الرئيسية الاخبار الجغرافيا السياسية للاتفاق النووي الإيراني

الجغرافيا السياسية للاتفاق النووي الإيراني

فهرس
فيما تقترب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاقية نووية تاريخية، ثمة نقاش مكثف يدور حول ما إذا كانت الصفقة تمثل رضوخاً واستسلاماً للمصالح الإيرانية في الشرق الأوسط، أم أنها فرصة لإضفاء الاستقرار على المنطقة. وإذا استفاد الولايات المتحدة وشركاؤها من دروس المفاوضات النووية السابقة مع إيران، وانتهجت استراتيجية منسقة بصرامة في المنطقة، فثمة احتمال لتحسن أوضاع منطقة الشرق الأوسط التي تمزقها الصراعات في الأعوام القليلة المقبلة. وسيشكل الاتفاق في حد ذاته نصف التحدي فقط. أما النصف الثاني فهو صياغة إطار عمل جيوسياسي بعد الصفقة، والذي يتمكن من احتواء الطموحات الإيرانية.
منذ وقت مبكر من العام 2009، انتهج الرئيس باراك أوباما استراتيجية الانخراط والضغط في التعامل مع إيران فيما يتعلق بالبرنامج النووي، عارضاً التفاوض على الدوام، بينما يمارس في الوقت نفسه ضغطاً اقتصاديا ودبلوماسياً متزايداً. لكن إيران رفضت الإذعان.
وفي الأثناء، فشلت هذه المقاربة في إحداث تغيير في السلوك الإيراني طالما ظلت القيادة الإيرانية معتقدة بأنه بينما تشكل العقوبات الدولية إزعاجاً، فإنها لم تشكل تهديداً حقيقياً. لكن ذلك الوضع تغير مع فرض عقوبات قاسية على الطاقة والقطاع المالي، والتي أفضت بدءاً من العام 2012 إلى إخراج نصف صادرات نفط إيران من السوق.
مع ازدياد الخطر على وجود الجمهورية الإسلامية، تم انتخاب الرجل الأكثر براغماتية، حسن روحاني، رئيساً للبلاد في العام 2013. وأعطى زعيم إيران الأعلى علي خامنئي -صانع القرار النهائي في طهران والرجل الذي يتشكك كثيراً في الغرب- لروحاني المجال للتفاوض على اتفاقية نووية يكون من شأنها أن تجلب رفعاً للعقوبات في مقابل وضع حدود على البرنامج، والتي ما كان خامنئي سيقبل بها قبل عامين.
عندما غير القائد الأعلى تفكيره، كانت هناك حاجة إلى قناة يمكن من خلالها إيصال هذا الموقف الجديد. وعنى مد إدارة أوباما يدها من العام 2009-2012 أنه في اللحظة الحاسمة -عندما أصبحت إيران منفتحة على التوصل إلى اتفاق- تستطيع الولايات المتحدة وإيران السعي إلى إجراء مباحثات سرية. وقد سهلت سلطنة عمان هذه المباحثات، وهي حليف أميركي كتوم ويعول عليه، والذي يتمتع رغم ذلك بعلاقات جيدة مع إيران. ومن دون جهد دبلوماسي قوي وضغط اقتصادي على حد سواء، لم تكن الاتفاقية النووية التاريخية التي توشك الولايات المتحدة وإيران على التوقيع عليها لتمر.
يجب على صناع السياسة الأميركيين أن يتعلموا من هذه الخبرة. ففي الوقت الراهن، يبدو موقف إيران في الشرق الأوسط أضعف في الحقيقة مما يعتقده الكثيرون. وتشعر القيادة في طهران بأنها في حالة صعود، حيث النفوذ المتزايد في سورية والعراق واليمن ولبنان. وهي لا تعتقد أن الولايات المتحدة جادة في تحدي القيادة الإيرانية في المنطقة. لكن إيران ليست في هذا الوضع الرائع في واقع الأمر. ففي سورية، تجد إيران نفسها مستهلكة إلى حد كبير في مستنقع يزداد كلفة باطراد من أجل نصرة بشار الأسد. وفي العراق، عملت استراتيجيتها المتمثلة في دعم حكومة شيعية طائفية بقيادة نوري المالكي على تهميش السنة، وفرّخت بالتالي صعود مجموعة الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وعلى نحو يخلق تهديداً خطيراً على حدود إيران. كما تبدو إيران على شفا ارتكاب تمدد إمبريالي مفرط في منطقة بلاد الشام. وفي اليمن، بولغ إعلامياً في تصوير حجم النفوذ الإيراني: ففي الحقيقة، لا أحد يمسك بزمام المسؤولية هناك.
مع ذلك، وتماماً كما في حالة البرنامج النووي، وإلى أن يدرك القائد الأعلى تكاليف هذه السياسة ويعيد الحسابات، فإنه سيكون من المستحيل الوصول إلى تفاهم إقليمي على شروط تكون مقبولة للولايات المتحدة وحلفاؤها.
بدأت المحاولات أصلاً لتغيير الحسابات الإيراني مع التدخل السعودي في اليمن، مع إشارة إلى أن الولايات المتحدة ستلعب أيضاً دوراً أكثر قوة -عندما أرسلت حاملة الطائرات “يو أس أس روزفيلت” إلى شواطئ عدن من أجل إجبار شحنة أسلحة إيرانية كانت متجهة لليمن على العودة على أعقابها. كما أن التراجعات العسكرية الأخيرة التي مني بها نظام الأسد لها أثرها أيضاً على الحسابات الإيرانية. وفي الحقيقة، تشكل الضربات الجوية السعودية في اليمن والضغط المتجدد على الأسد من جانب السعوديين وآخرين مسبقاً شكل التوافق ما بعد الاتفاق النووي في الشرق الأوسط؛ حيث يدرك حلفاء أميركا الإقليميون أن عليهم من الآن فصاعداً أن يفعلوا ما هو أكثر -وغالباً وحدهم- من أجل كبح جماح إيران.
لكن الولايات المتحدة تستطيع أيضاً فعل ما هو أكثر مع حلفائها الإقليميين للضغط على إيران. ويمكن أن تبدأ ذلك من خلال تطوير استراتيجية متماسكة لمواجهة نفوذ إيران، وهو ما سيبحث في وقت لاحق من هذا الشهر، عندما يجتمع الرئيس أوباما مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في كامب ديفيد. ويجب أن تشتمل بعض المكونات على تقاسم أكبر للمعلومات الاستخبارية، وسياسة بحرية أكثر حزماً لاعتراض شحنات الأسلحة الإيرانية، والقيام بالمزيد من المجازفات في تنفيذ عمليات سرية مشتركة مع الشركاء العرب، وتقديم التدريب لشركائنا العرب السنة بحيث يمكنهم مواجهة وكلاء إيران.
حتى في الوقت الذي تلمح فيه الولايات المتحدة للقيادة في إيران بأن نفوذ طهران قد وصل إلى حدوده القصوى، وبأنها تخاطر باحتمال وقوع مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، فإن واشنطن سوف تحتاج أيضاً إلى أن تكون منفتحة على احتمال تحول إيراني ممكن. وهناك مسبقاً بعض الأطراف في داخل النظام الإيراني مثل وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، والتي ترسل أمارات تنم عن رغبة في التوصل إلى اتفاقية متفاوض عليها حول مسائل إقليمية مع الولايات المتحدة وشركائها العرب السنة.
في أعقاب التوصل إلى اتفاقية نووية، يجب على الولايات المتحدة أن تكون منفتحة أمام التفاوض على قضايا إقليمية مع إيران بشكل ثنائي، في حين تقوم بخلق مجالات متعددة الأطراف مشابهة لعملية مجموعة (خمسة +1) التي كانت أساسية للمفاوضات النووية. ومن شأن هذه العملية أن تشتمل على اللاعبين الإقليميين وقوى من الخارج، والتي لها مصلحة في الاستثمار في تسوية سياسية في الشرق الأوسط.
مع الوقت، يمكن للاتفاقيات أن: تنهي الحرب في سورية، وأن تسهل إزاحة بشار الأسد عن السلطة، وأن تزيد من التعاون ضد “داعش”، وأن تتمخض عنها ترتيبات لتقاسم السلطة في العراق بحيث تتضمن استيعاب السنة والشيعة والأكراد، وأن تنهي النزاع في اليمن. وقد يبدو إخراج الأسد من السلطة وضمان أمن الطائفة العلوية شيئاً بعيد المنال، ولكن، ومهما كانت الصعاب، فإن ذلك يشكل ببساطة ظرفاً من المستحيل تحقيقه من دون التنسيق مع إيران. وبخلاف ذلك، سوف تتعمق الفوضى العارمة وحسب في سورية، وسيعتلي نظام جهادي سني متطرف سدة السلطة.
مع ذلك، ثمة شيء واحد شبه أكيد. إن الطريق الوحيد لجعل الاتفاق النووي يعمل في صالحنا يكمن في أن تمارس الولايات المتحدة وشركاؤها ضغطاً مكثفاً وانخراطاً مكثفاً أيضاً على حد سواء لوضع الشروط الخاصة بعلاقة جديدة مع إيران. وسيكون الشرق الأوسط في حالة صراع منخفض الوتيرة في المستقبل المنظور. وتجدر الإشارة إلى أن خطوط الانقسام المرسومة حالياً هي خطوط طائفية. ونحن نتمتع أصلاً بشراكات وثيقة مع الأنظمة السنية، ونحتاج أيضاً إلى أن نتحدث مع القوة الشيعية في المنطقة.

إيلان غولدنبيرغ وروبرت دي كابلان* – (ذا ناشيونال انترست
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
*إيلان غولدنبيرغ: مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد. وروبرت كابلان: هو زميل بحث رفيع في البرنامج نفسه.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The Geopolitics of the Iran Nuclear Deal
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
abdrahamanalhuseini@
Facebook TwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
› إقرا أيضاً

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version