إذا كانت الجريمة التي تعرضت لها صحيفة “شارلي إيبدو” جريمة إرهابية لا تغتفر، فإن السخرية والاستهزاء المتعمد من الإسلام ونبي الإسلام هي الأخرى جريمة لا تبرر، ورغم ذلك فإن هذه الصحيفة عاودت الإساءة مجدداً وبشكل مضاعف يكشف أن هناك عداء متأصلاً ضد الإسلام والمسلمين، بدليل كل تلك الأعمال العدائية التي ارتكبت ضد مسلمين في أنحاء متفرقة من أوروبا .
ففي تحدٍ غير مبرر أصرت إدارة تلك الصحيفة الأسبوعية على إصدار عدد جديد يوم الأربعاء 14/1/2015 تضمن رسماً مسيئاً لرسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وزادت من الأعداد المطبوعة من هذا العدد إلى خمسة ملايين نسخة نفدت جميعها، ما يعني أن الرأي العام الفرنسي بات هو الآخر مفعماً بالعدوانية ضد الإسلام والمسلمين، وليس ضد الإرهاب وحده رغم كل الإدانات والاعتذارات التي صدرت من دول ومنظمات ومن إعلام عربي وإسلامي على الجريمة التي ارتكبت ضد تلك الصحيفة الأسبوعية .
اللافت هنا أن تلك الرسوم المسيئة لرسول الاسلام يجري تصنيفها باعتبارها تدخلاً في مجال “حرية التعبير” حدث هذا عندما جرى إنتاج أفلام تتضمن رسوماً كاريكاتيورية ضد رسولنا الكريم في أكثر من دولة أوروبية، وتكرر الأمر نفسه مرات عديدة بنشر رسوم مسيئة في صحف ومجلات، والتبرير دائماً هو “حرية التعبير”، وهنا بالتحديد تفضح “الازدواجية الأخلاقية” للغرب حيث يتم تجريم أي أفكار لما يسمونه ب”جريمة الهولوكوست”، فكل من ينكر “الهولوكوست” يتم تجريمه، وكل من ينطق بقول وكل من يكتب أو ينشر أو يرتكب أي فعل يوصف بالعداء للسامية يجرّم هو الآخر، ولا يجري تصنيفه ضمن دائرة “حرية التعبير”.
هذه الازدواجية الاخلاقية هي جوهر الصراع الذي تشنه الحضارة الغربية بكل مؤسساتها الثقافية والفكرية ضد الحضارة العربية – الإسلامية، باعتبارها “الحضارة العدو”، ما يعني ان دعوة أو نظرية “صراع الحضارات” التي سبق أن أطلقها عالم السياسة الأمريكي الشهير صموئيل هنتنغتون لم تأت من فراغ، بل هي معتقد أصيل في مكون الحضارة الغربية، التي لا تتعامل مع أي حضارة أخرى بمثل هذه العدوانية المدبرة .
رغم ذلك فإن كل ما حدث من ردود فعل أوروبية عصبية رداً على الجريمة التي ارتكبها إرهابيون ينتمون إلى تنظيم “القاعدة” الإرهابي لا يمكن أن تقارن بردود فعل الحكومة الإسرائيلية وبالذات رئيس هذه الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان .
فقد حرص نتنياهو وحكومته على استغلال الحدث الإرهابي لخدمة ثلاث مصالح إسرائيلية، المصلحة الأولى تخص الانتخابات البرلمانية المقبلة في إسرائيل، والثانية تهدف إلى الربط بين ما يتعرض له الغرب الآن، وما يمكن أن يتعرض له لاحقاً من إرهاب، وما تتعرض له إسرائيل من “إرهاب” فلسطيني، في محاولة لوصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وتبرير كل الانتهاكات الإسرائيلية، ضد الشعب الفلسطيني بأنها “حرب ضد الإرهاب”، وتحميل الأوروبيون مسؤولية ما يحدث داخل إسرائيل .
أما المصلحة الثالثة فتتعلق باستغلال الحدث لتحفيز يهود فرنسا وغيرهم من يهود أوروبا بالهجرة إلى إسرائيل باعتبارها “وطنهم القومي الآمن” ومغادرة أوروبا التي باتت مكتظة بالإسلام والمسلمين ولم تعد تصلح وطناً لليهود .
كان أبلغ توصيف على الأداء الهزلي الذي قام به نتنياهو في مشهد التظاهرة المليونية الباريسية، بعض الصحافة الإسرائيلية المنافسة اتهمته ب”الرقص على دماء الأبرياء في فرنسا” . كان كل ما يشغله هو الناخب الإسرائيلي إذ حشد نفسه في الصف الأول للقادة والزعماء، وأخذ يلوح بيديه للواقفين على الشرفات .
هذه المشاهد فسرها إسرائيليون بأنها مشاهد انتخابية، وجاء إصرار نتنياهو على نقل جثامين القتلى اليهود في ذلك الحدث ليتم دفنها في القدس ليدعم هذا الرأي الذي ارتبط مباشرة بحرص نتنياهو وحكومته على أن يدفع الشعب الفلسطيني الثمن، وان سياساته العدوانية الرافضة للسلام من منظور أن هذا الرفض يدخل ضمن دائرة محاربة الإرهاب، وهو رفض لم يفهمه الأوروبيون الذين انساقوا وراء دعاوى السلام الفلسطينية غير مدركين أنهم يدعمون الإرهاب ليس فقط في فلسطين بل وفي أوروبا .
فقد حرصت الصحف الإسرائيلية المؤيدة للحكومة على نشر مقالات وتحليلات عتاب للأوروبيين، ففي صحيفة “إسرائيل اليوم” الموالية لنتنياهو كتب: نسيم دانا: محرضاً الغرب على مسلمي أوروبا، ومحذراً من أن أعداد المسلمين آخذة في التزايد في أوروبا، وزاعماً أن المسلمين يربون أبناءهم على العداء للمسيحية، وهؤلاء سوف يصبحون قوة حاسمة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وسيكون لهم مستقبل من يتحدث بلسانهم داخل مؤسسات الحكم والثقافة في أوروبا بكل ما يعنيه ذلك من تهديد للحضارة والثقافة الأوروبية . لكن ما ورد على لسان موشيه أرينس وزير الدفاع الإسرائيلي الاسبق يتجاوز تلك التحذيرات، فقد كتب في صحيفة “هآرتس” منتقداً التفهم الذي يوليه الغرب لما زعم للأنشطة الإرهابية الإسلامية ضد إسرائيل أو اليهود” .
هدف تسريع الهجرة اليهودية من فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية بعد تراجع هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل بات في صميم استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية، فعيون إسرائيل تتركز على يهود فرنسا البالغ عددهم نحو نصف مليون يهودي، وتشير معلومات وزارة استيعاب المهاجرين الإسرائيلية، إلى أن عام 2014 شهد تصاعداً كبيراً بعدد المهاجرين اليهود من فرنسا إلى الكيان والذي بلغ نحو سبعة آلاف مهاجر مقابل 3400 مهاجر عام 2013 وقبيل أحداث باريس الأخيرة قدرت الوزارة أن يصل إلى إسرائيل هذا العام نحو عشرة آلاف يهودي فرنسي، وبعد تلك الأحداث وصلت التقديرات بأن يصل عدد اليهود الفرنسيين الذين سيهاجرون إلى نحو عشرين ألفاً، ما يعني أنهم في إسرائيل يخططون دائماً إلى جني الثمار، وإلى أن يظل الشعب الفلسطيني يدفع الثمن.
القدس دوت كوم
