الرئيسية الاخبار الفيل في الغرفة: أصل الإرهاب الحديث وتهديم القيم الغربية

الفيل في الغرفة: أصل الإرهاب الحديث وتهديم القيم الغربية

فهرس
هل يمكنك أبدا أن تحل المشاكل عن طريق تجاهلها؟ يقول معظمنا إن ذلك ليس ممكناً، لكنه هو ما تفعله الحكومات الغربية على وجه التحديد في جهودها للتصدي لما يدعى “الإرهاب الإسلاموي”. أجل، هناك جهود واسعة ومكلفة لكبت أعراض ما تعتبره الحكومات الغربية طاعوناً خبيثاً، بما في ذلك قتل العديد من الناس الذين يفترض أنهم مصابون بعدواه، وإشعال الثورة والدمار في أماكن يفترض أن تكون عرضة له، والعودة بالسر إلى الممارسات البربرية مثل التعذيب، وهي أشياء اعتقدنا أنه تم التخلي عنها قبل قرون، من أجل مقاتلة الطاعون، وانتهاك حقوق المواطنين التي اعتقدنا أنها أصبحت راسخة مثل الحاجة إلى الطعام والمأوى. وتتجاهل الحكومات، في كل هذه الجهود الهدامة، ما تعرف في نفسها حق المعرفة، أنه أصل المشكلة.
هل كان الراديكاليون الإسلامويون دائماً موجودين؟ أجل، ولدينا سجلات تغطي التاريخ البريطاني والفرنسي لبناء إمبراطورية، عن مجموعات غريبة ومثيرة للخوف. ويبدو أن كل دينٍ كبير ينطوي على طيف من المؤمنين الذين غالباً ما يضمون، عند إحدى نهايات الطيف، متشددين متطرفين. وليس هؤلاء ظاهرةً جديدة في أي مكان. وهكذا، لماذا أصبحت واحدةٌ من هذه المجموعات، في رمال الشرق الأوسط، جزءا من وعينا اليومي؟
أليس أنه من غير الجديد في شيء أن يصبح الشباب متحمسين ومضطربين بسبب ما يعتبرونه هجماتٍ تشن على أبناء جنسهم؟ إن سجل المجتمع الغربي، من الصليبيين والحروب الدينية والحروب الاستعمارية والثورات، والذي يشكل كلاً ليس له مثيلٌ على الأرجح في تواريخ شعوب العالم، يعرض أمثلةً لا تعد ولا تحصى من الرجال الشباب الذين يتملكهم الغضب بسبب هذا الظرف أو ذاك، فينضمون أو يسارعون إلى القتال.
قال لنا جورج بوش إن إرهابيي اليوم يكرهون حريتنا وقيمنا الديمقراطية. لكن ذلك، مثل كل شيء تفوه به جورج بوش، كان فارغاً ولا يفسر أي شيء. ورغم ذلك، كان تفسيره هو الذي لقي صداه في الوعي العام، لأن الحكومات والصحافة المؤسسية لا تتوقف أبداً عن تكرار نسخ منها. وكانت مسألة تشارلي ايبدو وموقفها المسرحي حول حرية الرأي هو النسخة الأخيرة. مسرحي؟ نعم، عندما نعرف تمام المعرفة أن كثيراً من الذين شاركوا في باريس هم كل شيء سوى أن يكونوا أصدقاء لحرية الرأي.
لا تشعر كل الشعوب المتخلفة براحةً مع بعض القيم الغربية المعينة، تلك هي سمة وطبيعة التخلف. والتخلف في حد ذاته هو ميزة تعريفية لكل المجموعات الدينية المتشددة -الحاسيدك أو اليهود المتشددين، أو المينونايت أو كرادلة الرومان الكاثوليك، أو الراهبات المنعزلات، والسيخ والعديدين الآخرين- الذين يختارون بشكل نمطي أشكالاً من الأزياء، وقواعد الطاعة، وحتى الأطعمة التي يأكلون والذين يتوافرون على القليل أو لا شيء من العلاقات مع العالم المعاصر والعلوم. وذلك حقهم، بطبيعة الحال، طالما كانوا مسالمين ومتقيدين بالقانون.
إن كل مجموعة متشددة، عندما تكون مدفوعة من أناس أكثر قوة من خارج مجتمعها، تكون قادرة كلية -وحتى أكثر عرضة للعنف. كما أن كل بني البشر قادرون على ممارسة العنف عندما يواجهون بإساءة المعاملة والظلم. وتثبت قرون من الحروب الدينية وعمليات الإرهاب في أوروبا ذلك الاقتراح، ويجب اعتبارها بمثابة إنذار، لكن المعظم ينسونها -إذا كانوا يعرفونها أصلاً. ويستمر الميل نحو العنف اليوم في أوساط العديد من العقائد التشددية. وفي مجتمع صغير نسبياً ويبدو متجانساً مثل إسرائيل، هناك هجمات منتظمة يشنها يهود متشددون على أبناء جلدتهم الدنيويين، أو ضد أحكام العقل النزيه فيما يتعلق بمسائل المشاة مثل ركوب النساء الحافلات أو سيرهن في الشوارع. وتصبح الهجمات عنيفة تماماً -الوخز والبصق وحرق المنازل والقتل أحياناً- وكل ذلك يذهب في تضاد مع ما يعتبرونه القيم الغربية. لكنه لأن الحجم صغير نسبياً، ولأن صحافتنا تتبنى تحيزاً حمائياً ثابتاً فيما يتعلق بكل الأشياء الإسرائيلية، فإن هذه التطورات نادراً ما تصنع أخباراً في خط إعلامنا الرئيسي.
لقد استغرق الأمر أوروبا الغربية قروناً، حرفياً، لوضع هذه الثيمات المتكررة والعنيفة، مثل الساحرات وحرقهن وهن على قيد الحياة، والعين الشريرة، ونبذ الشياطين، والإعدام بسبب الخلاف العقائدي، والكثير من الحماقات التي لا تعد والتي صبغت مجتمعات بأكملها وأزهقت أرواحاً، وراء ظهرها.
ينطوي عالمنا على أناس أكثر تخلفاً مما يستطيع معظمنا تخيله. ولا تعرض الأخبار تطرفهم وأعمالهم الوحشية، لأن مثل هذا العرض لا يخدم غرضها السياسي. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، نجد ممارسات ومعتقدات تتنافى مع العقول الحديثة: اغتصاب الرجال الكبار في القرية للفتيات اليافعات كحق مكتسب، وتشويه الأعضاء التناسلية لثلاثة ملايين فتاة سنوياً (ممارسة أفريقية وليست إسلامية)، وصيد وذبح الناس “الغريبين” مثل المصابين بالمهق، وأكل أعضائهم كنوع من العلاج، والعديد من الممارسات الأخرى. وفي الهند، البلد الذي يسير بشكل حسن على الطريق لكي يصبح عصرياً، لكنه يتوافر على نسبة ضخمة من السكان المتخلفين، ثمة ممارسات مثل تزويج فتيات غضات لرجال كبار في السن ممن يتوافرون على ثراء يكفي لدفع مهور للوالدين الفقيرين. وبضربة واحدة، تغني هذه الممارسة الوالدين وتعفيهما من عبء طفل، طفل أنثى أيضاً، والتي غالبا ما ينظر إليها على أنها أقل تحبيذاً. وتولد الممارسة عدد سكان ضخماً من الأرامل عندما يموت الأزواج الكبار في السن، والذين يكونون قد تزوجوا الفتيات وهن في سن اثني عشر عاماً، مثلاً. وتمضي هؤلاء النساء بقية حياتهن وقد صبغن بصبغة الأرامل، حيث لا يسمح لهن بالزواج أبداً ويطلب منهن ارتداء الملابس وتناول الطعام بطرق معينة، وينبذن بشكل رئيسي ليعشن في أماكن قذرة مساوية لمنازل الرجال الكبار في السن، أو العيش حياة بلا معنى كلية. وفي الهند أيضاً ثمة تقليد “حرق العروس”، حيث تتحول العرائس الحديثات اللواتي يعتبرن غير مقبولات لمسوغات مختلفة لتصبحن فرائس عائلة العريس، حيث يتم، “حرفياً” حرقهن. وثمة العديد من الممارسات البربرية الأخرى في ذلك المجتمع أيضاً، بما في ذلك “قتل الشرف” والنساء الشابات اللواتي يعملن سجينات في معابد معينة ليخدمن كعاهرات ممجدات.
وفي الأثناء، تتجنب صحافتنا بمواظبة التطرق لكثير من الأمور المرعبة في العالم، بينما هي تركز على “التطرف الإسلاموي” فيما السياسة هي التفسير الوحيد لهذا التحيز. وتنمو ثيمة الصحافة عن الإرهاب الإسلاموي، وفي الحقيقة الحوادث الحقيقية للإرهاب، من حقيقة تؤخذ دائماً على مأخذ المسلمات بحيث لا تناقش أبداً، ومن المؤكد أنها لا تنتقد: إن الفيل في الغرفة، كما هو حادث، هو احتلال إسرائيل الطويل وغير الشرعي والمؤلم للفلسطينيين.
قد لا يكون مهماً بالنسبة لحكوماتنا وصحافتنا أن إسرائيل تحتجز الملايين كسجناء، وتعيق حيوات جيل في أثر جيل، أو أن إسرائيل تقوم بين فترة وأخرى بتوجيه ضربات في كل اتجاه -غزة ولبنان وسورية والضفة الغربية- مسببة مقتل الآلاف، أو أن إسرائيل تشاهد وهي تهدم منازل المواطنين والأضرحة المقدسة وسط حصانة تامة. لكن الأمر يعد مهماً جداً بالنسبة للعديد من ملايين المسلمين في العالم، وبعضهم، رجال متشددون يضربون ضد ذلك، تماماً كما يضرب الشباب في كل مكان ضد الجراح المؤلمة للأذى والظلم.
في بلدان غربية، وفي ظل التأثير الصارم لأميركا، البلد الذي يقع بالتالي تحت التأثير القاسي لأفضل لوبي منظم وممول في العالم، اللوبي الإسرائيلي، يترتب علينا أن ننظر إلى سلوك إسرائيل كسلوك طبيعي، لكنه بالطبع ليس كذلك في كل تفصيل واعتبار. ما هو الطبيعي في احتجاز ملايين عدة كسجناء لنصف قرن؟ وما هو الطبيعي في نسف وتجريف المنازل -حرفياً- وفي سرقة الإسرائيليين الأرض نفسها التي يقفون عليها؟ ما هو الطبيعي في إعلان حكومة منتخبة على أنها مجرمة ومعاملة ناسها وكأنهم مجرمون؟ وما هو الطبيعي في الحد من فرصة الناس في كسب عيشهم أو في استيراد بعض احتياجات الحياة؟ وما هو الطبيعي في قتل نحو ألف طفل تقريباً، كما فعلت إسرائيل في غزة في العام 2008؟
إن التظاهر بأن سلوك إسرائيل ليس السبب الرئيسي وراء ذلك، والذي يصرخ من عناويننا الرئيسية ونشرات الأخبار لدينا، قد بلغ مستويات عبثية. وقد فاقمت أميركا، على نحو واسع، مشكلة إسرائيل في إساءة معاملة الناس. كما أنها هي وشركاؤها الصامتون دمروا العراق وليبيا، ويبذلون كل جهودهم لتدمير سورية. وهم يحرصون على أن يعيش عشرات الملايين من المصريين في ظل حكم مطلق، ويتجاهلون ما لا يعد من المظالم والأعمال الهمجية في البلدان التي تساعدهم بالسر. ويقومون بتنفيذ عمليات قتل خارج القانون في الكثير من أنحاء المنطقة. وكل ذلك ينفذ نيابة عن إسرائيل وبتعاون من إسرائيل. ألا يستطيع أي شخص عاقل رؤية أن هذا العامل الواسع من الموت يصنع أيضاً الآلام التي لا تعد ولا تحصى، وكذلك العمليات الانتقامية؟ لقد أصبحت الحماقة بمستوى هائل، ومتجذرة في فكرة أنك يمكن أن تشق طريقك بالقتل للخروج من التداعيات الرهيبة للسياسات الرهيبة.
في أميركا شن الشخصيات السياسية المدفوع لها (نيوت غينغريتش هو واحد منها) حملة لتقول أنه لا وجود لشيء اسمه فلسطين. أما آخرون (ديك تشيني كان واحداً) فقالوا إنه تجب إزالة ملايين الفلسطينيين من أماكنهم على أن تترك أراضيهم بشكل مناسب لإسرائيل. وهذا القول الأخير شاذ على القول، على اعتبار أنه لا يوجد أشخاص يفترض أنهم فلسطينيون؟ ومن الواضح أنه لا يوجد أي سياسي يتظاهر حتى مجرد تظاهر بالسيادة، والذي يقول مثل هذه الأشياء. كيف يستطيع أناس أذكياء وناجحون مثل يهود أميركا الرضا والاقتناع بسماع ساسة يقولون مثل هذه الأقوال المحرجة؟ لكن هذا مقياس جيد للطريقة التي سيتم بها الاستهزاء بالذكاء والتفكير السليم في الدوائر السياسية الأميركية.
كيف لك أن تنجز أي شيء جدير بالإنجاز من دون ذكاء ولا تفكير سليم؟ إنك لن تستطيع. لكن ذلك لا يوقف الرؤساء الأميركيين ووزراء الخارجية عن تنفيذ تأدية مشهد صامت في العالم، شيء يدعى “عملية السلام”. ويتم تصوير هيئة جون كيري الكئيبة وهو يؤدي دور رجل الدولة، بينما تستمر الأسلحة المزودة من جانب أميركا في قتل الآلاف من الأبرياء.
الغد الاردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version