الرئيسية الاخبار “الدولة الإسلامية” تفشل في أن تكون دولة

“الدولة الإسلامية” تفشل في أن تكون دولة

فهرس

غازي عنتاب، تركيا – يبدو أن تمرين “الدولة الإسلامية” المزعوم في بناء الدولة يتداعى مع تدهور الظروف المعيشية في مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وعلى نحو يفضح جوانب القصور لدى مجموعة تكرس معظم طاقاتها لخوض المعارك وفرض القوانين الصارمة.
الخدمات تنهار، والأسعار تحلق إلى عنان السماء، والأدوية نادرة في البلدات والمدن في مختلف أنحاء “الخلافة” التي أعلنها تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسورية، كما يقول السكان، وعلى نحو يدحض تبجح المجموعة بأنها تقدم نموذجاً للحكم للمسلمين.
لا تتطابق فيديوهات “الدولة الإسلامية” الماكرة التي تصور مكاتب حكومة عاملة وعمليات لتوزيع الإعانات مع واقع الحرمان المتصاعد والقيادة المرتبكة وغير المنظمة في مناطقها، كما يقول السكان. لم تصدر عملة “الدولة الإسلامية” التي كثر التهليل لها، ولا جوازات السفر التي وعدت المجموعة بإصدارها. المدارس تعمل بالكاد، والأطباء قليلون جداً، وانتشار الأمراض في صعود.
في مدينة الموصل العراقية، أصبح الماء غير قابل للشرب لأن مخزونات الكلورين نفدت، كما يقول صحفي يعيش هناك، والذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه من أجل الحفاظ على سلامته. ويقول الصحفي إن التهاب الكبد الوبائي ينتشر، والطحين يصبح نادراً. “الحياة في المدينة ميتة تقريباً، وأصبح الأمر وكأننا نعيش في سجن كبير”، كما يقول.
في مدينة الرقة السورية؛ العاصمة التي اتخذتها المجموعة لنفسها، يتوفر الماء والكهرباء لما لا يزيد على ثلاث أو أربع ساعات في اليوم، وتتراكم أكوام القمامة بدون جمع، ويبحث فقراء المدينة عن فضلات الطعام في الشوارع المزدحمة بالبائعين، محاولين اختطاف أي شيء يمكنهم العثور عليه، كما يقول السكان.
تعرض الفيديويات التي يصورها الناشطون سراً مجموعة من النساء والأطفال الذين يتسولون الصدقات من المواد الغذائية، في حين تعرض الصور المنشورة على الإنترنت المتشددين الأجانب وهم يتناولون الطعام الفاخر، وهو التفاوت الذي يشرع في إثارة مشاعر الاستياء.
الكثير من المساعدات التي يتم تقديمها تأتي من وكالات المساعدات الغربية، التي ما تزال تساعد المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية سراً. وقال مسؤول أميركي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع، إن الولايات المتحدة تقوم بتمويل عيادات الرعاية الصحية، وتوفر البطانيات والأغطية البلاستيكية وغيرها من المواد لمساعدة المواطنين الأكثر عوزاً على تجاوز فصل الشتاء.
ما يزال عمال الحكومة الذين يساعدون في الحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية المتداعية في المدن السورية والعراقية على حد سواء، يتلقون الرواتب من الحكومة السورية، ويسافرون كل شهر ليقبضوا رواتبهم من المكاتب الواقعة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. ويقول المسؤول الأميركي: “داعش لا تعرف كيف تفعل هذه الأشياء. عندما تصاب الأشياء بالخراب، يصبحون يائسين. ليست لديهم مجموعة كاملة من المهندسين والموظفين اللازمين لتشغيل المدن، ولذلك تتجه الأمور نحو الانهيار”.
هناك أيضاً دلائل على تراجع الروح المعنوية عند بعض من المقاتلين على الأقل، الذين انسحقت توقعاتهم بتحقيق انتصارات سريعة وسهلة تحت وطأة الغارات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة. وقد دعا أمر تم توزيعه في الرقة هذا الشهر المقاتلين الذين يتهربون من واجباتهم إلى الالتحاق بالخطوط الأمامية، وتم تشكيل قوة شرطة جديدة لتذهب من منزل إلى آخر من أجل إخراجهم.
ليس هناك ما يدل على احتمال أن تؤدي المشاق إلى حدوث تمرد -ليس في وقت قريب على الأقل. ويقول السكان في المقابلات التي أجريت معهم بينما يكونون في زيارات إلى تركيا المجاورة أو عبر الإنترنت، إن الخوف من العقوبات القاسية وعدم وجود البدائل يردعان المواطنين عن المجاهرة بالشكوى.
لكن التدهور يعمل على تقويض جزء واحد مهم على الأقل من الهوية التي زعمتها الدولة الإسلامية لنفسها -كدولة، مكرسة لإحياء خلافة القرن السابع التي حكمت ذات مرة في العالم الإسلامي. ويشكل الحكم شأناً مركزياً لخدمة ذلك الهدف، بنفس أهمية الفتوحات العسكرية التي تحققت عندما اجتاح مقاتلو الدولة الإسلامية الكثير من أجزاء سورية والعراق خلال العام الماضي.
تباطأ زخم المجموعة في ساحة المعركة بسبب الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي ساعدت على عكس وجهة أو تعطيل الهجمات التي تشنها الدولة الإسلامية في العديد من الجبهات، من بلدة كوباني الصغيرة في شمال سورية، إلى الأراضي الزراعية في جنوبي بغداد.
يثير فشل المجموعة في تقديم الخدمات في المناطق التي تسيطر عليها الشكوك أيضاً في إمكانية استمرارية طموحها الأكبر. ويقول ناشط في مدينة دير الزور السورية الشرقية، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، في وصف عدم فعالية تقديم الخدمات هناك، إن الدولة الإسلامية “ليست ذلك الوحش الذي لا يقهر والذي يمكنه أن يسيطر على كل شيء ويهزم أي طرف. إن كل فكرة كونها كياناً منظماً جيداً وماهراً في الإدارة خاطئة. إنه مجرد صورة”.
“ليست لديهم خبرة”
يبدو الاضطراب أكثر وضوحاً في الرقة؛ المدينة الرئيسية الأولى التي وقعت سيطرة الدولة الإسلامية قبل أكثر من سنة مضت، والتي تشكل مهد تجربتها في الحكم والإدارة. ويقول رجل أعمال من الرقة، والذي سافر إلى الموصل مؤخراً، إن المدينة العراقية هي في وضع أفضل بكثير من مدينته في سورية؛ حيث يطارد الناس شبح الجوع وغارات الحكومة المدمرة التي أسفرت عن مقتل مدنيين في المعظم.
لعبت عمليات القصف دوراً كبيراً في زيادة الضغط على البنية التحتية. وأسهمت في ذلك الضربات الجوية الأميركية أيضاً، والتي يفترض أنها تتوجه إلى أهداف الدولة الإسلامية؛ حيث أجبرت المجموعة على التخلي عن العديد من المباني الحكومية في المدينة. وعملت الهجمات الأميركية على مصافي النفط المؤقتة الصغيرة التي يعتمد عليها العديد من المواطنين في تحصيل الدخل، على تعميق الفقر، وتركت العديد من الناس بلا دخل ودفعت الأسعار إلى الارتفاع.
أما إذا كانت إدارة الدولة الإسلامية قادرة في أي وقت مضى، كما تم تصويرها، فإن ذلك يبدو موضع شك، كما يقول سوريون. وقد فر الذين أمكنهم تدبر أمر ذلك من المناطق التي تسيطر عليها المجموعة، بمن فيهم -وعلى نحو غير متناسب- المهنيون والتكنوقراط الذين تمس الحاجة إلى مهاراتهم لتشغيل الخدمات الحكومية.
يقول السوريون إن شبكة من الأمراء الوهميين يشرفون على إدارة الدولة الإسلامية. ويشغل مناصب المستوى الأدنى سوريون أو أجانب ممن يفتقرون إلى المهارات الإدارية أو التقنية.
يقول عامل إغاثة سوري يتعامل بشكل منتظم مع المسؤولين في الدولة الإسلامية، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته من أجل عدم تخريب تعامله مع المجموعة: “لقد أصبحت داعش أكبر كثيراً من أن تستطيع السيطرة على نفسها”. وهو يرى أن أعضاء المجموعة راغبين ومتعاونين، “لكنهم ليسوا أذكياء، وهم غير قادرين. ليست لديهم خبرة”.
بالنسبة لمعظم المواطنين، يحدث التفاعل الرئيسي مع الدولة الإسلامية من خلال شرطتها وأجهزتها الأمنية الموجودة في كل مكان، بما في ذلك جماعة الحسبة سيئة السمعة، التي تقوم بدوريات في الشوارع بحثاً عن الذين ينتهكون تفسير المجموعة المتشدد لقوانين الشريعة الإسلامية.
ويستمر تطبيق هذه القواعد والقوانين بشكل صارم. فيقوم أصحاب المحال التجارية بإغلاق محلاتهم خمس مرات في اليوم من أجل أداء الصلاة. وقد أقلع المدخنون عن التدخين خوفاً من عقوبة السجن الإلزامية لمدة ثلاثة أيام للجريمة الأولى -وشهر للمرة الثانية. كما أن عمليات الإعدام العلنية بسبب السرقة، والتجديف والمعارضة، آخذة في الارتفاع. كما تم تنفيذ عقوبة جديدة لمرتكبي الشذوذ الجنسي مرتين في الأسابيع الأخيرة، حيث تم إلقاء المتهمين من فوق سطح بناية عالية.
بالنسبة للبعض، أفضل من الأسد
في الوقت نفسه، انخفضت معدلات الجريمة، وبالنسبة لكثير من السكان، يشكل النظام بديلاً مرحباً به عن الفوضى التي كانت سائدة عندما كان ثوار سوريون أكثر اعتدالاً يتولون المسؤولية. ثم إن السوريين الذين عاشوا لعقود في ظل نظام الرئيس بشار الأسد معتادون على إطاعة أوامر، وقد تكيف العديد منهم مع القوانين الجديدة، كما يقول موظف حكومي سابق في مصلحة الضرائب، والذي ما يزال يقبض راتبه من الحكومة، رغم أنه لم يعد يعمل.
ويضيف الموظف: “جماعة داعش ليسوا قساة مثلما كان النظام”. في وجود الدولة الإسلامية في السلطة، فإنك “إذا لم تفعل شيئاً خاطئاً -وفقاً لمعاييرهم، وليس معاييرنا- فإنهم لن يزعجوك”.
مع ذلك، يقوم التطبيق الصارم للقواعد أحياناً بتقويض الجهود لتقديم الخدمات. ويقول ناشط من دير الزور إنه عندما سارع عمال الكهرباء لإصلاح الكابلات التي تضررت من القصف الحكومي في بلدة دير الزور، قامت الدولة الإسلامية باعتقالهم وجلدهم بسبب انتهاكهم حظر العمل خلال وقت الصلاة. كما تم اعتقال جميع موظفي أحد المستشفيات الميدانية الأربعة العاملة في المدينة خلال عقدهم اجتماعاً، لأن ثلاثة منهم كانوا يدخنون.
ليس هناك ما يدل على أن دخل الدولة الإسلامية، الذي يقدر بنحو 12 مليون دولار شهرياً، يعاني. ويواصل السوريون العمل معها لأنها لا توجد أمامهم وظائف متاحة أخرى، كما يقول السكان. كما يستمر موظفو الدولة الإسلامية أيضاً في انتزاع المدفوعات من الناس، حيث يقومون بجولات من باب إلى باب لجمع الضرائب من أصحاب المحال التجارية وتقاضي الرسوم على الكهرباء والهواتف.
يقول حسن حسن، المحلل السوري في معهد دلما الذي مقره أبوظبي: “لو لم يكن النظام يوفر الاتصالات والرواتب، فإنني لا أعتقد بأن داعش كانت لتتمكن من البقاء على قيد الحياة”، ويضيف: “إنها تتقاضى من الناس رسوماً على الأشياء التي يوفرها نظام. ولكنها ليست قابلة للحياة كدولة”.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن التوترات آخذة في الظهور بين السكان المحليين والمقاتلين الأجانب، الذين يبلغ عددهم، حسب تقديرات المسؤولين الأميركيين والمحللين نحو 15.000 مقاتل، أو ما يقرب من نصف القوة القتالية الإجمالية للجموعة. ويقبض الأجانب أجورهم بالدولار، في حين أن المجندين السوريين، المعروفين باسم  “المناصرين”، أو المساعدين، يقبضون بالليرة السورية.
تتم معالجة مقاتلي الدولة الإسلامية في المستشفيات الميدانية الخاصة بالمجموعة، والموجودة في مواقع سرية، بينما يضطر المدنيون إلى الاعتماد على المستشفيات الخاصة المنهارة، كما يقول أبو محمد، الناشط مع “الرقة تُذبح بصمت”، وهي مجموعة تعمل على لفت الانتباه إلى الظروف السائدة في ظل حكم الإسلامية الدولة. وهو يستخدم اسماً مستعاراً من أجل المحافظة على سلامته. ويضيف: “لقد ضاق الناس ذرعاً بهم وهم يريدون التخلص منهم. لكنهم ليست لديهم القدرة على ذلك”.

الغد الاردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version