الرئيسية زوايا أقلام واراء منظمة التحرير وسر الأزمة والحل….بقلم: علي جرادات

منظمة التحرير وسر الأزمة والحل….بقلم: علي جرادات

تعيش منظمة التحرير الفلسطينية، مؤسسات وفصائل واتحادات وممثليات وسفارات وأداءً وسلوكاً سياسياً، أسوأ حالاتها منذ تسلمت فصائل الثورة المعاصرة المسلحة قيادتها . فبرنامجها الوطني، (المرحلي)، يتآكل، ومكوناته: العودة والدولة وتقرير المصير، يفتك بها الاختزال والمقايضة والمبادلة . وتمثيل المنظمة “الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات” يتلاقى على ضربه طرفا الانقسام المدمر، قيادة المنظمة التي تستخدمها، وقيادة “حماس” التي تحاربها من موقع البديل الموازي . واللجنة التنفيذية للمنظمة تتفرد بقرارات “المجلس المركزي”، ولا تلتزم بتنفيذها، في حال تعارضت ولو مع الحد الأدنى من تعاقد “أوسلو” السياسي . و”السلطة الفلسطينية” التي أنشأتها المنظمة، وفقاً ل”اتفاق أوسلو”، حلت محلها وسيطرت عليها، وصارت، (السلطة)، حتى باعتراف قيادتها ورئيسها “سلطة بلا سلطة”، و”سلطة تنفذ التزامات “أوسلو” من طرف واحد”، ذلك عدا انقسامها إلى “سلطتين”، إدارياً وجغرافياً وأمنياً و”تشريعياً” .
ورهانات قيادة المنظمة على إنهاء الاحتلال الذي وقع في العام 1967 عبر مفاوضات “مدريد – أوسلو”، ورغم تنازلاتها الكبيرة المجانية والمتسرعة، لم تسفر، بعد نحو 25 عاماً، سوى عن تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتكثيفه، ناهيك عن تحوله إلى “احتلال بلا كلفة”، حسب التعبير المتكرر لرئيس دائرة المفاوضات، الدكتور صائب عريقات . والاعتراف بوجود “إسرائيل” وأمنها الذي قدمته قيادة المنظمة لقاء الاعتراف بها ك”ممثل للفلسطينيين”، وليس بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، لم يعد كافياً، ويجب تطويره إلى مستوى الاعتراف ب”إسرائيل” “دولة للشعب اليهودي”، حسبما تطالب، بتأييد أمريكي، حكومات الكيان الصهيوني .
واقع منظمة التحرير الفلسطينية الذي يسر كل الأعداء، ويُحزن كل الأصدقاء، ليس نبتاً شيطانياً، بل نتيجة لخلل بنيوي متعدد الأسباب، ناظمها طريقة قيادتها في إدارة التناقض الأساس مع الكيان الصهيوني، والتناقضات الثانوية داخل الصف الوطني . وكي ننتقل من التوصيف إلى التشخيص، (نصف العلاج)، يجدر تأكيد أن عجز منظمة التحرير عن تحقيق ولو الحد الأدنى من برنامجها الوطني، بل وعجزها عن حمايته، يعود، أساساً، إلى قرارات سياسية إستراتيجية اتخذتها قيادتها بتفرد لم يراعِ الحد الأدنى من الاجماع الوطني في محطات مفصلية، لعل أهمها:
بقرارها المشاركة في “مؤتمر مدريد”، ،1991 خطت قيادة المنظمة أولى خطوتها نحو الانخراط الفعلي في مشروع التسوية الأمريكي، وأدخلت النضال الوطني الفلسطيني في مرحلة خطيرة، عنوانها الأساس فصل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي، وتسليم ملفها السياسي والدبلوماسي للولايات المتحدة . وبإبرامها “اتفاق أوسلو”، ،1993 أسقطت قيادة المنظمة مطلب وفدها بقيادة المرحوم الدكتور حيدر عبد الشافي بوقف سياسة الاستيطان والتهويد كشرط لاستمرار المفاوضات، وسمحت بتوسيع حدود وأوجه التحكم الأمريكي بالقضية الفلسطينية، حيث بات يشمل المجالين الأمني والاقتصادي بعد السياسي والدبلوماسي .
وبانتهاء السقف الزمني لتعاقد “أوسلو” في أيار 1999 من دون التوصل إلى “الاتفاق النهائي” الموعود، ناهيك عن ارتفاع وتيرة مصادرة الأرض واستيطانها وتهويدها وتقطيع أوصالها، اتضح أن الولايات المتحدة ليست في وارد الضغط على حليفها الثابت “إسرائيل” لإحراز ولو “تسوية متوازنة”، فما بالك بعادلة، للقضية الفلسطينية ما يعني أن تحكُّم الولايات المتحدة بملف القضية الفلسطينية أتاح لها أن تتعامل معها كمجرد معضلة أمنية ل”إسرائيل”، وتعمل على تفصيل حلها على مقاس الشروط الأمنية “الإسرائيلية” التي لا سقف لها . هنا، عوض أن تراجع قيادة المنظمة خيار التفاوض الثنائي برعاية أمريكية مراجعة سياسية جدية وشاملة، قررت التمديد الواقعي ل”أوسلو” كتعاقد سياسي والتزامات أمنية واقتصادية، وأضاعت فرصة واقعية للتنصل منه والتحلل من التزاماته بأقل كلفة ممكنة، ارتباطاً بأن العامل الوطني لم يكن على ما هو عليه الآن من وهنٍ وانقسام عمودي مدمر، وبأن العامل القومي لم يكن يواجه ما يواجهه الآن من تدمير وتجزئة لمصلحة إقامة “إمارات” التكفير والإرهاب، وبأن العامل الدولي لم يكن مجافياً كما هو الآن بفعل تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية لمصلحة “محاربة الإرهاب” . بإضاعة قيادة المنظمة لتلك الفرصة تشجعت حكومات الكيان الصهيوني على تصعيد هجومها السياسي والميداني لدرجة أن تجتاح الضفة بصورة شاملة، ،2002 وتفك الارتباط من طرف واحد مع قطاع غزة، ،2005 وتدمره بثلاث حروب، ،2009 ،2012 ،2014 وتعلق التفاوض مع المنظمة، ،2013 وتجمد تحويل مستحقات السلطة المالية 2014 .
رغم ذلك كله، ورغم تأكيد قيادة المنظمة الدائم على التمسك بخيار التفاوض الثنائي برعاية أمريكية، أحبطت إدارة أوباما عرض طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية على التصويت في مجلس الأمن، ،2011 وصوتت ضد قرار الجمعية العامة الاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو مراقب، ،2012 وحالت دون حصول مشروع القرار الفلسطيني-العربي لاعتراف مجلس الأمن بالدولة الفلسطينية على الأصوات اللازمة لعرضه على التصويت، رغم تعديله لدرجة إفراغه من مضمونه، 2014 .
لا عجب . فالولايات المتحدة وربيبتها “إسرائيل” مطمئنتان إلى أن قيادة المنظمة تتمسك بالتفاوض الثنائي برعاية أمريكية كإستراتيجية ثابتة، وإلى أنها لن تنفذ قرار “المجلس المركزي” وقف التنسيق الأمني، بل ستتعامل معه كتوصية وورقة ضغط ليس إلا . كيف لا وهي التي تعاملت بتردد وحذر مع تنفيذ خطواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية السابقة لتدويل القضية الفلسطينية؟ ما يعني أنها ليست في وارد التنصل من تعاقد “أوسلو” السياسي والتحلل من التزاماته الأمنية والاقتصادية، رغم أنه السبيل الوحيد الكفيل بإخراج القضية الفلسطينية من القبضة الأمريكية المعادية، وإخراج المنظمة من أزمتها البنيوية المستعصية، وتعزيز فرص إنهاء الانقسام الداخلي المدمر، وتقوية قدرة الشعب الفلسطيني على مجابهة السياسة الصهيونية الهجومية، كسياسة ترعاها الولايات المتحدة وتدعم شروطها المساوية للإقرار بما حققه المشروع الصهيوني حتى الآن من وقائع على الأرض، وتحقيق المزيد من أهدافه وأطماعه وأحلامه، كما صاغها مؤسسوه الأوائل .
عن الخليج الاماراتية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version