
في كل مرة يجري فيها الحديث عن المصالحة الفلسطينية، سرعان ما يتضح أنها مدفوعة بعوامل خارجية أكثر منها تلبية لحاجة فلسطينية، وعندما يتم حصرها بين حركتي «فتح» و«حماس» بمعزل عن الفصائل الأخرى ومكونات المجتمع الوطني، فإنها سرعان ما تفقد بريقها وتتحول إلى حالة عبثية في نظر الفلسطينيين، بسبب الخلافات والتناقضات والتراكمات الهائلة التي خلفتها التجارب المريرة السابقة في هذا المجال، والتي لم تحصد سوى الفشل تلو الفشل.
يعود الحديث عن المصالحة، هذه المرة، من بوابة التعديل الوزاري ومحاولة الاتفاق على إجراء انتخابات عامة، وهما مسألتان ترى السلطة أنهما أصبحتا ملحتين في ظل الضغوط الدولية المتزايدة والمتغيرات الإقليمية التي تعصف بالمنطقة.
وفي تكرار للسيناريوهات السابقة، كلفت السلطة مسؤول ملف المصالحة لديها بإجراء اتصالات مع «حماس» بهدف التوصل إلى اتفاق مبدئي، خلال مدة وجيزة، على تعديل حكومة رامي الحمدالله على قاعدة إضافة «وزراء مستقلين» من دون الحديث عن أسماء، ليصار بعد ذلك إلى تحديد موعد لإجراء الانتخابات التشريعية، وهو أمر من المرجح أن ترفضه «حماس». لكن من الواضح أن هذا التحرك الجديد من جانب السلطة، ليس بعيداً عن بصمات الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ولقاءاته مع قيادة السلطة في رام الله مؤخراً، ولا عن الضغوط الأوروبية والإقليمية التي تدفع بهذا الاتجاه وتبدي استعدادها للمساهمة في حل المشاكل العالقة، التي لا تزال تعرقل هذه العملية، ومن بينها قضية موظفي حكومة «حماس» السابقة وإدماجهم، ولو جزئيا، في مؤسسات السلطة، إلى جانب توفير الدعم اللازم لصرف رواتب الموظفين.
تترافق هذه الضغوط مع تسريبات متواترة عن تحركات سياسية مكثفة في المنطقة تدعمها تركيا حول إمكانية التوصل إلى هدنة طويلة الأمد في قطاع غزة بين «حماس» والكيان الصهيوني، باعتبار أن الظروف غير ملائمة، في الوقت الحاضر، لإحياء مفاوضات التسوية.
وهي إمكانية ستزداد تعقيدا بالتأكيد مع عودة اليمين الصهيوني المتطرف بقوة لإدارة دفة الحكم في الكيان، وتلاشي آمال المراهنين على إنعاش تلك المفاوضات، في وقت يسعى فيه عتاة اليمين الصهيوني إلى إغراق الأراضي المحتلة بمزيد من الاستيطان والمستوطنات والتهويد، ويعملون على مصادرة وتهجير ما تبقى من الفلسطينيين وأراضيهم.
في خضم كل هذه المتغيرات واستعداداً لمواجهة الاستحقاقات المقبلة، يتجدد الحديث عن مصالحة ضائعة ومفقودة، بمعزل عن حاجة الفلسطينيين لما هو أكثر من المصالحة والوحدة، أي حاجة الفلسطينيين إلى خريطة طريق في رحلة البحث عن أنفسهم وعن قضيتهم، وسط هذه التجاذبات الإقليمية والدولية، تبقيهم على خريطة الصراع.
وهذا لن يكون إلا بالعودة للمشروع الوطني الفلسطيني، والالتفاف حول برنامج وطني جامع، وفي القلب منه مقاومة الاحتلال، سبيلا وحيدا للخلاص وتحقيق أهدافهم في الحرية والاستقلال.
فهل ينجح الفلسطينيون، ولو مرة واحدة، في تجاوز خلافاتهم، والتخلي عن حساباتهم الفئوية الضيقة، وإثبات قدرتهم على التوصل إلى اتفاق، أم أن حديث المصالحة الجديد سيذهب أدراج الرياح، أسوة بما سبقه من أحاديث لم يعد يبالي بها أحد.؟
عن الخليج الاماراتية