الرئيسية الاخبار ألم العيش في عالم فوضوي

ألم العيش في عالم فوضوي

ar-1355724
يعيش النظام العالمي راهناً في أتون مشكلة خطيرة وجادة تسبب ألماً للسواد الأعظم من سكان العالم. ويجهد المفكرون والساسة في التعلق بما هو تافه وضئيل. وهم يعظمون من شأن كل شيء لحظي، والذي عادة ما يكون انتقالياً، كحدوث تحسينات طفيفة في المعايير المتنوعة التي نألف استخدامها.
في الشهر الماضي أو نحو ذلك، قيل لنا فجأة مع انتهاء العام الميلادي إن السوق بدت أفضل بكثير في الولايات المتحدة، حتى بالرغم من أنها بدت أسوأ في أوروبا وروسيا والصين والبرازيل والعديد من الأماكن الأخرى. لكن، ومع بدء العام الجديد، كان ثمة تراجع خطير في أسعار الأسهم والسندات في الولايات المتحدة. وكانت تلك استدارة سريعة وحادة. ومن الطبيعي أنه كان لدى المفكرين تفسيرات فورية، لكنهم عرضوا طائفة واسعة من التفسيرات.
لعل السؤال الحقيقي لا يتعلق بأي حال بأسعار أسواق الأسهم والسندات في أي بلد، وإنما يتعلق بالصورة الخاصة بالنظام العالمي ككل، والذي لا يبدو أنه في حال جيد على الإطلاق. ودعونا نبدأ بالمعيار الأساسي المستخدم من جانب مفكري المؤسسة — معدلات “النمو”.
بمعدلات النمو، نميل إلى أن نقصد أسعار سوق الأسهم. ومن الطبيعي، كما نعرف وكما هو جلي، أن العديد من الأشياء، عدا تحسن الاقتصاد الذي يعد أول كل التنبؤات، يمكن أن تفضي إلى ارتفاع أسعار الأسهم. وقد أصبحت التنبؤات سهلة جداً ومتخندقة جداً في النشاط اليومي لكبار المشغلين في السوق العالمية، والتي شرعنا في افتراض أنها ليست طبيعية وحسب، بل انها أيضاً مرغوبة، لا أكثر ولا أقل. وفي جميع الأحوال، فإننا نميل للمحاججة بأنه ليس هناك شيء يستطيع أي أحد فعله بحيث يتم وقفه إذا رغبنا في فعل ذلك. وربما يكون الافتراض الأخير صحيحاً، وهو ما يعد المشكلة على وجه التحديد.
وفق وجهة نظري، فإن الرقم الوحيد الذي يقيس عافية الاقتصاد العالمي وعافية الغالبية العظمى من سكان العالم هو معدلات التوظيف. وبالقدر الذي أستطيع قوله، ما تزال معدلات البطالة عالية بشكل شاذ لفترة من الزمن راهناً، إذا نظر المرء إلى العالم ككل. وزيادة على ذلك، نجد أن المعدل المذكور ما يزال يزحف بثبات في الأعوام الثلاثين إلى الأربعين الماضية، بدلاً من العكس. ولعل أفضل ما يبدو أننا قادرون على استشرافه هو أن المعدل سيستقر حيثما هو. ولا يبدو، في الأثناء، أن عكس الاتجاه مرجح. ومن الطبيعي أنك إذا قست معدلات التوظيف في بلد ببلد، فإنها ستتفاوت وتتذبذب. لكن معدل البطالة ظل، على نطاق العالم، مرتفعاً بانتظام.
الحقيقة أننا نعيش وسط نظام عالمي متذبذب على نحو موحش، وهذا وضع مؤلم للغاية. ومعدلات البطالة ليست المقاييس الوحيدة التي تتذبذب. إنها ببساطة تقيس المصدر المباشر أكثر ما يكون للألم. كما أن أسعار الصرف بين العملات الرئيسية تعتبر مصدراً مرئياً للألم بالنسبة لكل الأشخاص عند كل مستويات الدخل. وتجدر ملاحظة أن سعر عملة مرتفعاً يحبذ الواردات الرخيصة بينما يخفض معدل التضخم. لكنه يلحق الضرر بالمصدّرين كما نعرف، وينطوي على المجازفة بحدوث انكماش اقتصادي لمدى أطول.
إلى ذلك، تتذبذب كلفة الطاقة بشكل موحش أيضاً. ولعل أوضح مثال على ذلك هو النفط. فقد كان السعر أولاً في ارتفاع حاد في عموم العالم خلال معظم العام 2014، متيحاً دخلاً ضخماً وقوة سياسية للبلدان التي كانت منتجة (بالإضافة إلى دول في نطاق أميركا الشمالية، والتي كانت منتجة). ثم كما بدا فجأة، ذكر أنه حدثت تخمة في السوق وبدأت أسعار الطاقة في التراجع انحداراً إلى مستوى منخفض تماماً. وأصبحت تلك البنى السياسية التي كانت قد استفادت من الارتفاع السريع تواجه راهناً ارتفاعاً في الدين السيادي ومواطنين غير راضين.
هناك بالتأكيد عامل سياسي منخرط في هذه الميول الموحشة. لكن القدرة حتى عند المنتجين الضخمين، مثل العربية السعودية وتكساس، للتأثير على التقلبات السعرية إذا أرادوا ذلك، مبالغ فيها بشكل كبير. إن هذه التقلبات هي مثل الأعاصير التي تعصف بالبيوت المفتوحة في طريقها. وفي العملية، تجد المؤسسات المصرفية التي كانت قد راهنت على وجهة الأسعار (بكلتا الطريقتين) نفسها في مشكلة راديكالية، ولا تعود تتمتع بدعم مضمون من حكوماتها.
في الأثناء، نجد أن التحالفات الجيوسياسية غالباً ما تكون مزعزعة الاستقرار مثلها مثل حال السوق. فقد فقدت الولايات المتحدة هيمنتها التي لم تكن موضع شك على النظام العالمي، ثم انتقلنا إلى عالم متعدد الأقطاب. ولم يكن التراجع الأميركي قد بدأ ليس مؤخراً وإنما في العام 1968. وكان التراجع بطيئاً لوقت طويل لكنه صار متراكماً بعد العام 2003 نتيجة للمحاولة الكارثية لقلب وجهة الاتجاه الهابط من خلال غزو العراق.
ربما تكون في عالمنا متعدد الأقطاب 10-12 من القوى التي تتمتع بما يكفي من القوة لانتهاج سياسات حكم ذاتي نسبياً. ومع ذلك، فإن هذا العدد من القوى أكبر من أن تتمكن أي منها من فرض وجهات نظرها وضمان سيادتها. ونتيجة لذلك، تقوم هذه القوى بتغيير التحالفات باستمرار من أجل أن لا تكون دائماً عرضة لأن يبتزها الآخرون.
من المستحيل السطيرة على العديد، إن لم يكن معظم القرارات الجيوسياسية، حتى من جانب أقوى هذه القوى لأنها لا تتوفر على خيارات جيدة. ولك أن تنظر فيما يجري داخل الاتحاد الأوروبي. فاليونان على وشك أن تشهد انتخابات يبدو أن الحزب المعادي للتقشف “سيريزا” قد يفوز فيها. وتنصب سياسة “سيريزا” على المطالبة بمراجعة إجراءات التقشف التي كان قد فرضها على اليونان ائتلاف مكون من ألمانيا وفرنسا وصندوق النقد الدولي والخزينة الأميركية بشكل غير مباشر. ويقول حزب “سيريزا” أنه لا يرغب في ترك منطقة اليورو وأنه لن يفعل ذلك.
في المقابل، تقول ألمانيا إن اليونان لن “تبتزها” وتحملها على تغيير سياستها. ابتزاز؟ هل تستطيع اليونان الصغيرة ابتزاز ألمانيا؟ بأحد المفاهيم، يبدو الألمان محقين. سوف تلعب اليونان في ظل “سيريزا” بورقة صلبة. فمنطقة اليورو لا تتوافر على أي نص في المعاهدة للانسحاب أو الطرد. وإذا حاولت القوى القوية طرد اليونان من منطقة اليورو، فقد يهرع عدد ضخم من البلدان للانسحاب لمختلف المسوغات الجيدة والسيئة على حد سواء.
قريباً قد لا توجد منطقة اليورو على الإطلاق. وعندها ستكون ألمانيا هي أكبر الخاسرين. وعليه، ومن وجهة نظر ألمانيا (وفرنسا أيضاً)، تطالب اليونان باقتراح معادلة خسارة –خسارة. لكن ألمانيا تتمسك في هذا الوقت بموقفها، ولو أنها خففت من تهديد الطرد. وتقول فرنسا أنها ضد الطرد. وهذا يخدم أهداف “سيريزا”. وأن تخسر ألمانيا بشكل خاص أي موقف تختاره راهناً، فذلك واحد من التداعيات السياسية للفوضى العارمة.
إن النظام العالمي الحالي محطم للذات. ويمر النظام العالمي راهناً بما يصفه علماء التعقيد بالتشعب. وهذا يعني أن النظام الحالي لا يستطيع الاستدامة. والسؤال الحقيقي هو: ما الذي سيحل محله.
بينما لا نستطيع التنبؤ بنوع النظام الجديد الذي سينجم، فإن باستطاعتنا تفعيل الخيار بين البدائل الأساسية المتوفرة. ونستطيع التأمل فقط في فعل ذلك عبر إجراء تحليل واقعي لميول الفوضوية القائمة، وعدم إخفاء جهودنا السياسية وراء الخدع التي تدور حول إصلاح النظام الموجود أو عبر محاولات متعمدة لتعتيم قدرتنا على الفهم.
إيمانويل فاليرشتاين – (ميدل إيست أونلاين)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية

*عالم وباحث رفيع المستوى في جامعة ييل. وهو مؤلف كتاب “تداعي القوة الأميركية: الولايات المتحدة

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version