
الحياة الجديدة- بثينة حمدان- اشراف ومتابعة منتصر حمدان – ثلاثة آلاف دولار وصلت من المستوى الرسمي الفلسطيني دعمًا لإحدى قرى المقاومة الشعبية، فتشاجر أهلها ليحصل كل منهم ولو على “طرطوشة” بحجة تضرر نافذة هنا وباب هناك من الاحتلال، هذا ما رواه أهل البلدة وقيادات رسمية، وأخرى ميدانية في المقاومة الشعبية. وفي قرية أخرى كشف عايد مرار مؤسس لجان المقاومة الشعبية من بلدة بدرس، عن 50 ألف شيقل و30 ألف دولار دفعهم رئيس الوزراء السابق في زيارة واحدة لإحدى هذه القرى وقال: “قيل عن المبلغ قصص خيالية، فمن تلف له جهاز حاسوب، ادعى مالكها أنها ثلاثة طمعًا في التعويض…”.
هذه بعض القصص التي رافقت تنامي المقاومة الشعبية في الأراضي الفلسطينية التي باتت تحظى بدعم وإسناد المستوى السياسي الرسمي في قيادتي المنظمة والسلطة الوطنية على حد سواء، باعتبارها من الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها في مجابهة الاحتلال ومخططاته الاستيطانية والتهويدية، بالمقابل فإن قضية تمويل المقاومة الشعبية ستكون لها مخاطرها إذا ما تحول تمويل المقاومة الشعبية إلى نهج دائم خارج إطار الاحتياجات الاساسية المرتبطة بالدعم اللوجيستي، ما ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الانخراط الشعبي العام في فعاليات المقاومة الشعبية وقد يؤدي الى فقدان ثقة المواطنين بهذا النهج والقائمين على قيادته.
وتحذر قيادات ميدانية ناشطة في المقاومة وخبراء ومختصون في المجال الاقتصادي مما قد يجلبه التمويل للمقاومة الشعبية من سلبيات تؤدي الى نتائج عكسية أبرزها عزوف المواطنين عن المشاركة في الفعاليات والأنشطة ونشوب صراعات بين اللجان المتعددة طمعًا في المال على حساب قيم ومبادئ التطوع في تفعيل المقاومة الشعبية، في حين يؤكد قادة في العمل الأهلي أن المقاومة الشعبية قد تتعرض لتمويل مالي يهدف الى تخريبها وإخراجها عن سياق الاهداف التي نشأت لتحقيقها.
ويرى الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم وجود حاجة ملحة لتوفير التمويل المالي للمقاومة الشعبية عبر نفقات الحد الأدنى لضمان استدامتها وتوفير متطلبات العمل اللوجستية ومساعدة المتضررين منها وهذا امر مقبول.
ويقر عبد الكريم بوجود مخاطر حقيقية اذا ما تحول تمويل المقاومة الشعبية الى مصدر استرزاق للبعض وتحويله الى قطاع اعمال، ما ينعكس سلبًا على المقاومة الشعبية وتحويل المقاومة المفترض أن تكون جماهيرية وشعبية الى مسيرات وتظاهرات نخبوية تقتصر على المنتمين للأحزاب والفصائل ويغيب عنها المواطنون.
ويقول: “إن صرف التمويل خارج الاحتياجات الأساسية للمقاومة الشعبية يخلق مصدر قلق وشكوك واشاعة عدم الثقة بين المواطنين إضافة الى انه يصنف هدرًا للمال العام”، مشددًا على معارضته الكاملة لمحاولات ما يسمى “مأسسة المقاومة الشعبية” والسبب في ذلك وجود تناقض ما بين منطلقات العمل الشعبي المقاوم وما بين العمل المؤسساتي.
ويضيف: “لا يجوز صرف أية أموال أو تمويل للمقاومة الشعبية دون ضوابط لأوجه الصرف او في ظل غياب الرقابة وتحديد معايير الصرف ووضع أسس واضحة تتسم بالشفافية والنزاهة لضمان ثقة عامة المجتمع بنهج المقاومة الشعبية”.
ويتفق محرم البرغوثي الذي يعتبر من قادة العمل التطوعي في فلسطين، مع ما قاله عبد الكريم ويقول: “قد يتم استخدام المال لتخريب المقاومة الشعبية وعلينا ان نكون حذرين في هذا الامر، واعتقد ان هناك محاولات وقعت في فلسطين لتخريب المقاومة الشعبية من جهات خارجية”.
ويضيف: “قوة المقاومة الشعبية تتمثل في قيمة مبدأ التطوع والصدق والايمان بما يقوم به الشخص، واذا ما تحول الموضوع الى مشاريع تمويلية فإن “سوسة” التخريب ستنخر المقاومة وتزيد من حالة فقدان الثقة والتشكيك في نهج المقاومة الشعبية واهدافها.
ويرى صلاح الخواجا أحد القيادات الميدانية والناشطين في المقاومة الشعبية أن المقاومة الشعبية مثلها مثل أي شكل آخر من المقاومة بحاجة للدعم والإسناد السياسي والمالي بسبب وجود استحقاقات أساسية خاصة عندما يتعرض المشاركون الى مخاطر القتل والإصابة او الاعتقال والكفالات المالية أو تدمير الممتلكات، لكنه شدد في المقابل على اهمية وضع سياسة واضحة لطبيعة الاحتياجات والاستحقاقات التي يجب ان يكون متفقًا عليها من قبل اللجان والقيادات والمؤسسات الناشطة في المقاومة الشعبية.
ويضيف: “حينما يدخل أي تمويل خارجي أو مشروط على المقاومة الشعبية فإنها تصبح أداة لتحقيق أهداف اخرى وأجندات خارجة عن الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني ويحرف المقاومة سواء كانت مسلحة او شعبية عن الاهداف الاساسية”.
ويوالي: “إن دعم طرف على طرف آخر في المقاومة الشعبية يساهم في تفتيت الجهود ويؤدي إلى عزوف المواطنين عن المشاركة كما حدث قبل ثلاث سنوات، ويعزز المصالح الشخصية ويفكك العمل المشترك”، مشددًا على الحاجة لحوار عقلاني وتخطيط بجهود مشتركة لإنجاح فعاليات المقاومة الشعبية والانتقال بها من نموذج للاحتجاج الى نماذج للاشتباك مع الاحتلال.
ملايين الدولارات!
وكشف د. جمال زقوت مستشار رئيس الوزراء السابق لـ “الحياة الجديدة” أن الحكومة الفلسطينية التي قادها د. سلام فياض (2007) نفذت أكثر من ثلاثة آلاف مشروع بقيمة إجمالية جاوزت المليار دولار خلال خمس سنوات، ويضيف: “التفتت الحكومة للمقاومة الشعبية التي أعادت للقضية الفلسطينية عدالتها بطريقة سلمية مقبولة دوليًّا”.
وعن أول القرارات المالية أشار إلى تنفيذ 220 مشروعًا بقيمة 21 مليون دولار كتمديد الكهرباء وشبكات المياه وإضافة غرف صفية وعيادات طبية، أما المشروع الثاني فكان في الأغوار ومناطق البدو بتكلفة تزيد عن عشرين مليون دولار تضمنت بناء بركسات وتقديم صهاريج مياه منقولة وطاقة شمسية ومولدات كهربائية وتوفير باصات لنقل الطلاب وتأسيس عيادات بسيطة، أما المشروع الثالث وهو “حراس الأرض” والذي وضع على ميزانية 2011 ولم ينفذ بسبب الأزمة المالية هو مبالغ نقدية للعائلات التي تعاني ظروفًا صعبة جراء اجراءات الاحتلال.
وأكد زقوت أن الحكومة شجعت تأسيس لجنة جامعة بين قرى المقاومة الشعبية، فدعمت اللجنة التنسيقية بخمسين ألف شيقل دعمًا مباشرًا بشكل شبه شهري حسب الامكانيات، بعد تسجيل اللجنة كمؤسسة أهلية لأغراض فتح حساب بنكي وقال: “كنا حريصين على عدم تحويلها مؤسسة NGO –أهلية- وأن تكون وعاءً لتوفير الدعم اللوجستي وتوسيع فكرة المقاومة والتخطيط للفعاليات”. ونوه إلى نجاح الحكومة ضمن هذا التوجه بلفت الأنظار لمناطق (ج) التي كانت مهملة حكوميًّا وشعبيًّا وتم تنفيذ العديد من المشاريع فيها وتحويل مشاريع التنمية الدولية لهذه المناطق.
المقاومة اليوم
بدأت المقاومة الشعبية في فلسطين قبل النكبة بأشكال متعددة، ودخلت مرحلة جديدة مع بناء جدار الضم والفصل العنصري فانتفضت قرية مسحة في الشمال لكنه مر على بقية القرى والمدن دون مقاومة وكأنه أمر واقع، ثم انتفضت بدرس وتبعتها جيوس والزاوية وبلعين ونعلين وبديا ودير قديس، ونجحت هذه القرى بتعديل مسار الجدار بلا دعم مادي وبهالة إعلامية أقل، لكن بعض المقاومين يرى أنه بعد عام 2009 ورغم الدعم المالي والاعلامي لم تنجح قرية في إزاحة جدار أو مستوطنة.
وبعد اثني عشر عامًا على المقاومة الشعبية ورغم ملايين الدولارات من القطاعين الحكومي والأهلي أكد عبد الله أبو رحمة القائم بأعمال مدير دائرة المتابعة ودعم الصمود في هيئة الجدار والاستيطان والناشط من قرية بلعين وجود عشر قرى فقط في ميدان المقاومة الشعبية، في حين جزم عايد مرار أن المقاومة الحالية تتمثل في خمس قرى، هي برأيه لا تقاوم بل مجرد نماذج جيدة لا يجب اعتمادها نهجًا للتحرر الوطني، ويقول: “رغم إنفاق ملايين الدولارات، فإن السلطة بمكوناتها والتي لها تماس مباشر مع المقاومة مثل وزارة الأسرى وهيئة الجدار والاستيطان والمؤسسات الأهلية كاللجنة التنسيقية، والحملة الشعبية لمقاومة الجدار، ولجنة المتابعة وغيرها، كلها فشلت في استنهاض المقاومة”. وعن القرى المؤقتة مثل باب شمس اعتبرها مرار أن هدفها اعلامي وهذا وحده لا يعد نضالاً على أهميته، وتساءل عن معنى أن تقام قرية باب شمس لمدة 48 ساعة فقط بينما تصادر آلاف الدونمات.. أين المقاومة؟
وانتقد الناشط باسم التميمي من قرية النبي صالح الهيئة معتبرًا أن المؤسسة الرسمية أنشأتها للتجمل بالصورة شعبيًّا وأنه لا يوجد قرار جاد بالمقاومة، فيما أوضح جميل البرغوثي القائم بأعمال رئيس الهيئة أنها تشرف على عدة ملفات تتعلق بإصدار الدراسات والخرائط والتقارير الشهرية، عدا عن الملف القانوني والذي نجح في تجميد قرارات الإخلاء والهدم بل والفوز بالعديد من القضايا في سلفيت وبتير عدا عن مكافحة الشركات الوهمية التي تزور الأراضي بهدف مصادرتها. عدا عن دورها في دعم صمود المواطنين بتعويضهم ومحاولة توفير السكن لمن يفقد منزله بسبب الاحتلال، وتوفير المواد الاعلامية.
واستغربت محافظ رام الله والبيرة د. ليلى غنام حين شاركت في مؤتمر حول المقاومة الشعبية في إحدى القرى قلة الحضور وقالت: “لماذا فقد الناس الثقة بالمقاومة؟ هل هناك تخوف؟ نحن كمسؤولين يجب أن نقيسها بميزان الربح والخسارة فإصابة طفل في ظل عدم القدرة على علاجه بينما دورنا المحافظة على حياة الناس، فهل نرسل أولادنا للموت؟”.
صور من المقاومة
عبد الله ابو رحمة: كان نضال احدى القرى ، أقوى من بلعين لكن معظم أهل القرية يعملون في اسرائيل، فتمت مساومتهم على التصاريح، توقفت المقاومة بعد هذه المساومة، لماذا لم يدعمهم أحد؟
سهى: عادت من مسيرة الجمعة في قرية بلعين مندهشة من حجم الصمود والشجار والاحتكاك بجنود الاحتلال وتبادل الضرب والصراخ في وجوههم في جرأة لم تعهدها. ما زالت تتذكر التجربة التي لم تكررها، وتقول: “كأنني أفرغت شحنة غضبي على الاحتلال”.
اللواء سلطان أبو العينين: خلال مشاركتي في إحدى المسيرات تعرضت للاختناق لاستنشاقي الغاز، فاستغل الموقف أحد المسؤولين الذي كان يرتدي بدلة أنيقة وربطة عنق، متظاهرًا بمساعدتي لكنه كان يبتسم لعدسات الكاميرا.. وأنا أختنق!
هل المقاومة أسبوعية؟
انتقد الكثيرون مسيرة يوم الجمعة فهي غير كافية برأيهم، فيما اعتبر الناشطان محمد الخطيب وعبد الله أبو رحمة من بلعين أن المسيرة الأسبوعية هي ما يظهر للناس بينما هناك فعاليات عديدة خلال الأسبوع بعيدًا عن الاعلام. وأكد اللواء سلطان أبو العينين عضو اللجنة المركزية لحركة فتح أن: “المقاومة الحالية ليست الطموح الفلسطيني، ويجب أن تكون فعلاً واشتباكًا يوميًّا، وليس أسبوعيًّا ومجرد هبات”. وقال: “يحزنني أن المواجهات التي بدأت منذ استشهاد محمد أبو خضير في القدس كانت يومية حتى اللحظة بينما تغيب عن باقي الوطن إلا أحيانًا”.
وأبدت غنام تحفظاتها على الآلية التي تتم فيها المقاومة مؤكدة أنها ستستمر بالمشاركة رغم ذلك إعلاءً لصوت القضية وطالبت بدراسة أهداف المقاومة ونتائجها وكشف المستغلين لها.
اللجنة التنسيقية
وتنفي لما نزيه نائبة رئيس مجلس إدارة اللجنة التنسيقية تلقي اللجنة المكونة من قيادات ميدانية لها سمعتها في المقاومة الشعبية دعمًا ماديًّا حكوميًّا بعد انتهاء حكومة فياض والذي قالت إنه دعمهم كثيرًا، كما نفت تلقيهم أية مبالغ نقدية كأعضاء مجلس إدارة، وأكدت أن القرارت تتخذ عبر مجلس الإدارة، ومجلس سياسي مكون من 35 عضوًا من قيادات ميدانية من كل المناطق، مضيفة: “حين نعتقل كنشطاء في المقاومة الشعبية ندفع من جيوبنا كفالاتنا، رغم أن جزءًا من موازنتنا تكون لصرف الكفالات عن المقاومين” مضيفة أن اللجنة لديها مقر يعمل فيه موظفا لوجستيات وإعلام فقط”.
وأوضحت أن اللجنة تشكل مظلة للجان الشعبية في كل المناطق عبر تقديم الدعم اللوجستي للتظاهرات الأسبوعية وتوجيه المقاومة لعمل فعاليات شعبية عدا عن مشاريع لتعزيز الصمود مثل مشروع آبار المياه في جبال الخليل وهي منطقة احتكاك مع جيش الاحتلال، وتحمل تكاليف الجانب القانوني للدفاع عن نشطاء المقاومة.
وأضافت: “أن اللجنة حاولت تطوير المقاومة وتوسيعها من دائرة ردود الأفعال إلى صناعة الفعل مثل إغلاق شوارع وإغلاق سوبرماركت رامي ليفي وقرى مثل باب شمس وهي جهد جماعي من داخل اللجنة وخارجها ضد مخطط E1 الاستيطاني في القدس وقراها ونجحنا اعلاميًّا”.
وقالت نزيه: “لسنا منزهين لكننا متطوعون وغير مجبرين على المقاومة، ولدينا مشروعنا الوطني وليس المؤسسي، ونمتلك الإيمان للاستمرار والذي يكبر يومًا بعد يوم لأننا موجودون مع الصامدين على الأرض”.
فيما دافع باسم التميمي عن اللجنة قائلاً: “”كذبة التمويل كبيرة، وفلسفة اللجنة هي محاولة واجتهاد من مجموعة من النشطاء في القرى الفاعلة لتوحيد الجهد والنشاط، وتم ترخيصها لتوفير بعض الاحتياجات”.
تشويه المقاومة
ويؤكد عبد الله أبو رحمة أن عام 2009 شكل منعطفًا في تعامل الاحتلال مع المقاومة الشعبية حيث أطلقت المخابرات الاحتلالية أيديها في مناطق المقاومة ولعبت على وتر الإشاعات لتشويهها مثل رفع شعارات تحذر من أن المتضامنين الأجانب ينقلون مرض الإيدز إلى قرية بلعين وقال: “نقوم في بلعين بتدريب المتضامنين لمدة ثلاثة أيام على العادات والتقاليد وحتى الملابس المناسبة، ولم يسبق أن وجدنا مشروبًا محرمًا في القرية، ينام المتضامنون في بيوتنا ويحترمون عاداتنا”.
وأضاف أن الاسرائيليين جمعوا معلومات عن المتضامنين لمنعهم من الدخول وتم ذلك، وتتبعوا حتى مصادر تمويل المقاومة لا سيما اللجنة التنسيقية وأقنعوا الشركاء الأوروبيين بوقفه، وهذا يعني أننا مؤثرون”.
وتحدث أبو رحمة بألم عن التشويه الذي وصل حد وسم المقاومين بالتجار والمستثمرين ويقول: “قبل إنطلاقة المقاومة في بلعين كنت أستاذًا في الجامعة وفي مدرسة خاصة، وأملك متجرًا ومزرعة دواجن وسيارة دفع رباعي، وبسبب اعتقالي عدة مرات لم تستطع وظيفتي في القطاع الخاص تحمل فاتورة اعتقالي، وأغلقت مصالحي، وكي استمر في المقاومة ها أنا أعمل بعقد ودون تثبيت في هيئة الجدار، ومع ذلك هناك اتهامات ضدي لا أساس لها”.
غياب الاستراتيجية
ويطالب اللواء أبو العينين بأن تكون المقاومة الشعبية برؤيا واضحة وعلى مراحل تخضع للتقييم في كل مرحلة قبل الانتقال للمرحلة التالية، وأن تشمل كل الأساليب، فهي ثقافة شعبية يشارك بها الجميع.
وتؤكد المحامية لما نزيه أنه رغم كل الانتقادات الموجهة للمقاومة الشعبية واللجنة التنسيقية، “إلا أننا نعمل وفق استراتيجية نقوم بتطويرها حاليًّا لتحديد العلاقة مع كل الأطراف والتغلب على المشاكل، ومع ذلك لا يجب تحميلنا أكثر مما نحتمل فلكل فرد ومؤسسة وفصيل دوره ومسؤولياته في المقاومة الشعبية”.
تهميش المشاركة الشعبية!
ويعتبر عايد مرار أن أبرز عناصر إفشال المقاومة الشعبية تتمثل في غياب الوحدة الوطنية، وعدم إشراك كل فئات المجتمع، وعدم تعميم المعلومة في الميدان حيث يفاجأ الجمهور والقيادات الميدانية بعدم وجود خطة. مشيرًا إلى “ضعف إشراك المرأة بذريعة أن تحركها صعب في مجتمع محافظ وكأنه قدر، بينما استنهضت العديد من القرى التي نجحت في مهمتها همم النساء وبنسبة النصف مثل بدرس، المشكلة ليست في المرأة أو المجتمع بل في القيادة الميدانية”، كما يقول مرار.
سرقة الأضواء!
ويطالب اللواء أبو العينين بتجاوز المقاومة للمرحلة الإعلامية لأنها لا تستنزف العدو ولا تجعل المستوطن يفكر بالرحيل وهو ما يعني أن مقاومتنا خطأ، فيما تساءلت غنام قائلة: “ما الذي نريده من المقاومة الشعبية؟ يجب أن نفكر بأهدافها لئلا تتحول إلى تجارة سواء من مقاومين أو مسؤولين أو متضامنين أجانب فالهدف ليس صورة وخبرًا رغم أننا كمسؤولين نشارك في هذه الصورة”.
وتلوم لما نزيه الأحزاب التي تستطيع أن تحشد بشكل أكثر بكثير مما هو عليه الحال لكنها لا تفعل ولا يوجد استمرارية لدعمها. وتقول: “نحن كلجان شعبية موجودون على الأرض لكن للأسف هناك اشخاص مروا على المقاومة كمحطة ترانزيت فحصلوا على اسم مقاومين دون أن يساهموا فيها فعليًّا، وفي بوابة القدس مثلاً ورغم بقائنا 25 يومًا إلى أن أعلن الاسرائيليون المنطقة عسكرية مغلقة إلا أن الناس الذين كانوا يمرون من المكان كانوا يكتفون بإلقاء التحية والتشجيع دون أن يتكلفوا عناء الانضمام إلينا”.
ويعتبر باسم التميمي أن من سلبيات بعض النماذج ما يقوم به الإعلام بالتركيز على قيادات وإبرازها دورها، وهو ما أثر على تقليل المشاركة الشعبية وتراجع الانتماء، فالأحزاب تمارس استعراضًا والهدف مناكفة جزئية مع الاحتلال وليست جزءًا من المشروع التحرري الشمولي.
أين القيادة والأحزاب؟
وشددت غنام على أن المقاومة الشعبية لا تنتظر قرارًا من القيادة رغم أن الرئيس يذكرها كثيرًا، فالقرار موجود وتبقى الإرادة الشعبية للتنفيذ، في حين أقر أبو العينين أن حركة فتح يجب أن تكون رائدة في وضع استراتيجية للمقاومة فهي لديها الخبرة والتجارب الغنية، ومع ذلك فالمسؤولية تقع على الجميع. فيما اعتبر عايد مرار أن القائد الحقيقي هو القادر على إقناع الجماهير واستنهاض شعبه وقال: “القيادة لا توزع المال بل تصنع مشروعًا وطنيًّا”.
وتؤكد ماجدة المصري منسقة اللجنة الوطنية للحملة النسائية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية إجماع الأحزاب والمجلس المركزي على تبني خيار المقاومة الشعبية إلا أنه ما زال في الاطار نظريًّا وهناك ثغرة في التنفيذ، مشيرة إلى أن عدم وجود استراتيجية لدى الفصائل جعل هناك صورة كاريكاتورية بترحيل قيادات من موقع لآخر بدلاً من تبني المقاومة في معظم المواقع ضمن خطة محددة. وتقول: “الأساس أن يقاوم أهل القرية، ومشاركة القيادة ليس أساسًا”.
الدعم المالي
وفي رده على الدعم المالي للمقاومة الشعبية اعتبر سلطان أبو العينين أنه من المخجل توظيف المقاومة في مواقع لحسابات شخصية، فلا يجوز تطويب موقع نضالي بأموال الشعب وتهميش مواقع أخرى، يجب توفير الامكانيات للجميع.
وتؤكد ماجدة المصري: “دعمت حكومة فياض التي كنت جزءًا منها المقاومة الشعبية، وهناك مفهومان لمأسسة المقاومة الأول هو الاحتواء وهذا ما كنت ضده، أما المأسسة بمعنى تنظيم العمل وإشراك الجميع فهو النمط المطلوب لكن أن تتحول إلى مشروع هذا ما رفضته”.
ويشير عايد مرار إلى أنه وخلال تجربة بدرس طالبوا بتوفير خيام اعتصام للمقاومة وليس لهدف إعلامي دون أن يحصلوا عليها”.
فيما أشار باسم التميمي إلى خطورة تسمية المقاومة الشعبية باللاعنف والسلمية ما له أثر في تطويع المفهوم في اللاوعي الفلسطيني، وهو ما يقوم به الإعلام وبعض المؤسسات لضرب المفهوم الوطني، مطالبًا بتثبيت المقاومة بعيدًا عن هذه المرادفات، وألا تكون الأجندة مفتوحة للتدخلات الخارجية التي تطالب بمقاومة بلا حجر كونها تشير إلى عنف في بعض التعريفات الأوروبية”.
ويستعرض محمد الخطيب معادلة حسابية بسيطة مفترضًا أن بلعين نظمت أربع مسيرات شهريًّا على مدار عشر سنوات ما يعني 500 فعالية، وإذا قدرت تكلفة المسيرة بألف أو ألفي شيقل، يصبح المبلغ خمسة ملايين شيقل. وقال: “لم يدخل على اللجنة التنسيقية أو على بلعين هذا المبلغ على الإطلاق”.
صور مشرقة من المقاومة الشعبية
تجربة بدرس.. أمل التحرر
عايد مُرَّار (52 عامًا)، طالب في كلية الحقوق، متزوج ولديه 6 أبناء، تحدث لـ “الحياة الجديدة” عن بداية فكرة المقاومة في بدرس حين بدأ الجدار يسرق الأرض فقال: “وقتها كان يفصل القرية عن رام الله ثلاثة حواجز ما يزيد من صعوبة دعمها شعبيًّا واعلاميًّا، يقطنها 1600 نسمة، صادر الاحتلال 16 ألف دونم من أراضيها. وفي عام 2003 كان الاحتلال بنى 150 كم من الجدار وحين وصل القرية كان الأمر يعني مصادرة 1200 دونم مزروعة بأكثر من ثلاثة آلاف شجرة زيتون”.
كان عايد قبل وصول الجدار أسس أول لجنة شعبية طوعية لمقاومة الجدار في بدرس ولجنة أخرى أوسع للقرى المحيطة، تضم مواطنين ومجالس قروية وكل الأحزاب الفلسطينية موحدة استعدادًا للمواجهة التي لم يكن أحد يعي كيف ومتى ستبدأ، كما أشار عايد.
وفي تشرين الثاني 2003 وصلت ثلاث جرافات اسرائيلية إلى القرية، مدعمة بحراسة بسيطة من ثلاثة جنود اعتقادًا منهم أن الأمر سيمر كما مر على العديد من القرى المنهكة من انتفاضتين والواقعة تحت اجتياح ومنع التجوال وصمت المجتمع الدولي، وكانت اللحظة تنتظر من يقرع جرس الإنذار ليحرك أهالي القرية لمنع البناء. وقد فعلها عايد الذي صرخ مناديًا عبر سماعات االمسجد أهالي القرية.
طوق المتظاهرون الجرافات الاسرائيلية إلى أن قررت الانسحاب، وتكررت المحاولات الاسرائيلية يوميًّا، ونظم أهالي القرية دوام المدارس والموظفين، حسب التظاهرات التي كانت تتكرر في اليوم الواحد حسب ظهور الجرافات، وبعد شهر وصلت هذه التحركات أخيرًا إلى الاعلام عندما أصيب سبعة جنود احتلاليين وسبعون مواطنًا من القرية.
قال عايد: إن بدرس نجحت بتعديل مسار الجدار، وتمت مصادرة 75 دونمًا بدلاً من 1200، واستعدنا مئتي دونم من الأراضي المحتلة عام 1948. توقفت فعاليات بدرس بعد عام من انطلاقها في احتفال على أراضيها المحررة، وأصيبت بالعدوى القرى المجاورة.
تجربة بلعين.. الإبداع الشعبي
بعيداً عن اللغط الذي يتداوله البعض حول نضال بلعين، يقول محمد الخطيب: “في بلعين كان الهدف في البداية مقاومة الجدار، ثم شمل المستوطنة المحاذية والتي بدأت ببناء 3000 وحدة استيطانية، وكانت بدأت بشكل تدريجي منذ الثمانينيات ولم نشعر بها، إلى أن اقتربت الوحدات من منازلنا، وفي نهاية عام 2004 بدأوا بناء الجدار بناءً على مخططات المستوطنة، لذا وبعد عام من المقاومة تأكد لنا أن المستوطنة الأساس وليس الجدار، فقمنا ببناء كرفان تحول إلى منزل داخل المستوطنة، وهذا كان السبب في وقف بناء ألفي وحدة استيطانية، وتغير مسار الجدار”.
ويضيف الخطيب “بلعين استمرت في مسيراتها لأنها جزء من الوطن ولأن أراضيها لم تحرر جميعها، دفعنا ثمنًا غاليًا من دمائنا وسني عمرنا في الاعتقال، وكي نعمر الأرض كنا بحاجة لدعم، لأن ترك الأرض المحررة بلا استغلال يعني سهولة مصادرتها مرة أخرى، فوافق د. فياض ووافق الرئيس أيضًا لكن دون تنفيذ، وإثر زيارة لممثل عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والذي اقتنع بالفكرة ودعم البرنامج استصلاح الأراضي وتم مدها بالكهرباء والماء وبناء حديقة لأطفال”.
ويوالي: هذا التمويل لا يعني أن بلعين حصلت على تمويل خيالي مقارنة بالقرى الأخرى، منوهًا إلى النضال والجهد الجماعي لأهالي القرية في بناء المنطقة المحررة حيث تنبهت سلطات الاحتلال لما يتم وبدأت بالتنكيل ومصادرة حتى الجرافة بعد خمسة شهور من عملهم، وقال: “لم تدخل جرافة أو خلاطة باطون واحدة، وبنيت المنطقة بجهود أبناء القرية، وكانت أجمل لحظة حين رفعنا أعمدة الكهرباء التي لم تستطع الشركة رفعها لمنعها من ادخال أجهزتها، وأضيء المكان بإضاءة أقوى من المستوطنة القريبة”.
ويوضح الناشط عبد الله أبو رحمة أنه إضافة للجهد الميداني وصلت قضية بلعين للمحاكم الاسرائيلية وتم استقطاب الصحافة الاسرائيلية التي شكلت أوراق قوة في أيدي المحامين، ولم ينفذ القرار إلا بعد صدوره بأربع سنوات أي في عام 2009، بعد أن أنهوا بناء الجدار الجديد.
واعتبر أبو رحمة أن النقلة النوعية في مقاومة بلعين ليست بعدد المسيرات بل بنوعيتها، وقال: “حين وضع الاحتلال علامات على شجر الزيتون عرفنا أن الجدار سيمر منها، ورغم إغلاق المتاجر والوقت المتأخر، أحضرنا جنازير، وربطنا أجسادنا بالجنازير ملتصقين بالشجر، وتواصلنا مع وسائل الإعلام وكنا جاهزين في الخامسة صباحًا وفي بث فضائي مباشر، وكانت الصور مذهلة للعالم، هجموا علينا قطعوا الجنازير في هجوم وحشي على مشهد سلمي”.
وبين أن تجربة بلعين جعلت الجامعات الأجنبية ترسل طلبتها ليتعلموا كيفية توظيف الدراما في مقاومة الاحتلال، عدا عن النجاح في الوصول لكتاب الأعمدة محليًّا ودوليًّا واسرائيليًّا ما جعل القاضي الاسرائيلي يتروى في حكمه كي لا يثير الرأي العام.
وقال: “زرعنا ثقافة المقاومة الشعبية لدى أبناء القرية وخارجها، وأصبح من الصعب أن تمر أي دورية عسكرية مرور الكرام من البلدة، فهم يعلمون أننا سنستيقظ ونقاوم”.
احصاءات
59 موظفًا في هيئة الجدار والاستيطان
159 مستوطنة في الضفة
119 بؤرة استيطانية
93 موقعا عسكريا
16 منطقة صناعية
712 كم من الجدار اكتمل منه 456 كم و256 قيد الإنشاء
610 آلاف مستوطن
يعزل الجدار حال اكتماله 569 كم2
معزول حاليًّا بما فيها القدس 300 كم وفي حال اكتماله يعزل 270 كم2