لم يكن معروفاً عن المملكة العربية السعودية أو أي من الدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي عموماً، ميلها نحو تبني سياسات صدامية، سياسية كانت أم عسكرية، في مساعيها الى حل الأزمات. بل غالباً ما كانت هذه الدول تنحو باتجاه سبيل التفاوض والديبلوماسية الهادئة، ولكنها تجد نفسها الآن في الخط الأول للمواجهة في المنطقة، بعد عبور إيران خطوطاً حمراً عدة وتمدد نفوذها المغامر في الإقليم كي يصل الى مواقع غير مقبولة بالنسبة الى أمن هذه الدول واستقرارها.
وفي النهاية، ليس هناك أي هدف آخر غير زعزعة النظام الإقليمي، والخليجي تحديداً، نتيجة سياسة النفوذ الإيرانية التي عبّرت عن نفسها بوضوح عملياً، بالتزامن مع انطلاقة انتفاضات «الربيع العربي» في 2011.
وقد بدأ صوغ هذه السياسة بدايةً في العراق، خلال سنوات حكومة نوري المالكي المنتهية عام 2014، والتي فتحت الأبواب أمام دور إيراني مباشر، بإشراف رجل الأمن الأول الجنرال قاسم سليماني، وملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب القوات الأميركية من البلاد. وكان نفوذ إيران في هذه الأثناء، يؤسس جذوره بوضوح أكثر فأكثر بعد فقدان نظام الرئيس بشار الأسد سيطرته على ثلثي سورية على الأقل عام 2013، إذ وفرت طهران الغطاء لدخول بضعة آلاف مقاتل من ميليشيا «حزب الله» الأراضي السورية للحيلولة دون سقوط ذاك النظام، ومساعدة قواته في عملياتها ضد المعارضة السورية، وذلك قبل ظهور عصابات «داعش» في المشهد.
إلا أن تمدد النفوذ الإيراني ووصوله إلى اليمن وتشجيعه تجمّع الحوثيين على الاستئثار بالحكم، بعون مباشر من قوات من الجيش اليمني تابعة للرئيس السابق علي عبدالله صالح، كان المنعطف الحاسم الذي دفع السعودية ودول الخليج الأخرى إلى بدء تنفيذ عمليات «عاصفة الحزم». فالرسالة الموجهة إلى طهران من دول هذا التحالف واضحة: إما التوقف عن هذه السياسة الرعناء أو تحمل التبعات.
فالغارات التي تشنّها قوات التحالف بقيادة السعودية، ضد مراكز الحوثيين وبنى قواتهم التحتية في أنحاء متفرقة من اليمن، تشير من دون أي لبس إلى أن قدرة دول التحالف على ضبط النفس لها سقفها ولها ضوابطها أيضاً. فقوى التحالف كانت تمارس على مدى ستة أشهر على الأقل، سياسة التعقل وضبط النفس والتردد بشنّ عمليات عسكرية، حرصاً على سلام المنطقة واستقرارها. لذلك فإن تحالف تسع دول عربية بالإضافة إلى باكستان، لا يشكّل فحسب قوة لا يستهان بها للوقوف ضد التمدد الخطر لنفوذ إيران في منطقة مهزوزة أصلاً، بل يقدم لنا إجراءً غير مسبوق وعلى نطاق واسع منذ حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت عام 1991.
فهذا التحالف ما كان له أن يقوم لولا إحباط مساعي السعودية ودول الخليج الأخرى، في التوصل إلى حلّ ودّي يضمن الحقوق المحلية والوطنية لجميع الأطراف في اليمن، بما في ذلك تجمع الحوثيين باعتبارهم أقلية كبرى في التكوين المجتمعي للبلاد. وقد تبين بعد فترة وجيزة من سقوط صنعاء تحت سيطرة الحوثيين، والإطاحة بشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، عمق العلاقة بينهم وبين طهران على صعد مختلفة، تُوّجت بفتح خط للطيران «المدني» تسيِّر بموجبه الخطوط الجوية الإيرانية أربع رحلات أسبوعياً.
فعمليات قوات التحالف بدأت بعد فترة طويلة ومؤلمة من التريث والترقب، إذ اعتقد البعض أن هذه العمليات جاءت متأخرة بدلاً من ضرورة انطلاقها في إيلول (سبتمبر) أو على الأقل في كانون الثاني الماضي، إثر سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية بالكامل. وواضح أن القرار الخليجي تم اتخاذه «على مضض» بعد تكرار الحوثيين رفضهم محاولات التوسط للتوصل إلى حل سياسي توافقي.
فالرئيس هادي قدم عروضاً عدة إلى الحوثيين للمشاركة في حكومة توافق وطنية تدير شؤون البلاد، ولكن تم الرد بالرفض بتأييد صالح ودعمه، قبل إطاحة الرئيس هادي بمساعدة أتباع الأول في الجيش اليمني. فالحوثيون، أو تجمع «أنصار الله»، دفعوا البلاد نحو مزيد من التأزم منذ منتصف العام الفائت، ليس بدفعهم الرئيس هادي نحو الاستقالة قسراً في كانون الثاني فحسب، بل أيضاً باتجاه تبني مسودة دستور جديد، والسيطرة الكاملة على قوى الأمن، ووقف عملية التحول الديموقراطي، واضعين اليمنيين أمام خيار واحد ألا وهو القبول بهم وحدهم. كما أنهم اعتقلوا عدداً من النشطاء السياسيين والصحافيين والتحقيق معهم، بمن فيهم صاحبة جائزة نوبل توكل كرمان. وقد أدى هذا إلى انتشار حالة من الفوضى الشاملة في البلاد على مدى الأشهر الثمانية الماضية، وانقسام قوى الأمن والجيش بين الحوثيين وصالح ومنصور هادي.
والذي يزيد من قتامة المشهد في البلاد، هو انتشار تنظيم «القاعدة في الجزيرة العربية» الإرهابي في جنوب وشرق اليمن الذي يعادي، في آن، الحوثيين والرئيس هادي المدعوم في جنوب اليمن من جلّ القبائل ولجان المقاومة الشعبية. ويضاف إلى قتامة المشهد، تعقيدات أخرى مع ظهور تنظيم آخر في أواخر 2014 مرتبط بـ «داعش» يتنافس مع «القاعدة» على السيطرة، وقد قام بتنفيذ عمليات انتحارية في العاصمة في وقت سابق من آذار الماضي.
في هذه الأثناء، تمسّك الحوثيون بمطالبهم من خصومهم السياسيين: إما الانضمام إلينا أو التصفية، فاسْتَعْدوا بذلك جلّ القوى السياسية في البلاد، بما في ذلك قبائل الشمال والجنوب، بالإضافة إلى تهديدهم المباشر لمصالح الغرب والعرب على حد سواء. فمع تقدم ميليشيات الحوثيين من بوابات عاصمة الجنوب عدن، باتت إيران من خلال هذه الميليشيات تقف عند تخوم الأراضي السعودية، في وقت يبدو فيه الحوثيون وطهران وكأنهم ينفذون أجندة «القاعدة» و»داعش».
أمام حالة كهذه، وبعد أن قرر التحالف بمبادرة السعودية القيام بعملية «عاصفة الحزم»، فإن دوله المشاركة في «العاصفة» تقف عند لحظة حاسمة من تاريخها المعاصر للمرة الأولى منذ حرب الخليج في 1991، لحماية شواطئ العرب في الخليج وممراته الاستراتيجية من طموحات إيران الجامحة.