على مدار الأسابيع القليلة الأخيرة، كان مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة موضعاً لنشاط مكثف غير اعتيادي، والذي يتعلق بالصراع المطول بين إسرائيل وفلسطين. وكان الدبلوماسيون الفلسطينيون والعرب يحشدون الدعم لصالح مشروع قرار يطلب من إسرائيل إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية. ومن خلال العمل بشكل رئيس مع الأردن، الذي يعمل الآن كعضو منتخب في المجلس، وقف الفلسطينيون وراء دعم مشروع قرار شامل، والذي من شأنه أن يغير المشهد الدبلوماسي بطريقة درامية.
كان كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، قد قال للإعلام في وقت سابق من الأسبوع الماضي: “إننا نريد قراراً واضحاً ومحدداً يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967، والتي تكون القدس عاصمة لها، مع حل كافة قضايا الوضع النهائي والإفراج عن كل المعتقلين وحل مشكلة اللاجئين واعتبار النشاط الاستيطاني غير قانوني ويجب وقفه فوراً، بما في ذلك في القدس”.
من جهتها، ذكر أن فرنسا تدفع في اتجاه طرح مشروع قرار ينطوي على فارق أكثر دقة في درجات التخالف، والذي يدعو إلى استئناف المفاوضات، وإنما من دون المطالبة بوضع نهاية للاحتلال. وفي الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، يبدو أن الاتجاهين الدبلوماسيين قد اندمجا بدرجة ما. وفي مساء يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي قدم الأردن رسمياً مشروع القرار الذي يدعو إلى إقامة سلام شامل خلال عام واحد، وإلى وضع نهاية للاحتلال في موعد أقصاه شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2017.
يجيء تسارع دبلوماسية مجلس الأمن جزءاً من دفع أوسع من جانب الدبلوماسيين الفلسطينيين وداعميهم، للبناء على مشاعر الغضب الدولي من إسرائيل، واستخدام المؤسسات الدولية كوسيلة للضغط على إسرائيل لحملها على تغيير سياستها. وفي الشهور الأخيرة، تحركت السلطة الفلسطينية نحو الانضمام إلى مجموعة من التنظيمات والمعاهدات الدولية، من منظمة التربية والعلوم والثقافة “يونسكو” التابعة للأمم المتحدة إلى معاهدة حقوق الأفراد ذوي الإعاقة. وقد باشرت تلك التحركات في تحقيق ثمارها الدبلوماسية؛ إذ وبخ اجتماع للدول التي تنتمي لاتفاقيات جنيف، وهي معاهدة أخرى انضمت إليها فلسطين في الأسبوع الماضي، سياسات الاستيطان التي تنتهجها إسرائيل. وفي الأثناء، يدرس المسؤولون الفلسطينيون احتمال الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، وهي خطوة تخشاها إسرائيل وتحذر منها واشنطن.
تعد خطوة مجلس الأمن الأخيرة قطعة من هذه الاستراتيجية الأوسع، لكنها تؤشر أيضاً على فصل جديد في العلاقة الطويلة والمعذبة للمجلس مع الشرق الأوسط. فلنحو سبعين عاماً تقريباً، فشل المجلس المكلف بالحفاظ على السلام والأمن الدوليين تماماً في حل النزاع طويل الأمد. ومع كل الهرج والمرج والضجيج في نيويورك، فإن ثمة القليل من الأسباب للاعتقاد بأن هذه المواجهة الجديدة ستكون أكثر إثماراً.
يستطيع المجلس الإشارة إلى عدد قليل من حالات النجاح المحدودة التي حققها في النزاع الدائر في الشرق الأوسط. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (السابق) قد تعاونا في تمرير قرارات ساعدت في إنهاء حربي العامين 1967 و1973، وقدمتا برنامج عمل عام لمفاوضات سلام، بما في ذلك صيغة “الأرض مقابل السلام” الشهيرة. وفي أعقاب الحرب الباردة، يسر مجلس الأمن انسحاب إسرائيل من لبنان في أواخر التسعينيات (من القرن الماضي). ولكن، في الجزء الأعظم، ما تزال الهيئة الدبلوماسية النخبوية تقوم بدور ثانوي في حل صراع الأراضي المقدسة. ولم يلعب مجلس الأمن دوراً مهماً في مفاوضات السلام أو في الاستجابة للانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية. والأكثر أساسية من كل شيء هو أنه لم يستحضر الإرادة السياسية الجماعية لفرض حل ما على الأطراف أبداً.
ثمة عدة أسباب وراء العجز المتكرر للمجلس حيال الشرق الأوسط. ولعل الأهم هو أن الولايات المتحدة التي تتحكم في استخدام حق النقض “الفيتو” لا تتوافر على الرغبة في رؤية الجسم المكون من 15 عضواً منخرطاً أكثر منها. وبدءاً من أواخر الستينيات (من القرن الماضي) ظهرت الولايات المتحدة حليفاً عسكرياً ودبلوماسياً قوياً لإسرائيل. ووضع ذلك الاصطفاف واشنطن خارج السياق، حتى مع أقرب الحلفاء في المجلس مثل فرنسا وبريطانيا، عندما يتعلق الأمر بالمنطقة. ومع بقاء التصويت قاتماً دائماً تقريباً، فقد فضلت أجيال من الدبلوماسيين الأميركيين خفض انخراط المجلس إلى الحد الأدنى في النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وقد أمضى الدبلوماسيون الأميركيون في مجلس الأمن معظم وقتهم على الجانب الدفاعي. ومنذ العام 1970، استخدمت الولايات المتحدة حق الاعتراض (الفيتو) عشرات المرات ضد مشروعات قرارات رأت واشنطن أنها تنطوي على انتقاد كبير لإسرائيل.
لكنّ هناك سبباً آخر، والذي يحظى بقدر أقل من المناقشة، لسجل تهميش المجلس: كانت لدى بقية الأعضاء شهية محدودة للانخراط الدبلوماسي المستدام في النزاع. وبتنحية بعض البيادق الدبلوماسية القليلة جانباً، نجد أن بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين تكتفي بالمراقبة من الجوانب، وتؤنب الإسرائيليين والفلسطينيين، معربة عن قلقها مما تراه موقفاً أحادياً كارثياً من جانب واشنطن.
من المشكوك فيه أن المبادرة الجديدة في مجلس الأمن تمثل تغيراً رئيسياً في تلك الديناميكية. لكن مسودة مشروع القرار تضع فعلاً إدارة أوباما والسفيرة الأميركية في الأمم المتحدة، سامنثا باور، في موقف صعب. ومن شأن الإذعان الأميركي لأي قرار يضغط على إسرائيل أن يزيد من توتر العلاقات التي تتجمد باطراد بين الولايات المتحدة وإسرائيل قبل شهور وحسب من الانتخابات الإسرائيلية المهمة. وتعول إسرائيل على الفيتو الأميركي لتوفير غطاء دبلوماسي، ومن المرجح أن تفضي إزالة تلك الحماية إلى صدمة توجه للجسم السياسي الإسرائيلي. وكما لاحظت قصة في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، فإن أزمة دبلوماسية في مجلس الأمن تستطيع “دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بسبب الضغط من جانب دائرته الانتخابية التي تجنح لليمين، إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الانتقامية الأكثر تطرفاً ضد السلطة الفلسطينية”.
ما يزال الفيتو الأميركي محتملاً تماماً. وفي النهاية، فإن مزيجاً من الحسابات الدبلوماسية والسياسية المحلية الأميركية قد تقنع إدارة أوباما بعدم اعتراض قرار لا تحبه. ومن شأن ممارسة حق النقض “الفيتو” أن تحيد الشركاء في أوروبا والعالم العربي، في نفس الوقت الذي تكافح فيه واشنطن من أجل المحافظة على ائتلافها ضد “الدولة الإسلامية” سليماً. وكما يوحي بيدق كوبا الشجاع، فإن إدارة أوباما الثانية هي أكثر رغبة في تحمل صيحات الغضب الصادرة من الكابيتول هيل (الكونغرس) والتي ستخرج إلى العلن إذا اختارت الإدارة عدم اللجوء لاستخدام حق النقض”الفيتو”.
قد تشجع الديناميكيات الداخلية في مجلس الأمن الولايات المتحدة على قبول قرار بتردد، خاصة إذا كان من الممكن تخفيف فحوى المسودة الحالية بما فيه الكفاية. وإذا مرر المجلس القرار الآن، فسيكون من الأقل ترجيحاً مراجعة الموضوع بعد السنة الجديدة عندما تتسلم فنزويلا وماليزيا مقعديهما في المجلس، ما يجعله أقل وداً لإسرائيل. وقد يشهد المسرح سلسلة أخرى من المكاسب متعددة الأطراف التي ستحققها فلسطين. لكن ما هو بعيد عن التأكيد، هو ما إذا كانت هذه المكاسب سترتقي إلى حد التجسد على أرض الواقع.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*محرر مساهم في فورين بوليسي، وأستاذ مساعد في كلية الخدمة الدولية في الجامعة الأميركية. ويعمل راهنا على وضع كتاب عن العقد الأول من عمر محكمة الجنايات الدولية.
الغد الرادنية
