الرئيسية الاخبار استراتيجية غربية رباعية العناصر للتعامل مع الإسلام المتطرف

استراتيجية غربية رباعية العناصر للتعامل مع الإسلام المتطرف

images
دافوس، سويسرا- عادة ما يهيمن موضوع الاقتصاد على المناقشات التي تُخاض في دافوس، ولم يختلف ذلك في هذا العام أيضاً. لكن الصدمة التي خلفتها الهجمات الإرهابية الأخيرة التي وقعت في باريس تخيم على الأجواء، وكثيراً ما يتحول مسار النقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي هنا إلى موضوع الإسلام المتطرف. وكنت قد اقترحت في مقالي السابق أن الحل لمواجهة هذا التطرف لا يمكن في المزيد من التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. فما هي الإجابة إذن، والحالة هذه؟
تتسم هذه المشكلة بأنها عميقة وهيكلية (كما كنت قد كتبت في مجلة “نيوزويك” بعد بضعة أسابيع من هجمات 11/9، في مقال تحت عنوان “لماذا يكرهوننا”. فقد ظلت تحكم الشرق الأوسط منذ عقود أنظمة دكتاتورية (علمانية في أغلبها)، والتي عملت بدورها على تفريخ حركات معارضة متطرفة (معظمها دينية). وكلما كان النظام أكثر استبداداً وقمعاً، كانت المعارضة تصبح أكثر تطرفاً. وقد أصبح الإسلام لغة المعارضة لأنه اللغة التي لا يمكن إسكاتها أو فرض الرقابة عليها. والآن، أصبح النظام العربي القديم يتداعى، لكن ذلك أفضى إلى خلق عدم الاستقرار، وصنع فرصة للجماعات الجهادية لكي تزدهر في أراض سيئة جديدة.
على مدى العقود القليلة الماضية، تمت عولمة هذه الإيديولوجية الإسلاموية المتطرفة. وبعد أن كانت تتغذى في البداية من المال الخليجي والمنشقين والأئمة والمثقفين العرب، فقد تمكنت بعد ذلك من الاستقلال وصناعة حياة خاصة بها وحدها. واليوم، أصبحت هي الإيديولوجية الافتراضية المتأسسة في مشاعر الغضب، والسخط والمعارضة العنيفة، بالنسبة لعدد صغير من الشبان المسلمين المهمشين في جميع أنحاء العالم. وفي الحقيقة، لا يستطيع سوى المسلمين فقط، وبخاصة العرب، علاج هذا النوع من السرطان.
لكن ذلك لا يترك الولايات المتحدة والغرب بلا حول ولا قوة. يمكن أن تقوم واشنطن وحلفاؤها بدعم المسلمين المعتدلين، وأن يساعدوا مجتمعاتهم على التحديث وعلى إدماج أولئك الذين يعتنقون الحداثة. لكن ذلك شيء يتحقق على المدى البعيد. وفي الأثناء، يجب على واشنطن وحلفائها أن يعتمدوا استراتيجية تتكون من أربعة عناصر: الاستخبارات؛ ومكافحة الإرهاب؛ والإدماج؛ والمرونة.
من الواضح أن الاستخبارات هي التي تشكل خط الدفاع الأول، لكنها مسألة ضرورية للهجوم أيضاً. يجب علينا أولاً أن نعرف أين هم الجهاديون والجهاديون المحتملون، وماذا يخططون. ويعني ذلك استخدام تكنولوجيا متطورة للبحث في محتوى الأنواع المختلفة من الاتصالات، لكنه يعني أيضاً -وهو الأهم- تطوير علاقات جيدة مع المجتمعات المحلية. وسوف يجادل معظم المحترفين في مؤسسات إنفاذ القانون بأن الحل يكمن في تطوير الثقة في، وإقامة صلات مع المجتمعات الإسلامية المحلية في سبيل تحديد أولئك الذين قد يشكلون تهديداً، في وقت مبكر. وكما قال رئيس شرطة مقاطعة لوس انجلوس في شهادته أمام الكونغرس في العام 2010، فإن “المعلومات المستمدة من العلاقة (مع هذه المجتمعات) تكون أكثر موثوقية من المعلومات التي تكون أبعد بمرتين أو أكثر عن المصدر الأصلي”.
يشكل عنصر مكافحة الإرهاب المتابعة الطبيعية لعنصر الاستخبارات. فعندما تعلم أين يوجد الأشرار، يكون عليك أن تقوم باعتقالهم أو قتلهم. وذلك أسهل على القول مما هو على الفعل في الحقيقة، ولكن الولايات المتحدة ودولاً غربية أخرى كانت قد حققت نجاحاً كبيراً باستخدام هذا التكتيك -وليس فقط في مناطق الحروب مثل أفغانستان وباكستان، وإنما أيضاً في اعتراض مخططات ومؤامرات مختلفة، بينما كانت في طريقها إلى التنفيذ في مدن مثل باريس ولندن. ولا شك أن لكل جهود مكافحة الإرهاب سلبيات. ففي حين تبدو هجمات الطائرات من دون طيار سلسة من الجو، فإنها ستسفر حتماً عن سقوط ضحايا من المدنيين. ورغم أن عمليات القوات الخاصة تتسم بكونها أكثر جراحية ودقة، فإنها تعرض احتمال المخاطرة بوقوع إصابات أميركية (أو غربية أخرى).
في مقابلة كاشفة نشرت في العام 2013 في مجلة الشؤون الخارجية “فورين أفيرز”، قال الجنرال المتقاعد، ستانلي ماكريستال، وهو يتحدث عن مكافحة الإرهاب: “لقد خلص الأميركيون إلى فهم ذلك. إذا كنا نستخدام قدراتنا التقنية بلا مبالاة -لا أعتقد أننا نفعل، ولكن هناك دائماً احتمال أننا ربما نفعل- فلا ينبغي أن نستاء عندما يرد علينا شخص ما بما يعادل هذه القدرات، في شكل تفجير انتحاري في سنترال بارك، لأن ذلك هو ما يمكنهم أن يردوا به”.
أما بخصوص الإدماج، فهو شيء تفعله أميركا بشكل جيد بينما تكافح معه أوروبا. ولعل واحداً من الأسباب الرئيسية في أن الولايات المتحدة لم تواجه العديد من المشاكل كما توقع كثيرون بعد 11/9، هو أن المجتمع المسلم فيها مندمج جيداً وموالٍ للنظام، وهو يؤمن إلى حد كبير بالقيم الأميركية. وفي المقابل، ما تزال أوروبا تواجه تحديات هائلة في مجال إدماج القادمين الجدد أو المختلفين، في مجتمعات طالما تم تعريفها بوحدة الدم والتراب.
رابعاً وأخيراً، هناك المرونة ومقاومة الصدمة. فالإرهاب تكتيك غير عادي. وهو لن يعمل إذا لم يتمكن من إرهابنا، ببساطة. ويشكل الارتداد السريع والعودة إلى الحياة الطبيعية طرقاً لضمان أن لا يكون للإرهاب ذلك التأثير المرجو. ونحن لم نتمكن دائماً من القيام بذلك. وعلى سبيل المثال، بالغنا كثيراً خلال الأشهر الأخيرة في ردة فعلنا الجماعية على أشرطة الفيديو التي ضمت إعدامات الدولة الإسلامية، وهو السبب الذي كانت هذه الأفلام قد أنتجت من أجله في المقام الأول.
كانت هجمات باريس وحشية، وكذلك التي شُنت في أوتاوا وسيدني ولندن ومدريد وفورت هود. ولكن إحدى الطرق للحصول على منظور أفضل للأثر الحقيقي للإرهاب ربما تكون أخذ الأرقام في الاعتبار. ووفقاً لإحصائيات “قاعدة بيانات الإرهاب العالمي”، في 12 سنة بين 12 أيلول (سبتمبر) 2001 ونهاية العام 2013، بلغ عدد الأميركيين الذين قتلوا على الأراضي الأميركية بسبب الإرهاب 42. (وكان ستة من هؤلاء قد سقطوا في الهجوم البشع الذين شُن على معبد للسيخ في ويسكونسن في العام 2012). وفي الوقت نفسه، في عام واحد فقط، هو 2011، ذكرت تقارير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن 32.351 من الأميركيين قد توفوا بسبب الأسلحة النارية. وكان عدد الذين لقوا حتفهم في حوادث المرور نحو 33.783. وبهذا يكون شعار “حافظ على هدوئك وواصل الحياة” أكثر من مجرد كلام نكتبه على قمصاننا ونرتديه فقط.

فريد زكريا* – (نيويورك تايمز)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version