القدس – عندما سعى الفلسطينيون إلى الاعتراف بالدولة لدى الأمم المتحدة في العام 2011، تم رفض ذلك على نطاق واسع باعتباره مناورة رمزية للالتفاف على المفاوضات مع إسرائيل ونفوذ واشنطن على النزاع طويل الأمد. لكن الفلسطينيين شرعوا في ترجمة سلسلة من هذه الخطوات الرمزية، التي توجت بالخطوة الأخيرة المتمثلة في الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، إلى استراتيجية بدأت في خلق ضغط على إسرائيل.
بينما دعا العديد من الإسرائيليين البارزين إلى اتخاذ إجراء أحادي الجانب لتعيين حدود البلد، كان الفلسطينيون هم الذين كسبوا الزخم السياسي من خلال تحركات تمت خارج المفاوضات. كما أن الفلسطينيين يؤسسون من الناحية الفعلية دولة قانون أيضاً. ويراهن الفلسطينيون على أن الاعتراف الدولي من جانب 135 بلداً والعدد في ازدياد، يمكن أن يفضي في نهاية المطاف إلى إحداث تغييرات على أرض الواقع -من دون أن يضطر قادتهم إلى تقديم التنازلات أو الضمانات التي طالما تجنبوا تقديمها.
في الأثناء، قال مارك أليس، مدير رابطة المحامين الدولية التي تتخذ من لندن مركزاً لها: “إن عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين ليس قليلاً. لقد أضفنا تعقيداً آخر إلى هذه الرحلة الطويلة جداً على مدار 66 عاماً. وأعتقد بأن ذلك أمر يستأثر بالاهتمام”.
من جهتها، تتوعد إسرائيل برد مؤلم. فقد هدد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو بعد الخطوة الفلسطينية، وقال: “لن أجلس مكتوف اليدين” في وجه ما وصفه بأنه “مواجهة” فلسطينية، بينما قال مسؤولون إسرائيليون آخرون أن هناك إجراءات أقسى ستتبع تجميدهم لتحويل عوائد الضرائب الفلسطينية، مما سيمنع الآلاف من تحصيل الرواتب الحكومية.
بالإضافة إلى ذلك، قضّت الاستراتيجية الفلسطينية مضاجع واشنطن التي من المتوقع أن توقف مبلغ 400 مليون دولار الذي تقدمه للسلطة الفلسطينية على شكل مساعدات إذا لم يتم العدول عن محاولة الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية. وقالت جين بساكي، الناطقة بلسان وزارة الخارجية الأميركية أن مسؤولي الإدارة قالوا للقيادة الفلسطينية “إننا نود ألا تمضوا قدماً في الطلب”، بينما حذرت إسرائيل من أن تجميد تحويل عائدات الضرائب إلى السلطة الفلسطينية “سيرفع من حدة التوتر”.
من جهته، يبدو رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس غير مبالٍ على نحو متزايد بالدبلوماسية الأميركية. وقد تعهد بعد فشل مشروع مجلس الأمن بإعادة طرح مشروع القرار هناك “مرة أخرى وأخرى” والانضمام إلى “100 و200 و300” منظمة دولية، بالرغم من خطر أن تفضي العقوبات الإسرائيلية والأميركية إلى انهيار حكومته. وقال: “لن نتعب أو نكل، فالعالم كله يدعمنا”.
ثمة إحساس أيضاً بأن عباس قد يستفيد إذا عززت الخطوات الفلسطينية أحادية الجانب موقف نتنياهو وغيره من المحافظين في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. ويقول بعض المحللين أن معارضي نتنياهو من يسار الوسط، الملتزمين بوضوح أكثر بحل الدولتين، سيكونون أكثر قبولاً لدى أوروبا، وسيجبرون الفلسطينيين على العودة للمفاوضات.
بما ان السيد نتنياهو هو الذي ما يزال في السلطة، ما تزال إسرائيل تتفاعل بازدياد مع التحركات الفلسطينية -بإجراءات عقابية- وتصبح مجبرة على لعب دور الدفاع في المحكمة والمنتديات الأخرى. وفي الغضون، تلاشى الحديث عن توافق الجانبين على أي شيء. وقال مايكل هرتسوغ، الجنرال الإسرائيلي السابق والزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “من الواضح تماماً أننا دخلنا حقبة جديدة من النزاع السياسي والقانوني. وبعد نقطة معينة، من الممكن أن تكون الأمور صعبة جداً على الاحتواء”. وأضاف: “إنهم يتخذون إجراءات معينة وإسرائيل ترد -ومن شأن هذا أن يصعد الوضع سياسياً وقانونياً واقتصادياً، وربما يفضي في نهاية المطاف إلى التصعيد الأمني. إنها لعبة خطيرة”.
في الوقت الراهن، يواجه الرئيس عباس وقد انضم لمحكمة الجنايات الدولية بعد شهور قاوم فيها ضغطاً محلياً للقيام بذلك، دعوات من الجمهور الحانق إلى اتخاذ مزيد من الخطوات عبر وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل أو حل السلطة الفلسطينية. وبينما ستنطوي كلتا الخطوتين على مشاكل بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، يرى القادة الفلسطينيون أنها طريقة لمزيد من الضغط على إسرائيل. وتجدر ملاحظة أنه من دون السلطة، سيتوجب على إسرائيل تقديم الخدمات والحفاظ على النظام في عموم الضفة الغربية من دون قوات أمن فلسطينية، وهو ما سيشكل كلفة ويخلق فوضى، ومن الممكن أن يفضي إلى ازدياد حدة الحنق الدولي من الاحتلال الإسرائيلي.
من جهته، قال غسان الخطيب، نائب رئيس جامعة بير زيت في الضفة الغربية: “أنا مندهش قليلاً من رد الفعل الأميركي السلبي، لأن الفلسطينيين إما ينتهجوا أساليب قانونية سلمية أو أن ينتهجوا الأساليب العنيفة غير القانونية.” وأضاف: “لكنه إذا أُغلقت كل الأبواب وإذا توقف الإسرائيليون والأميركيون عن التمويل، فستنهار السلطة الفلسطينية، ما يصب في جانب العناصر المتطرفة في المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك حماس”.
ببعض الطرق، يبدو المساران الفلسطينيان المزدوجان متناقضين -كيف لهم الاستمرار في قضية الدولة إذا تسببوا في انهيار السلطة الفلسطينية التي كانت اتفاقيات اوسلو قد خلقتها قبل عقدين تمهيداً لبناء الدولة؟ لكن من الجدير بالملاحظة أن منظمة التحرير الفلسطينية، وليس السلطة الفلسطينية، هي التي تمثل الفلسطينيين على المسرح العالمي.
يقول السيد أليس، خبير القانون الدولي، أن فلسطين قد أوفت بمعيار الدولة —مواطنون دائمون وأراض محددة وحكومة، واعتراف من جانب دول أخرى- وأن ذلك لن يلغى لو اختفت السلطة وعمت الفوضى العارمة على الأرض في الأعقاب. ويستشرف مصطفى البرغوثي، وهو واحد من العديد من القادة الفلسطينيين الذين يضغطون على عباس لإعلان حل السلطة، وجود “حكومة منفى” لـ”دولة تحت الاحتلال”.
وقال البرغوثي: “سيعني هذا تحرير الحركة الفلسطينية من كل هذه القيود والالتزامات تجاه إسرائيل – إنه ما يشبه إعلان العصيان المدني”. وأضاف: ” وبطريقة ما، سيكون ذلك نهاية حقبة أوسلو. وبالنسبة لي، كانت النهاية قد حلت قبل عدة أعوام. وبالنسبة لعباس، كانت النهاية فقط هذا الأسبوع”.
لكن الطريق إلى الأمام ستكون بطيئة وحافلة بالمصاعب. فتحقيقات محكمة الجنايات الدولية تستغرق أعواماً، كما أن انخراط المحكمة يجعل الفلسطينيين عرضة أيضاً لتوجيه اتهامات لهم بارتكاب جرائم حرب، ومن بين أمور أخرى إطلاق الصواريخ على مدنيين إسرائيليين. وكانت مجموعة “شورات هادين” القانونية الإسرائيلية قد سجلت مؤخراً شكاوى لدى المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقراً لها ضد ثلاثة مسؤولين فلسطينيين، بمن فيهم رئيس الوزراء ومسؤول الأمن بعد أن كانت قد فعلت نفس الشيء في وقت سابق ضد السيد عباس و(رئيس المكتب السياسي) في حماس، خالد مشعل.
تستطيع إسرائيل التي كانت قد أجرت مسبقاً 13 تحقيقاً جنائياً في سلوكها العسكري خلال حرب هذا الصيف مع المتشددين الفلسطينيين في قطاع غزة، أن تعمد أيضاً إلى ردع محكمة الجنايات الدولية عبر إثبات أن نظامها القضائي الخاص يتعامل بجدية مع المشكوك بارتكابهم مخالفات.
من جهته، قلل ياكوف أميدرور، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، من أهمية الخطوات الفلسطينية الأخيرة، وقال عن التفكيك المحتمل للسلطة: “لقد كنا هناك من قبل، والأمور لن تكون بذلك السوء”. وكان يشير بذلك إلى الأيام التي سبقت اتفاقيات أوسلو عندما حكمت إسرائيل الأراضي التي احتلتها من الأردن مباشرة في حرب العام 1967.
وقال عن عباس: “إذا كان يريد حلاً، إذا كان يريد شيئاً، أنا حقيقة لا أفهم. أما إذا كان لا يريد شيئاً، فإنني سأفهم عندها ما يفعله”.
بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي العام هبوط شعبيته في العام الماضي، يبدو أن عباس قد كسب بعض النقاط من الجمهور من خلال الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، وحتى من خلال التحدث بصراحة عن وفاة السلطة.
تقول رولا سلامة عن والدها الذي يبلغ من العمر 70 عاماً، والذي يعتاش على راتبه التقاعدي من السلطة الفلسطينية: “إنني أسمع ذلك من والدي لأول مرة: حتى لو أننا لن نحصل على رواتبنا وتسوء الأوضاع الاقتصادية، فإننا نستطيع أن نقول على الأقل أننا سننال حقوقنا”.
وقالت الآنسة سلامة إن شقيقتها المدرجة في سلم رواتب الحكومة “تسمع نفس الشيء من أصدقائها وزملائها -فهم يقولون: حتى إذا لم نتقاض رواتبنا، فإننا نحتاج لأن نشعر بأن شيئاً ما يحدث، وسيكون الغد أفضل من اليوم”.
جودي رودورن — (نيويورك تايمز) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
