الرئيسية الاخبار التعذيب في الأسر، كما يرويه الصامدون

التعذيب في الأسر، كما يرويه الصامدون

70da5662-45cb-49a7-8159-ac6742fe7d03
قبل نحو عام، أنهى عرفات جرادات عشاءه الأخير مع زوجته وطفليه، وذهب إلى فراشه بعد يوم تعبٍ شاقّ. ساعات مضت قبل أن تجيئه قوةٌ إسرائيلية. اعتقلته سالماً معافى، وهو الشاب الثلاثيني القويّ البنية. ستة أيام قضاها عرفات داخل المعتقل، انتهت بخبرٍ يعلن وفاته.
مات عرفات فاتحاً الباب على ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل المعتقلات الإسرائيلية. حرّر الجثمان بعدها، وخضع للتشريح، وكانت النتيجة الحتمية: لقد توفى بسبب التعذيب، حاله حال أكثر من 200 أسير فلسطينيّ منذ العام 1968 قتلوا داخل المعتقلات الإسرائيلية، إما تعذيباً أو بإطلاق النار.

“غرف العصافير”

يشرح رئيس “هيئة شؤون الأسرى والمحررين” عيسى قراقع أن عرفات تعرض لضرب شديد بعد حجزه داخل ما يسمّى بـ “غرف العصافير”: “وهي غرف يخضع المعتقل فيها للتحقيق من قبل عملاء وظّفهم الاحتلال، ومستعربين. وهو تحقيق خارج حدود الرقابة، وكل شيء خلاله مباح”. يضيف قراقع في حديثه مع “السفير”: “قبل وفاته، كانت له محكمة. طلب خلالها محاميه أن يتم عرضه على طبيب بعدما اشتكى من آلام في صدره وظهره نتيجة التعذيب، لكن بلا جدوى. يوم واحد مضى وتوفى. هذه هي الحالة في السجون. حياة الأسير في لحظة تنتهي، إما بسبب الإهمال أو التعذيب”.
يؤكد الأسير السابق ومدير “دائرة الإحصاء في هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين” عبد الناصر فروانة لـ “السفير” أن “هناك تلازماً بين الاعتقال والتعذيب. فجميع مَن مرّوا بتجربة الاعتقال، تعرّضوا لأحد أشكال التعذيب النفسيّ والإيذاء المعنويّ أو الجسديّ، أو الإهانة أمام الجمهور وأفراد العائلة”. وتثبت الإحصائيات التي أبرزها فروانة أن غالبية الأسرى تعرضوا للتعذيب، إذ يقول إن “نسبة 91 في المئة ممّن اعتقلوا، تعرّضت للدفع والصفع والضرب، و82 في المئة تعرضت للحرمان من النوم، و85 في المئة للوقوف فترة طويلة، و68 في المئة للشبح. كذلك، لم تتلق نسبة 95 في المئة طعاماً مناسباً أو شراباً صحياً وفي الوقت المناسب، وتعرضت نسبة 57 في المئة للبرودة أو الحرارة الشديدة، و47 في المئة للمكوث ساعاتٍ وأيام في ما تُعرف بالثلاجة، وأكثر من 63 في المئة تعرضت للضرب والضغط على الخصيتين”.
وحول أشكال التعذيب المختلفة التي تعرّض لها الأسرى، يقول فروانة: “هناك من تعرّضوا للهزّ العنيف والتكبيل على شكل موزة، أو أجبروا على القرفصة وتقليد أصوات الحيوانات، أو شرب البول أو الماء الساخن، أو الاعتداء عليهم بالهراوات والغاز المسيل للدموع، أو الضرب بوحشية بواسطة البنادق على أنحاء الجسم كافة، واستغلال أماكن الإصابة أو الجرح، كما الصعق بالكهرباء والحرمان من زيارات الأهل والعزل الانفرادي والإهمال الطبي والتهديد باغتصاب أحد الأقارب كالزوجة والشقيقة والوالدة”.

يوسف الجبالي.. فأبو عيشة

تظهر إحصائيات وزارة الأسرى الفلسطينيين أن أكثر من 208 فلسطينيين استشهدوا داخل المعتقلات الإسرائيلية منذ العام 1967، بينهم 71 أسيراً تحت التعذيب. وتلفت الإحصائيات إلى أن أول ضحايا التعذيب كان الشهيد الأسير يوسف الجبالي الذي استشهد بتاريخ 4 كانون الثاني/يناير 1968، في سجن نابلس.
وتشرح منشورات “نادي الأسير الفلسطيني” عن آليات التعذيب الكثيرة والمعرّفة. فوضعية الشبح مثلاً، تُعرف داخل المعتقل باسم “الموزة”، وهي عملية يتخللها ربط قدمَيّ الأسير بكرسي التحقيق، ومن ثم تُربط يداه بحيث يكون ظهره متقوّساً بشكل معاكس لاتجاه قدميه. وهذه الحالة، وفق “النادي”، تعرّض لها الأسير حمزة عمر أبوعيشة (29 عاماً – من الخليل) قبل أيام من كتابة هذه السطور، ما تسبّب له بآلام شديدة في الظهر، إلا أنها اقترنت أيضاً مع تعذيب آخر جرى خلاله خلع كتفيه، “برفع يديه المكبلتين إلى الخلف ومن ثم للأعلى”. ووفق “نادي الأسير”، فإن هذا التعذيب أدّى إلى إصابة أبو عيشة بكسور في الظهر والكتفين، وأوجاع مبرحة في الرأس وأنحاء الجسد.. وهو ما زال موقوفاً منذ العام الماضي.

أراه في منامي

يستعيد الأسير المحرّر محمد ناصر، الذي أفرج عنه في العام 2013، قصته مع عذابات السجون، وما تعرّض له من تعذيب نفسي وجسدي خلال فترات الاعتقال التي زادت عن 28 عاماً. ويقول لـ “السفير”: “تعرضت لعمليات تعذيب قاسية في العام 1985 بممارسة ضغط جسدي ومعنوي بدأت منذ لحظة اقتحام منزلي في منتصف الليل وتحطيم محتوياته، قبل أن يتم اقتيادي بالضرب أمام عائلتي إلى الأسر. وقد استمر الضرب يومها حتى وصولي إلى مركز التحقيق، حيث تم كسر جميع أطرافي”.
ومع ذلك، فقد كانت الثلاجة هي أقسى تجربة خلال فترة الاعتقال، بالنسبة إلى ناصر. وهي عبارة عن خزانة صغيرة جداً يتم “دحش” الأسير داخلها، إما واقفاً أو جالساً على كرسيّ صغير مكبّل اليدين والقدمين. يقول ناصر: “تم تكبيلي ووضعي على الكرسي داخلها لمدة شهرين من دون أن أتحدّث مع أحد، ومن دون أن أتمكن من قضاء حاجتي حتى، وهو أمر سبّب لي الأرق الشديد وأمراضاً كثيرة”.
أما الأسير عصمت منصور (من قرية دير جرير في رام الله) فقد أمضى 20 عاماً داخل الأسر. يشرح بدوره ما تعرّض له من تعذيب، قائلاً: “تمّ اعتقالي في مركز تحقيق المسكوبية لأكثر من شهرين داخل زنزانة ضيقة جداً من دون ماء أو طعام، وتمّ حرماني من النوم عبر تشغيل موسيقى صاخبة وأضواء مؤثرة تمّ تسليطها على وجهي”. بالإضافة إلى ذلك، “وضعوني على كرسي صغير ليست له خلفية، وربطوني من يدي وقدمي، وضروبني بشكل مبرح، وتعرّضت للإغماء من قسوة الألم مرات عديدة”. يستذكر منصور إحساس اللحظة، ثم يعود ليشرح: “التعذيب الذي خضعت له أراه في منامي كل ليلة، لا يمكن أن يغادر مخيلتي إطلاقاً.. وأذكر أيضاً كيف وضعوني لأسبوع داخل الثلاجة بعدما وضعوا على رأسي كيساً فيه روائح كريهة وقذرة”. يضيف: “في أوقات الراحة من التعذيب، كنا نتعرّض للضغط النفسيّ من خلال التهديد بالتعرّض للأهل والأقارب”.
تشرح ملاحظات “نادي الأسير الفلسطيني” عن آثار التعذيب المتبقية من الأسر، والتي سجّلها الأسرى المحررون ومحيطهم. إلى الأحلام، لا مفرّ من أن نتوقف هنا عند قصة الأسير أمجد الصفدي من مدينة القدس، الذي انتحر في منزله داخل المدينة. جريمة أخرى من جرائم الاحتلال، تختصرها أوراق النادي على الشكل التالي: “توفى أمجد بتاريخ 29 نيسان 2014، بعد إفراج الاحتلال عنه بخمسة أيام، وذلك بعد اعتقال استمر لمدة 45 يوماً، تعرّض خلالها للتعذيب بالضرب المبرح واستخدام الصعقات الكهربائية، بالإضافة إلى وضعه في غرفة مراقبة على مدار 24 ساعة، و”شبحه” داخل الثلاجة، وإبقائه على وضعية شبح الموزة، حيث لم يتحمل الضغوط النفسية والعزلة التي تعرض لها فقام بقتل نفسه بعد الإفراج عنه”.

الأسوأ صيتاً

لبعض المعتقلات صيت سيئ جداً لجهة شدّة التعذيب الذي يتعرّض له الأسير داخلها، وفق ما يشرح مدير عام “نادي الأسير الفلسطيني” عبد العال العناني، وهو بدوره “أسير محرّر له تجربة مريرة داخل المعتقل”.
يقول عناني لـ “السفير”: “معتقلات الجلمة والمسكوبية وعسقلان أسوأ المعتقلات سمعةً على مستوى التعذيب الذي يتعرّض له الأسرى. فيها، تكون بداية التعذيب بالضرب المبرح للأسير، ثم شبحه ساعات طويلة وهو معصوب العينين ومكبّل اليدين، ثم يُقتاد إلى كرسيّ الشبح، وهو عبارة عن مربع من الباطون يجلس عليه الأسير من دون أن يحرّك جسده، حيث إذا فعل يتعرّض للضرب من قبل السجانين. ويستمر هذا التعذيب لأيام عدة”. يكمل العناني سرد مراحل الجريمة: “بعد ذلك، لا راحة ولا نوم، حيث يصل الأسير إلى مرحلة الهذيان، ثم يقتاد إلى زنازين منفردة ومعتمة، ويتم وضع كيس قذر على رأسه. هناك، يتعرّض لفنون من التعذيب، فمرّة يكبل بقلادات حديدية بطريقة بشعة تفقده الإحساس بأعضاء جسده.. ومرة، يتعرض الأسير لنتف اللحية وخلع الأظافر والضرب على أنحاء الجسد كافة…”.
من تجربته الشخصية مع التعذيب، يتذكر العناني: “كانت أكثر أيامي صعوبة خلال الاعتقال عندما تركوني في عزّ الشتاء والبرد عارياً ومكبل البدين ومعصوب العينين في ساحة كبيرة ومكشوفة، وكان يتناوب عليّ السجانون، يضربونني في الأماكن الحساسة”.

أمراض السجن

يعيش الأسرى أوضاعاً استثنائية ويتعرضون لأساليب منهجية نتيجتها الحتمية هي إضعاف أجساد الكثيرين منهم. ويؤكد رئيس “نادي الأسير” قدورة فارس على حرمان الأسرى من الرعاية الطبية، وتعرضهم “لتقنيات في القهر والإذلال والتعذيب، تتبعها طواقم الاعتقال والتحقيق والسجانون والحراس التابعون للعديد من الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية”.
ويشرح فارس أن أبرز الأمراض الناجمة عن التعذيب تصيب العظام والعمود الفقري، وكذلك، يسجل ارتفاع ضغط الدم والإصابة بمرض السكري بسبب الضغوط النفسية الكبيرة التي يتعرض لها الأسرى: “مضاعفات هذه الأمراض تؤدي في بعض الحالات إلى حصول جلطات في القلب والدماغ، في ظل رعاية صحية شبه معدومة. أضف إلى ذلك عشرات الأمراض التي تصيب أمراض الجهاز التنفسي، وكذلك أمراض الجهاز الهضمي وفقر الدم (الأنيميا) الناتج عن سوء التغذية، وبشكل خاص قلة العناصر الغذائية المهمة لبناء كرات الدم الحمراء كالحديد وفيتامين بي 12″، بحسب فارس.
ومن الأمراض الأخرى التي تصيب الأسرى، يلفت فارس إلى أنه “بسبب ظروف الاعتقال المهينة وغير الإنسانية، تنتشر أمراض الحساسية والالتهابات الجلدية الحادة، والفطريات، والأورام، والتجمعات الدموية المزرقة على الجلد، وأمراض الروماتيزم، والتهابات المفاصل، وآلام الظهر والعمود الفقري نتيجة النوم على الأرض بلا فراش، وخاصة خلال فصل الشتاء. وكذلك، تسجّل هشاشة العظام، وأمراض الجهاز البولي، والتهابات الكلى والمسالك البولية المتكررة، ويحدث ذلك نتيجة القاذورات المنتشرة في المراحيض وبسبب البرد الشديد والرطوبة العالية للزنازين”.

.. وتعبه النفسيّ

تجمع الجمعيات العاملة في مجال دعم المعتقلين أن غالبية الأسرى الفلسطينيين، سواء داخل السجن أو المحررين، يصابون بأمراض نفسية. ويشير فارس، وهو أسير محرر أيضاً وقد عانى من بعض هذه الأمراض إلى أن “أخطر هذه الأمراض هو الإصابات بالصدمات النفسية الهستيرية الحادّة، ومردّها الأساليب العنيفة التي يتبعها المحققون مع الأسير، عبر التهديدات المتكررة باغتصابه والاعتداء عليه جنسياً، خاصة في حالات الأسيرات والأطفال، أو عبر اعتقال أقارب الأسير من الدرجة الأولى (الوالدين، الزوجة، الأولاد) لإجباره على الاعتراف أو القيام بحركات وأمور من شأنها الحطّ من كرامة الإنسان.. كأن يُرغَم الأسير على تقبيل حذاء المحقق أو شرب بوله”.
أما أكثر الأمراض النفسية شيوعاً، وفق فارس، فهو القلق وصعوبة النوم، “وتمّ تسجيل حالات عديدة من مرض الوسواس القهري، وكذلك أمراض الأعصاب، وصداع الرأس الشديد الحاد والمزمن، ويحدُث نتيجة حرمان الأسير من النوم لفترات طويلة أو من خلال ضربه على رأسه، وكذلك حالات الصرع والتشنجات، وتنتج أيضاً بسبب الحرمان من النوم”.
السفير- اياس ابو رحمة
رام الله – أمجد سمحان |

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version