العملية الأخيرة التي استهدفت وحدات من الجيش المصري وراح ضحيتها نحو 40 عسكريا تشكل تطورا غير مسبوق يدل على قوة الجماعات الإرهابية في استدامة قدرتها على الاختراق المنظم لواحد من اكبر جيوش المنطقة الذي مايزال متماسكا رغم الاستهداف المنظم للجيوش العربية ومحاولة تصفيتها واحدا تلو الآخر، حيث تثبت الجماعات الإرهابية في سيناء التي أعلنت ولاءها لتنظيم “داعش” قدرتها على الضرب بقوة في مفاصل الجيش المصري وقوات الشرطة كل شهرين أوثلاثة أشهر؛ كان آخرها عملية كرم القواديس في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
الجيش المصري آخر الجيوش العقائدية العربية الكبيرة الباقي. فمنذ تموز (يوليو) 2013، شهدت سيناء هجمات متعددة، سقط فيها مئات الجنود من الجيش المصري ورجال الشرطة، منها أربع عمليات دامية خلال العام 2014 فقط. ومعظم هذه العمليات تبناها تنظيم جهادي واحد. وهناك تقديرات تتحدث عن وجود نحو 20 ألف مسلح في سيناء، يمارسون أنشطة عسكرية تجعل مساحات واسعة من صحراء سيناء التي خاضت مصر من أجلها حروبا عديدة، خارج السيادة الوطنية؛ فيما من الواضح حجم الاستهداف الذي يتقصد الجيش المصري.
صحيح أن أكثر ما تحتاج إليه مصر، خلال السنوات المقبلة هو الاستقرار، لكن في الوقت نفسه فإن أي استقرار يكتفي بالقوة وحدها سيكون استقرارا هشا، ولن يأتي بالأخبار السارة للمصريين. ولعله من المفيد اليوم أن تنظر النخبة المصرية الراهنة إلى اليوم التالي من زاوية أخرى؛ زاوية بناء دولة لكل مواطنيها، وذلك بالتخلص من الصراع على أجندات الثورات، والانتقال مباشرة إلى مسار بناء الدولة الذي من دونه لن يكتمل إثبات شرعية ما جاءت به الصناديق، هذا ما يذهب مباشرة الى ضرورة الحفر عميقا في تاريخ التيه في سيناء؛ فهذه الارض القديمة ورغم عودتها بالمفاوضات قبل اكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد ما تزال للأسف غريبة على مصر ولم تتمكن النظم السياسية المتتالية التي مرت على القاهرة من اكتشاف سيناء مجددا ودمجها في الوطن المصري لا تنمويا ولا سياسيا او ثقافيا.
تشكل سيناء شبه الجزيرة الصحراوية نحو 6 % من مساحة مصر وبإجمالي سكان يصل إلى نحو مليون ونصف، وتقسم سيناء الى محافظتين؛ محافظة جنوب سيناء ومحافظة شمال سيناء والأخيرة هي المستهدفة ومعقل التنظيمات الإرهابية ولا يتجاوز عدد سكانها 400 الف، وكانت السلطات المصرية قد أعلنت في تشرين الأول (أكتوبر) هذه المحافظة منطقة عسكرية مغلقة فرضت فيها حالة الطوارئ وحظر تجوال ليلي عقب هجمات استهدفت كمائن ونقاطا عسكرية وأودت بحياة ما لا يقل عن 31 جنديا. وسبق ان شهدت منذ سنوات اعتداءات منظمة على خطوط الغاز التي كان يتبناها تنظيم أنصار بيت المقدس قبل مبايعته لتنظيم “داعش”.
ورغم أن هذا الجزء من أرض مصر التاريخية كان دوما البوابة والمصدّ للغزوات التي واجهتها مصر منذ الهكسوس إلى العدوان الاسرائيلي؛ إلا أن مصر المعاصرة تعثرت في دمج المجتمعات البدوية ومنحها المواطنة التي تستحق، حيث غلبت الأبعاد الأمنية على الأبعاد التنموية، ما جعل التنظيمات الإرهابية تتسلل بسهولة لهذه المجتمعات. ومع ازدياد التدخل والضربات الأمنية أصبح من السهل فهم التحول في الصراع الذي يربط بين العقلية البدوية الثأرية والغطاء العقائدي الديني، وهو مركب صعب ومعقد حينما تصبح المواجهة مع مجتمعات محلية.
الخروج من تيه سيناء الجديد لا يرتبط بشكل كبير بالظاهرة العالمية للتنظيمات المتطرفة التي تدعي الانتساب إلى الاسلام أكثر منه حلا مصريا داخليا مركبا سياسيا وتنمويا.
عن الغد الاردنية