن يرحم التاريخ يوماً، لا حركة فتح ولا حماس ولا أي حزب سياسي آخر، إذا تمكن الجانب الاسرائيلي من تصفية القضية الفلسطينية، وتهويد ما تبقى من المدينة المقدسة والضفة الغربية المحتلة، مستغلا انشغال أصحاب القضية بمهاتراتهم الجانبية ومناكفاتهم المؤسفة التي تحاول نسف جهود المصالحة برمتها وإيصالها إلى طريق مسدود .
المصالحة الوطنية بين الفلسطينيين، تحتاج إلى التضحية والتنازل عن المكتسبات الصغيرة، إلا أنه يبدو أن بعض الأطراف والشخصيات تتمسك بمصالحها الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا، ولا تريد حتى مجرد التفكير في التنازل عن ذرة مما اكتسبته جراء حالة القطيعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه الأطراف مستعدة لاقتراف أي عمل جبان لتحقيق غاياتها الشخصية وإشباع أنانيتها، من خلال تفجيرات كما حصل في غزة مؤخراً، أو تهديد مهرجانات إحياء ذكرى الشهيد عرفات، من دون أن تدرك أن هناك خصماً يتربص بهم وصولاً إلى إنهاء القضية الفلسطينية، بالاستفادة من انشقاق أصحاب القضية أنفسهم وتناقضاتهم .
الفصائل الفلسطينية، مطالبة اليوم، بإثبات وطنيتها، من خلال صيغة للتحرك المشترك بالضغط على حركتي فتح وحماس، ومحاسبة المسؤولين عن التفجيرات التي استهدفت منازل خمسة عشر قيادياً فتحاوياً في غزة، ومن ثم إعادة المياه إلى مجاريها بين الحركتين ونزع فتيل التوتر بينهما، تليها تسريع خطوات استكمال المصالحة الفلسطينية التي يخشاها المحتل وتقض مضجعه.
