
لا شك عندي ان الحياة السياسية,والقيادات السياسية لدى العرب من حملة الجنسية الاسرائيلية شهدت تحولا واضح المعالم في الاسابيع الاخيرة وذلك ضمن الاستعدادات للانتخابات المتوقعة في الاسبوع القادم للكنيست الاسرائيلية . بدأ التحول يوم عقدت “الجبهة” مؤتمرها لاختيار قائمة مرشحيها على القائمة العربية الموحدة التي فرضتها الكنيست الحالية يوم عدلت القانون ورفعت نسبة الحكم من 2% الى 3.25 % ( اي ان القائمة الحزبية المشاركة في الانتخابات تحتاج الى اكثر من 130 الف ناخب لتحصل على تمثيل الى اربعة مقاعد من 120 في البرلمان). لقد كان للقوائم “العربية” في الكنيست 11 عضوا ( بينهم يهودي واحد) وكان من جراء التعديل ( والمقصود به اصلا) حرمان العرب من التمثيل في الحياة البرلمانية. ولان هذا التعديل الذي جاء “بفضل” افيجدور ليبرمان يهدد كافة هذه القوائم بالسقوط وهنا اتفق العرب على مبدا “الوحدة” رغم الهوة العقائدية التي تفصل بين انصار الاسلام السياسي والماركسية, وبين الاممية العلمانية والقومية الراديكالية. ولكن الحاجة عملت عملها واثبتت انها ام الاختراع , ومن هنا بدلت عبارة الوحدة بالمشاركة, وتم تبني التجربة والاقدمية في ترتيب المرشحين لعضوية الكتلة البرلمانية – وكان نصيب مرشح “الجبهة” الجديد, المحامي ايمن عودة – رئاسة القائمة – وهذا في رأيي وتقديري اهم انجاز حققته القائمة حتى الان. المحامي عوده كسب اول المعارك التي خاضها في منصبه الجديد يوم اشترك في حوار مع سبعة مرشحين لقوائم يهودية كبيرة – استثني منها حزبا الليكود و “العمل” – اللذان دعيا الى جولة خاصة لهما.
استغل عوده مشاركته للكشف عن اسلوب حضاري مهذب يهدف الى اكتساب الخصوم بالمنطق, ورفض الغوغائية التقليدية التي سادت خطاب اليمين المتطرف- خصوصا من قبل بنيط ( البيت اليهودي) وليبرمان( اسرائيل بيتنا) وحاول مغازلة شاس ( اريه درعي) الذي حاول اثارة مشاعر اليهود الفقراء ممن هاجروا من الدول العربية فاقترح عليه ايمن عوده شراكة برلمانية بين ممثلي حزبي الفقراء والمهمشين من العرب ويهود البلاد العربية. واضطر درعي ان يقبل الاقتراح بشرط ان يكون ذلك ضمن تقليص نشاط الكتلة العربية في الامور الفلسطينية والعربية العامة – والتركيز اكثر على مشاكل الفقر والتهميش داخل اسرائيل.
وعلى الاثر هبت في الصحافة الاسرائيلية ( وفي الاوساط العربية) عاصفة من الارتياح لان جعجعة النواب العرب لم تنتج في السابق كثيرا من الطحين للناخبين العرب عامة او للفلسطينيين في اسرائيل ( ولا يشك احدا من اصحاب حق التصويت للكنيست من العرب بان اعضاء الكنيست العرب – وغالبية الناس- ستصوت لصالح الفلسطينيين يوم يكون لهذا التصويت ضرورة وفائدة. وفي الاوساط الصحافية الاسرائيلية الليبرالية حل ايمن عوده عقدة؟.
كيف فعل ذلك ؟ باختياره العبارات والمفردات اللطيفة المهذبة التي قصدت عدم اثارة المخاوف. مثلا : رده على موقفه من الخدمة المدنية جاء بالصيغة الايجابية . انه يطالب الدولة بالاعتراف بالمواطن العربي ومنحه المساواه والاعتراف بالنكبة التي حلت بشعبه. وحين اتهمه ليبرمان بانه يمثل الارهابيين وانه غير مرغوب فيه رد على ليبرمان بالمقولة الشهيرة التي تقول بان “التطرف الوطني هو اخر ملجأ للانذال” وذكر ليبرمان بأنه يمثل حزبا يسوده الفساد والفاسدين , وانه شخصيا ولد من جبل الكرمل وجبال الجليل بل نبت من تربتها في حين ان ليبرمان هو الغريب عن هذا الوطن وانه مهدد بعدم عبور نسبة الحسم اي انه غير مرغوب فيه !.
ولكن “القائمة المشتركة” لم تتبع مرشحها الاول. مرشحو القائمة الاسلامية اكتفوا بالجلوس في المقاعد الخلفية يتحدثون فيها لجمهورهم التقليدي في القرى والمدن العربية – ويحاولون ارضاء انصار ” الحزب الديموقراطي العربي” (الذي اسسه عضو الكنيست (عن حزب ” العمل” وانشق عنه في مطلع سنوات ال-1990) . هذا الحزب تحالف مع الحركة الاسلامية الجنوبية في الانتخابات السابقة ولكنه سيغيب عن الكنيست القادمة , ولن يكون له من يمثله). اخر اعضاء الحزب, طلب الصانع, حاول انشاء حزب جديد ولما فشل في تنظيم قائمة معقولة – الغى مشروعه هذا, خصوصا بعد نشوء حزب بدوي جديد يسعى الى خطاب سياسي” يطمح الى شق طريق جديد في التعامل مع الدولة”. واغلب الظن ان هذا الحزب ايضا سينسحب قبل يوم الاقتراع او انه سيضيّع عدة الاف من الاصوات فقط.
و”التجمع الوطني الديموقراطي” ( حزب الدكتور عزمي بشارة) “يحتفل” اليوم باول انتصار له على شركاءه في ” الجبهة”. ميرتس, الحزب الصهيوني الوحيد الذي يدعم علنيا انشاء دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس العربية, اقترح على “القائمة المشتركة” اتفاقية شراكة حول الاصوات الفائضة ( اي ان تتحول الاصوات الفائضة بين الكتلتين لصالح صاحب الفائض الاكبر).لكن جماعة “التجمع” اصروا على عدم التعاون مع ميرتس لان اتفاقية كهذه قد تبرر لكثيرين من العرب التصويت المباشر لميرتس. ولان ميرتس حلت مشكلتها بان وقعت اتفاقية فائض اصوات مع ” المعسكر الصهيوني” ( اي حزبي ” العمل” “والحركة”) ولم يبق للقائمة المشتركة من توقع معه !.
كما كسب التجمع” معركة اخرى. الانسه حنين الزعبي, عضوة الكنيست عن ” التجمع”, تحتل بجدارة قمة الاسماء المستفزة لليهود في اسرائيل لانها كانت ضيفة على ظهر السفينة التركية (مرمرة) التي اختطفتها البحرية الاسرائيلية وهي على طريقها الى غزة – اولا, وثانيا لانها اصرت على رفضها بوصف خاطفي( وقاتلي) الفتيان اليهود الثلاثة على طريق الخليل ( الذين اعتبر نتنياهو فعلتهم مبررا لاعمال القتل وتخريب قطاع غزة) بانهم ارهابيون . هذه السيدة بالذات اختيرت لاقناع طلاب عرب يدرسون القانون في كلية جامعية في مدينة رمات غان بتأييد ” القائمة المشتركة”. وهناك تم الاعتداء عليها من اوباش اليمين اليهودي وعلى مساعدتها-وحقق لها وللقائمة المشتركة بعض التعاطف من المجتمع الراقي في اسرائيل – ولكن مراجعة الاعلانات الانتخابية المنشورة في هارتس تكشف بان ميرتس تكسب يهودا – من المشاهير- الذين صوتوا لصالح حداش ( اي الجبهة) طيلة سنوات طوال : مثلا يوم الجمعة الماضي نشرت ميرتس اسماء انصارها ورأيت بينهم الدكتور يوسف الغازي, اشهر الناشطين اليهود العرب اعضاء الحزب الشيوعي – على قائمة ميرتس.
كما ان خصوم الوحدة العربية القدامى ممن ينادون بمقاطعة الانتخابات ما زالوا يصرون على ان التصويت للكنيست يتناقض مع معتقداتهم الدينية او الوطنية اوكليهما . وابرز هؤلاء : الحركة الاسلامية (الشمالية) والتي يرأسها الشيخ رائد صلاح, وحركة ” ابناء البلد” ( وهي اقرب ما تكون من ” الجبهة الشعبية). ومن الجدير بالذكر ان نسبة المصوتين العرب للكنيست قبل عامين لم تزد كثيرا عن 50% ولكن الادعاء بان التأييد لمواقف المقاطعين يصل الى هذه النسبة هو في الحقيقة نوع من اكل الجوز الفارغ لان غالبية المواطنين العرب في اسرائيل لايجدون مبررا للاهتمام بهذه الانتخابات لانهم لا يشعرون بتطور ظروفهم من جراء التصويت او عدمه ومن هنا فالإهمال مسؤول عن غياب نسبة عالية من الاصوات.