الرئيسية زوايا أقلام واراء عولمة خطر الدين تريح رأس المال…بقلم:معز كراجة

عولمة خطر الدين تريح رأس المال…بقلم:معز كراجة

p10_20150115_pic1

 

من باريس حيث وقع الاعتداء الإرهابي، إلى نيويورك عام 2011 وتحديداً «وول ستريت» حي المال والأعمال الذي شهد احتجاجات ضد توحش رأس المال، ومن هنالك الى الوطن العربي وتحديداً ميدان التحرير في القاهرة، حيث بدأت الثورة… أماكن وتواريخ وأحداث تبدو للوهلة الاولى أنّ لا رابط بينها، ولكن لو تنازلنا قليلاً عن السهل الذي يوفره كسل الاجابات الجاهزة والكليشيهات المعدة مسبقاً، لربما استطعنا اعادة تركيب المشهد بشكل مختلف.

القتل المجنون في باريس سبق وتكرر في أكثر من عاصمة غربية، وأطراف الجريمة تكاد تكون نفسها: الغرب الذي يكره العرب والمسلمين من جهة والشباب المسلم الذي جاء ليعلمه درساً لا ينساه من جهة أخرى. كذلك ردود الفعل ومحاولات التحليل من قبل كثير من المثقفين والمواطنين العرب هي ذاتها أيضاً: هؤلاء لا يمثلون الإسلام ونحن نشجب ونستنكر هذه الاعتداءات التي لا تعبّر عن أصالة تاريخنا وتسامح ديننا، ولكن – كل شجب واستنكار يكون معطوفاً بلكن – وهي « لكن» مستخدمة بكثرة في أحداث كهذه، حيث تخرج هؤولاء المثقفين والمحللين تلقائياً من جهد التفسير الى محاولات التبرير تلقائياً. فتبدأ المقارنات التي نعرفها، من قبيل أن اميركا احتلت العراق وفرنسا دمرت ليبيا وأوروبا كلها تكره العرب والمسلمين وتمارس ضدهم التمييز. ويتبع «لكن» هذه أيضاً احصاءات لعدد من ماتوا في اعتداء ما في بلد غربي ومقارنته بعدد من يسقطون يومياً في العراق وفلسطين وحالياً سوريا، مشيرين الى ازدواجية الغرب ونفاقه. ثم يضعون نقطة في نهاية السطر ويرتاحون بانتظار حدث اخر مشابه لتكرار الرأي نفسه والشجب معطوفاً بـ«لكن» ذاتها.
المشكلة في هذا المنطق ليست في عدم صحته او كونه لا يستند الى ما يبرره، وإنما في كونه يشير للظاهرة بسطحية من دون الذهاب الى ما وراءها، ويبدو وهو فعلاً كذلك انه تبرير وليس تفسيراً. ويقدم الحركات الارهابية وكأنها تعبير عنا ومدافعة عن حقوقنا. منطق ساد منذ اعلان أميركا ما أسمته «الحرب على الإرهاب» بعد اعتداءات 11 سبتمبر حتى اليوم. لكن هل ساعدنا في تفكيك المشهد الذي نحن امامه وفهمه على حقيقته؟ هل أرشدنا إلى السبب الفعلي وراء ازدواجية الغرب في التعامل مع قضايا العرب؟ هل فعلاً المجتمعات الغربية تكره العرب والمسلمين؟ هل الدين والجنسية هما نقطتا التناقض بين الشمال والجنوب؟لا يكفي أن نعرف أننا
مستغلون ولكن الأهم أن نعرف كيف يجري استغلالنا

هل صدقت هلوسات صموئيل هنتغتون حول «صراع الحضارات»، ام أن زميله فوكوياما كان محقاً بغطرسته حين قال اننا وصلنا «نهاية التاريخ»، والصراع اليوم هو بين عالم ديمقراطي وآخر غير ديمقراطي؟ وهل هذه الحركات الأصولية المعتمدة على شباب جاهل متعصب لا يعرف من الدين سوى اطلاق اللحية وإهانة الشوارب توجع رأسمالية الغرب؟
لو خضنا في محاولات الاجابة على هذه الأسئلة بالمنطق السابق نفسه سنصل إلى النتائج السطحية نفسها. لذلك علينا الخروج من مركزية الذات وكأننا الجهة الوحيدة في العالم التي يستغلها راس المال الغربي ويتعامل مع حقوقها بازدواجية. كما علينا اعادة النظر والتدقيق في مسألة كوننا مكروهين حضارياً ودينياً كما ندعي. نحن اليوم نعيش بل نخضع لنظام سياسي واقتصادي معولم.
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أصبح هذا العالم بجهاته الاربع ملك ذاك النظام بلا منازع، وهو يتحرك ويسير فقط خلف شهوته وجشعه. جشع لا يصيبنا وحدنا بل يصيب مواطنيه قبلنا، لذلك فهو من أفرز حركة «احتلوا وول ستريت» التي جاءت بعد أشهر قليلة من بدء الثورة في كل من تونس ومصر، وكل من الحركة والثورة جاءتا في أعقاب الازمة الاقتصادية عام 2008.
المحتجون في حي المال والأعمال في نيويورك عرفوا حركتهم بجملة واحدة بليغة حيث قالوا: «ان الشيء الوحيد الذي يجمعنا هو أننا نشكل 99% من الشعب الذي لم يعد يتغاضى عن جشع وفساد الـ 1% المتبقي»، معربين عن أملهم في ان يتحول «وول ستريت» الى ميدان تحرير أميركي. وهنا يقصدون بطبيعة الحال التحرر من هيمنة رأس المال. بعد أسابيع قليلة تبيّن ان نسبة الـ 99% هذه موجودة في كل دولة من دول العالم تقريباً، فقد امتدت الاحتجاجات الى خارج الولايات المتحدة فيما عرف بـ «يوم الغضب العالمي». من خرج الى الشوارع عام 2011 سواء في حركة الاحتجاج في الشمال أو الثورة في الجنوب هم الشباب المتعلمون خريجو الجامعات والعاطلون من العمل. خرجوا لهدف واحد هو المطالبة بالعدالة الاجتماعية التي تسحق وتداس يومياً من قبل رأس المال العالمي ووكلائه الكمبرادوريين المحليين في دول الجنوب. في تونس ومصر رفع شعار «خبز وحرية» وفي «وول ستريت» ودول اوروبا رفع شعار «الانسان قبل الدولار». تعبيران مختلفان في الشكل يشيران الى المضمون ذاته والقضية
الفرق بين هذه الحركات والثورات وبين ظاهرة الارهاب العالمي التي انتشرت بجنون منذ 2001 كالفرق بين الحقيقة والوهم. فالحقيقة هي أنّ استغلال الانسان اليوم بات مسألة عالمية عابرة للقوميات والهويات والاديان والأعراق، لأن الدولار عابر لها. اقتصاد العالم اليوم واحد له مركز مسيطر عليه ومتحكم به، فحين بدأت أزمة العقارات في أميركا عام 2008، سرعان ما تحولت لأزمة عابرة للحدود. وكشفت بوضوح أن التناقض الحقيقي ليس بين هويات وقوميات، وإنما بين الـ 99% المستغلين والـ1% المستغل. فمع أن البنوك والشركات الكبرى هي المتسببة في تلك الازمة، إلا أن الحكومة الاميركية تدخلت لإنقاذها وحمايتها تاركة المواطن المنتمي للغالبية الساحقة غير المقتدرة، لقدره بغض النظر عن لونه أو عرقه. وفي مصر على سبيل المثال، مارس نظام حسني مبارك آنذاك ذات السلوك والمنطق تجاه ارتدادات هذه الازمة العالمية، حيث هرب بالدولة من تحمل مسؤولياتها تجاه الغالبية المحتاجة، ممعناً في سياسات الخصخصة التي لا تعود بفائدة إلا على أصحاب الـ 1%.
بينما الوهم هو التغاضي عن عولمة الاستغلال والقهر هذه، واستبدالها وحرفها باتجاه عولمة الدين والعرق وطرحه على انه هو نقطة التناقض ومحور الصراع. حينها ستفتت حشود الغالبية المقهورة لتصبح قوميات وعرقيات وأديان ويتحول التناقض من ما بين أقلية تملك كل شيء وغالبية لا تملك، الى صراع أعمى داخل الغالبية المحرومة نفسها ومع ذاتها. حينها نعود لنتصور الشمال كما نتصوره اليوم بغباء انه واحد موحد غني، وأن الجنوب ايضاً واحد موحد فقير. هل هنالك من هدية أجمل من ذلك يمكن أن نقدمها بكل سذاجة للأقلية التي تسرق أحلامنا بغض النظر عن هوياتنا؟
بعد اعتداءات 11 سبتمبر على أميركا، قام جورج بوش الابن بتدشين المرحلة التي نعيشها اليوم والتي رأينا مظاهرها في «شارلي ايبدو»، حيث صور بأن الصراع المقبل هو حضاري، اي بين الارهاب والحضارة أو ما بين التعصب والديمقراطية، مطبقاً بذلك ما كتبه له مفكرو الرأسمالية من أمثال هنتغتون وفوكوياما. وكنا في العالم العربي أول من صدق هذه الكذبة، فرددنا كالببغاء مقولة «الحرب على الإسلام»، في حين لو دققنا النظر في ما فعله بوش في اليوم التالي لتلك الاعتداءات لوجدنا أنه سبح بدماء مواطنيه للوصول الى منابع النفط في العراق وأشعل الحروب لمصلحة شركات السلاح.
لم ندقق حينها كيف تم الربط سريعاً ما بين تلك الهجمات والعراق، مع ان من تبناها كان انذاك يسكن افغانستان. ولم نسأل أنفسنا اذا كان بوش يكرهنا لأننا مسلمون فلماذا ذهب الى بغداد وترك السعودية حيث تسير الجاهلية هناك على قدمين من ذهب؟ أو اذا كان يكرهنا لأننا عرب، فما هو سر العداء بينه وبين فنزويلا مثلاً؟ ولست متأكداً اذا كنا سنفهم الاجتماع الدولي في باريس على انه اجتماع لممثلي الـ1% من نخبة المال أم هو اجتماع من يكرهون عرقنا ولوننا؟
هذا التحليل لا يعني تحييد عناصر الثقافة والتاريخ بالكامل من العلاقات الدولية والعلاقة ما بين الشعوب، بالعكس فهي موجودة ولها تأثيرها، ولكن ما يختلف هنا هو منطق طرحها وسياق فهمها وبالتالي طريقة التعامل معها. فهنالك جهل كبير في معرفة كل من الشرق والغرب ببعضهما. لدى كل طرف صور نمطية جاهزة عن الآخر وهي صور لها سياقاتها التاريخية والاجتماعية، فالاستشراق كان وما زال في جانب منه سلاحاً للسيطرة على الشرق وتجهيل الغربي لتسهل تعبئته ضده. أبدع محمود درويش حين لخص ذلك في قصيدته «طباق» التي يتحدث فيها عن ادوارد سعيد قائلاً في جزء منها: «يقرأ نيويورك تايمز. يكتب تعليقه المتوتر. يلعن مستشرقاً يرشد الجنرال الى نقطة الضعف في قلب شرقية». هذا المستشرق ما زال موجوداً بصور وهيئات مختلفة، فالإعلام الغربي اليوم يقوم بهذه المهمة على احسن وجه، فهو منحاز في أغلبه. مضلل وباتر للحقائق. كتاب وروائيون أيضاً يؤدون المهمة ذاتها، يرشدون الجنرال الى نقاط ضعفنا وسبل السيطرة علينا. وربما نحن هنا علينا ان نقر ونعترف بأن نقطة ضعفنا ضمن هذا المشهد تكمن في اننا ما زلنا تربة خصبة لتدار فيها حرب وهمية اسمها «صراع الحضارات». فنحن لم نحسم بعد علاقتنا بالتاريخ والدين، ولم نجد التعبيرات الحديثة لهوية تنتمي للعصر الحديث، لذلك هنالك من يلاحق الكاتب والكلمة في بلادنا قبل ان يذهب الى فرنسا. لا يمكن تصور الراسمالية من دون عدو خارجي. ان لم يوجد في الحقيقة فستصنعه من وهم، لان له فوائد كثيرة أبسطها انه يضلل المواطن الغربي عن عدوه الحقيقي بالأمس كانت الشيوعية هي ذلك العدو الخارجي، وبعد ان انهار الاتحاد السوفياتي سارعت لتجعله الاسلام.
لذلك علينا ان ندرك منطق الأشياء، فلا يكفي ان نعرف اننا مستغلون ومسلوبون، ولكن الاهم ان نعرف كيف يتم استغلالنا ولأية أسباب وباية اساليب، وإلا حينها سنقع ضحايا جهلنا وسنطيل من عمر السيطرة علينا، وسنكون جنوداً في حرب وهمية غير حقيقية. الشاب المتأسلم والمنتمي لحركات اسلاموية ليس هو المدافع عن حقوقنا ولا المعبر عنها

الاخبار اللبنانية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version