لا مفر من الاعتراف بأن مصر لن تستطيع أن تكسب أياً من معارك المصير التي تخوضها ما لم تنجح في تحقيق التوافق الوطني بين أطيافها.
(1)
في الأجواء المخيمة الآن، اصبحت هذه البديهة البسيطة بحاجة الى إثبات لدى البعض الآخر في البدء، روَّج البعض لفكرة تقسيم البلد الى معسكرين أحدهما ديني والآخر مدني. وهو ما اعطى انطباعاً مغلوطاً بأن الأول مشكوك في وطنيته، وأن الثاني مشكوك في تدينه. وبمضي الوقت، ذهب الخطاب التعبوي الى ابعد، حيث اشاعت أبواقه أن في مصر شعبين أحدهما يختلف عن الآخر ولا مشترَك بينهما. الأمر الذي بدا انعطافا باتجاه المفاصلة والافتراق، إلا أن الفجوة اتسعت بعد ذلك وضاقت معها الصدور التي امتلأت بعوامل الرفض والنفور، حتى سمعنا أصواتا باتت تجهر بأن البلد ما عاد يحتمل تعايش الاثنين جنباً الى جنب تحت سقف الوطن الواحد.
الدعوة الى التوافق رددتها بعض الأصوات الاستثنائية المحتدمة في الآونة الأخيرة، إذ خلال الأيام العشرة الاخيرة مثلا، ترددت الفكرة في كتابات عمرو الشوبكي وعمرو حمزاوي وأحمد عبدربه وزياد بهاء الدين الذي كان عنوان أحدث مقالاته كالتـــــالي: بعد اربع سنوات: لا بديل عن التــــوافق الوطــــني (الشــــروق 1/27). وفى مقابل تلك الكتابات، فإن اصوات كتائب الإبادة كانت الأعلى والأكثر ضجيجاً، فضلا عن انها ظلت مهيمنة على البث التلفزيوني بوجه أخص.
في الدفاع عن فكرة التوافق الوطني والتضامن معها، اذكِّر بعوامل ثلاثة تجعل من ذلك التوافق ضرورة في الظروف الراهنة، وهي:
] الأول أن الثورة التي قامت في مصر يوم 25 كانون الثاني 2011 ما زالت تراوح مكانها، بدليل أن أهدافها المعلنة لم يتحقق منها شيء خلال السنوات الاربع الماضية. بل بدا أن النظام القديم الذي انقلبت عليه الثورة أصبح يطل برأسه من جديد ويتأهب لاستعادة مواقعه مرة أخرى، ولا سبيل لمواجهة ذلك الزحف إلا باحتشاد القوى والجماهير صاحبة المصلحة في الثورة، والتي ضحت بأكثر من ألف شهيد لإنجاحها.
] الثاني يتمثل في تنامي خطر الارهاب في مصر وفي سيناء بوجه أخص، وهو ما ظهر بوضوح في الغارة الاخيرة على المواقع الامنية في العريش، وفي مذبحة كفر القواديس التي وقعت في منتصف تشرين الثاني الماضي. وقد قتل في العمليتين العشرات من جنود القوات المسلحة والشرطة. وازاء ما توفر لبعض المنظمات الارهابية التي قامت بمثل هذه العمليات من تدريب وخبرة وسلاح، فإن ذلك وضع القوات المسلحة في اختبار، سوف تجتازه بنجاح إذا ما اطمأنت الى وجود جبهة داخلية وراءها متماسكة وآمنة.
] العامل الثالث إقليمي، يتعلق بالمساندة القوية التي تلقتها مصر بعد الثالث من تموز 2013 من جانب المملكة العربية ودولة الامارات. ذلك أن وفاة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز اعطت انطباعاً بأن ثمة متغيرا في السياسة الخارجية السعودية لن يؤثر على موقف المساندة، ولكنه قد يؤثر بالسلب على حدودها. عبرت عن ذلك تلميحات عدة، كان اكثرها وضوحاً مقالة نشرتها جريدة «الحياة» اللندنية في 1/31 للكاتب السعودي جمال خاشفجي، أحد المقربين من مؤسسة الحكم في المملكة، اذ ابدى فيها بعض التحفظات على الوضع السياسي في مصر. ودعا المملكة في عهدها الجديد للعودة الى اتباع سياسة الاحتواء التي اتبعتها في اوقات سابقة، وليس الاصطفاف الذي ظهر في فترة حكم العاهل الراحل. كما دعا الى اقامة غرفة عمليات سعودية ـــ أميركية ـــ تركية تتولى إطفاء الحرائق ورعاية المصالحة في المنطقة. وهو اقتراح له دلالته التي يمكن أن تكشف المرحلة المقبلة عن أبعادها.
(2)
تريدون توافقاً ومصالحة مع الإرهابيين الذين تلطخت أيديهم بدماء المصريين؟ هذا السؤال هو الاكثر شيوعا في الفضاء السياسي والاعلامي المصري. وقد وصفه احمد عبدربه في مقالته الاخير التي نشرتها جريدة الشروق بأنه «مغالطة وحيلة لخلط الأوراق»، لأن التوافق المنشود ليس مع هؤلاء يقيناً، ولكنه عن غيرهم الذين أخذوا بالشبهة وتم إقصاؤهم من دون أن يقترفوا ذنباً، ومن ثم أصبحوا مرشحين للانحياز لأحد الخيارات الثلاثة:
رفض الديموقراطية وعدم الثقة بها، أو الانخراط في العمل السري، أو اللجوء الى العنف. وكلها خيارات سلبية كما رأيت، تزرع بذور شرور لا يعلم مداها إلا الله.
السؤال سالف الذكر هو الأهم عند أهل الموالاة. إلا أن ثمة سؤالا لا يمكن تجاهله يطرحه الطرف الآخر هو: هل يمكن بسهولة تجاهل جراح المرحلة السابقة التي خلفت آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين؟ ردِّي على السؤال انه اذا صدقت النيات وتوفرت الرغبة الحقيقية في التوافق، فليست هناك مشكلة بلا حل، اذ يمكن الاهتداء في ذلك ـــ مثلا ـــ بتجربة «لجنة الحقيقة والمصالحة» التي تشكلت في جنوب أفريقيا بمقتضى «قانون تعزيز الوحدة الوطنية» الذى أصدره في العام 1990 نيلسون مانديلا إبان رئاسته للبلاد قبل ذلك بعام. وقد استرشدت بها سيراليون بعد ذلك. كما استفادت منها المغرب بدرجة أو اخرى لطي صفحة الاحتقان الذي عاشت في ظله المملكة تحت حكم الملك الحسن الثاني، اذ شكلت لأجل ذلك لجنة «الإنصاف والمصالحة» (العام 2004)، وليس ذلك هو النموذج الوحيد، لأن للجزائر تجربة اخرى للم الشمل تمثلت في قانون «الوئام المدني» الذي تبناه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه وتم إصداره العام 1999.
(3)
ليس المراد بالتوافق أو الوئام مجرد تبديد المخاوف أو تطهير الجراح، لأن ما سبق يستهدف تمهيد الطريق الى المستقبل. وهو سؤال ألاحظ انه يتردد كثيرا على ألسنة من ألتقيهم من الباحثين والديبلوماسيين الاجانب بوجه أخص، الذين تشغلهم قضية مستقبل الاسلام السياسي. اذ عادة ما اقول إن مصير الناشطين في ذلك المجال أو مصير مختلف القوى السياسية مرهون بمستقبل الديموقراطية في مصر. فمكانهم محفوظ في ظل الديموقراطية، وجميعهم معرضون للقمع والحصار اذا ما تم تغييبها أو تزويرها. ومن المفارقات في هذا الصدد أن ثمة خطاباً في مصر أراح نفسه من السؤال، وقرر أن الاسلام السياسي انتهى أمره وطويت صفحته، ولم يعد له مكان لا في خرائط الحاضر أو المستقبل. وهي رؤية ساذجة ومبسطة، ليس فقط لأن الافكار لا تلغى بمرسوم أو حكم محكمة، لكنها قد تموت بفعل الوقت وبمضي الأزمنة.
اننا إذا نحِّينا جانباً الخطاب التعبوي والهرج الإعلامي والكيد السياسي، وحاولنا أن نتعامل مع ملف الإسلام السياسي بما يستحقه من جدية، فينبغي أن نبدأ بتحرير المصطلح وتفكيكه حتى ننطلق مما اتصوره فهماً صحيحاً له أعرضه على النحو التالي:
* إذ برغم أن المصطلح حديث لم نسمع به قبل نجاح الثورة الإسلامية في إيران (العام 1979) إلا انه يصف حالة أو حراكاً خرج من عباءة المجتمع المسلم، بمعنى انه ليس فكرة طارئة ولا مستوردة، وإنما هو نبت طبيعي افرزته تربة الواقع، وبالتالي فهو باق ما بقيت التربة وإن اختلفت تجلياته من بلد الى آخر ومن «طينة» الى اخرى.
] ليس صحيحاً أن الاسلام السياسي هو الممثل الشرعي الوحيد للمسلمين، ولا دعاته افضل المسلمين الذين تتعدد مذاهبهم ومشاربهم كما تختلف مواقفهم. الى جانب ذلك، فالإسلام السياسي ذاته ليس شيئاً واحداً، وإنما تتعدد منابره وكياناته، حتى إن مواقف بعض فئاته قد تتناقض مع مواقف البعض الآخر، وهو ما يتجلى بصورة أوضح في مناهج التغيير، وما اذا كان يتم بالعنف أو من خلال الأساليب السلمية والآلية الديموقراطية.
] إن «الإخوان» ليسوا هم الإسلام السياسي، ولكنهم فصيل كبير في محيطه، والتضامن معهم لا يعني بالضرورة أن مشروع «الإخوان» أصبح يمثل مرجعية لغيرهم، ولكنه بالكاد يعبِّر عن تحالف سياسي في ظرف تاريخي معين لا يلغي التمايزات والاختلافات حول المشروع، والخلط في الحالة المصرية بين التحالف السياسي والمرجعية الفكرية تسبب في ظلم حزبي «الوسط» و «البناء والتنمية»، ولكل منهما مشروعه المميز الذي هو في بعض جوانبه اكثر تقدماً من مشروع «الإخوان».
] بالقدر ذاته، فإني أزعم أن «الإخوان» أنفسهم لم يعودوا شـــــيئاً واحداً، فليس صحيحاً أن حلفاءهم في العالم الاســـــلامي يخضعون لتوجيه القـــــيادة في الــــقاهرة (تونس والجزائر والمغرب والسودان وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان نموذج لذلك). بــــــل إن الجماعة المصرية ذاتها ما عادت شيئاً واحداً، فالاخـــــتلاف بين الأجيـــــال قائم، ثم إن هنـــــاك تباينات بين «اخــــــوان» الخارج و «اخـــــوان» السجون، وبين الاثنـــــين وأولئـــــك الذين لا يزالون خـــــارج السجون ويعيشون في مصر.
إدراك هذه التمايزات مهم في الحديث عن التوافق، أما الاختزال والتبسيط الذي يضع الاسلام السياسي في سلة «الإخوان» ويضع كل «الإخوان» في سلة واحدة، ثم شطب الجميع ونفيهم من الحياة السياسية، فهو مغامرة لا تخلو من تغليظ وحماقة. ثم إنه دعوة للجميع لكي يلتحقوا بـ «داعش» وأخواتها، بعد أن تصبح خيارهم المتاح. وقبل كل ذلك وبعده، فهو ليس من الديـــــموقراطية في شيء، وعلينا أن نحدد قبل أن نمضي في أي اتجاه، ما اذا كنا مع الديموقراطية أم ضدها.
عن الشروق المصرية