
بير زيت، الضفة الغربية – في العام الماضي، كان طالب علوم الكمبيوتر محمد العاروري في سجن تابع للسلطة الفلسطينية؛ حيث يقول إنه أجبر على الوقوف على أطراف أصابعه ويداه مقيدتان وراء ظهره وقد غطي رأسه بكيس. ويتذكر قوله لسجانيه الذين استجوبوه حول نشاطاته كقائد لكتلة الوفاء التابعة لحماس في جامعة بيرزيت: “لقد تأسست السلطة الفلسطينية لحمايتنا، وليس لتضربنا”.
السيد العاروري، وهو ابن شقيق لقائد منفي من الجناح المسلح لحركة حماس، يقول إنه حاول إقناع سجانيه بأنهم يخوضون المعركة الخاطئة، ولكنهم لم يستجيبوا له. ويقول: “أشعر أن هؤلاء الناس ليسوا هم الذين سيحرروننا”.
الآن، يستمتع العاروري بانتصار كتلة الوفاء الإسلامية التي تمكنت في أواخر الشهر الماضي من هزيمة منافسيها من حركة فتح العلمانية في الانتخابات الطلابية في جامعة بير زيت للمرة الأولى منذ العام 2007. كما احتفل قادة حماس أيضاً بالفوز، وأقاموا حدثاً حاشداً في قطاع غزة ودعوا فوراً إلى إقامة انتخابات وطنية.
حدثت هذه المفاجأة الانتخابية في جامعة للنخبة قرب مدينة رام الله، مقر السلطة الفلسطينية. ولأنها كذلك، ينظر الكثيرون إلى الحدث باعتباره مؤشراً على السخط واسع النطاق من الرئيس محمود عباس -المعروف أيضاً باسم أبو مازن- وحركة فتح التي يتزعمها، والتي هيمنت على السلطة الفلسطينية منذ العام 2007.
تقول سميرة الحلايقة، ممثلة حركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله: “ما حدث في بيرزيت يجب أن يكون أولاً وقبل كل شيء درساً لفتح قبل أن يكون لحظة ابتهاج لحماس. إنه يظهر فشل أسلوب الشدة الذي يستخدمه أبو مازن وجماعته”.
القيادة تحت النار
بينما انتقد الفلسطينيون من جميع المشارب إسرائيل منذ فترة طويلة باعتبارها السبب في الكثير من مشاكلهم -وما يزالون يفعلون- فقد أصبحوا ينتقدون بشكل متزايد قادتهم ومؤسساتهم الخاصة.
عبر كل من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المطوق، يطالب الفلسطينيون بقيادة أقوى وبوضع حد لانقسام السلطة الفلسطينية بين فتح وحماس. فمنذ العام 2007، قوضت الانقسامات الداخلية قضيتهم الوطنية في الداخل والخارج. كما أضعفت موقفهم على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ووضعت إعادة إعمار غزة في وضع حرج، وتسببت في ضمور عضلات الديمقراطية للسلطة الفلسطينية. ولكن، وحتى مع الحديث عن هذه المطالب، فإن خيارات العثور على قيادة بديلة تبقى قليلة.
يقول السيد العاروري، مثل ثلثي الفلسطينيين، إن على السلطة الفلسطينية أن تنهي التنسيق الأمني مع إسرائيل. ويريد نحو 86 في المائة من الفلسطينيين من السلطة الفلسطينية دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى معاقبة إسرائيل على توسيعها المستوطنات، ويؤيد ما يقرب من النصف العودة إلى الانتفاضة المسلحة، وفقاً لاستطلاع للرأي نشر نتائجه في أواخر شهر آذار (مارس) المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية الذي يرأسه خليل الشقاقي.
عباس تجاوز فترة ولايته
بالإضافة إلى ذلك، يقول 49 في المائة من الفلسطينيين إن السلطة الفلسطينية “أصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني”. ويقول العاروري، ابن شقيق صالح العاروري، مؤسس وقائد كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس في الضفة الغربية: “من المفترض أن السلطة الفلسطينية تأسست لخدمة الشعب الفلسطيني. وإذا كانت السلطة الفلسطينية غير قادرة على القيام بهذا (الدور)، فإنها يجب أن تختفي”.
في الجانب الآخر، ورغم استفادتها من الإحباط الشعبي من حركة فتح، فإن حماس ممزقة بتوتراتها الداخلية الخاصة. وقد شهدت أيضاً هبوطاً في شعبيتها منذ حرب الصيف الماضي: في البداية، كان 79 في المائة من الفلسطينيين يرون أن حماس خرجت منتصرة من ذلك النزال. والآن، أصبح ما نسبته 60 في المائة فقط يعتقدون بانتصار حماس. وفي غزة، انخفضت نسبة الذين يتعنقون هذا الرأي إلى 51 في المائة فقط.
يتهم العديدون السيد عباس بالتأخير المتعمد لإعادة إعمار غزة من أجل الضغط على حماس لتقديم المزيد من التنازلات، بما في ذلك السماح للسلطة الفلسطينية بالسيطرة على الأمن في غزة.
إذا كان أي فلسطيني قد استفاد سياسياً من الانقسامات الداخلية في المعسكر الفلسطيني، فإنه السيد عباس الذي تجاوزت مدة ولايته الرئاسية قبل ست سنوات. والآن، وقد أصبح في الثمانين من العمر، فإنه يمثل الحرس القديم الذي يصبح غير مفضل على نحو متزايد، حتى في داخل حزبه نفسه، ولكنه مستقر بحزم في السلطة، فيما يعود جزئياً إلى عدم إقامة انتخابات رئاسية منذ العام 2005.
يقول هاني المصري، مدير مركز أبحاث “مسارات” المستقل في رام الله: “لقد أصبح أبو مازن، في (فترة) الانقسام، رجلاً قوياً جداً. وهذا أمر جيد بالنسبة له، ولكنه لا يحقق الأهداف الفلسطينية”.
قليل من الخيارات لقيادة فلسطينية جديدة
عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987، كان طلبة جامعة بيرزيت في طليعة الانتفاضة. ولكن، عندما تحول تركيز فتح من المقاومة الشعبية إلى إدارة السلطة الفلسطينية، أصبح القادة الشباب يناضلون من أجل العثور على دور.
يقول رياض هب الريح، طالب العلوم السياسية وقائد كتلة الشهيد ياسر عرفات التابعة لحركة فتح في جامعة بيرزيت: “إن رام الله راكدة. ماذا يمكننا أن نقدم؟ ليس لدينا شيء لنقوله”.
اليوم، لا يوجد قادة بارزون في حركة فتح تحت سن الخمسين، وهو الأمر الذي يلقي البعض بالمسؤولية في التسبب به على عباس. فخلال السنوات العشر التي قضاها رئيساً للسلطة، لم يقم عباس بتسمية نائب له أبداً، ويقول كثيرون إنه أحاط نفسه بالمطيعين، وأضعف أو علق عمل مؤسسات فتح، وهمش منافسيه، خصوصاً منافسه في فتح محمد دحلان.
يقول عضو سابق لحركة فتح في البرلمان الفلسطيني الذي تم تعليق عمله منذ العام 2007: “إن بير زيت هي صورة مصغرة عن الصورة الكبرى لفتح؛ حيث تم تهميش القادة الحقيقيين. إن أبو مازن يمارس الدكتاتورية داخل الحركة… لقد شل جميع مؤسسات حركة فتح… وبالتالي شل فروع هذه المؤسسات كافة”.
حماس منقسمة
لدى حماس العديد من القادة في سن الأربعينات، بما في ذلك قائد كتائب القسام محمد ضيف في غزة، وصالح العاروري في تركيا، الذي اتهم بتمويل خلايا لحماس وإعدادها لاختطاف إسرائيليين. وفي الصيف الماضي، قال السيد العاروري إن الجناح المسلح لحركة حماس كان وراء اختطاف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين في الضفة الغربية، وهو الحدث الذي تضخم في حرب الواحد وخمسين يوماً في قطاع غزة.
لكن حركة حماس منقسمة هي أيضاً، مع تزايد التوترات بين جناحها المسلح في غزة وبين القيادة السياسية. ووفقاً لتقرير صدر في 29 نيسان (أبريل)، فقد تم إعداد كتائب القسام خلال الأسبوع الأول من الحرب على غزة في الصيف الماضي لإطلاق هجوم ضخم لم يسبق له مثيل من خلال الأنفاق عبر الحدود لقتل مدنيين إسرائيليين، وأخذ رهائن إلى غزة، والاستفادة منهم للإفراج عن سجناء حماس الذين تحتجزهم إسرائيل.
لكنه يقال إن رئيس المكتب السياسي خالد مشعل الذي يعيش في المنفى في قطر، خاف من التداعيات الإسرائيلية وأوقف تلك الخطة في اللحظة الأخيرة. وقال السيد مشعل أيضاً إن حماس على استعداد للموافقة على حل الدولتين، ولكن السيد ضيف -الذي نجا من أربع محاولات اغتيال إسرائيلية على الأقل، ويمتلك من المصداقية في الشارع أكثر مما يمتلك السيد مشعل- يسعى إلى انتهاج سياسة أكثر عدوانية تجاه إسرائيل.
لا يوجد سوى عدد قليل من الرجال الذين ينظر إليهم على أنهم خلفاء محتملون للرئيس الفلسطيني. ووجدت الدراسة التي نشرها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في آذار (مارس) أن القيادي في حركة حماس في غزة، إسماعيل هنية، سيخسر أمام عباس بنقطة مئوية واحدة فقط في انتخابات تجرى في اتجاهين، لكن من غير المرجح أن تسمح له إسرائيل بأن يذهب إلى الضفة الغربية أبداً.
ومن جهته، يحظى مروان البرغوثي، الذي لقي ترحيباً كبيراً من البعض الذين اعتبروه مانديلا الفلسطيني، بدعم واسع النطاق. وتظهر استطلاعات مركز السيد الشقاقي أنه سيتفوق على كل من السيد عباس والسيد هنية في انتخابات رئاسية. لكنه يقبع الآن في سجن إسرائيلي؛ حيث يقضي خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة على أساس مشاركته في الانتفاضة الثانية كرئيس لـ”التنظيم”، وهو فرع مسلح من حركة فتح.
توصيات للخطوات المقبلة
يرى العديد من المراقبين أن السيد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة، يستعد للعودة من المنفى في أبو ظبي، واستثمار علاقاته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقادة دولة الإمارات العربية المتحدة، وحتى حماس لتعزيز موقفه. كما أن لديه أيضاً تأييدا قويا بين كوادر حركة فتح في قطاع غزة، وكذلك في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية.
يقول الدكتور المصري من مركز “مسارات” إنه أياً يكن من يجلس في كرسي الرئيس، فإن هناك عدداً من الخطوات التي يمكن اتخاذها لتعزيز القضية الفلسطينية:
• تنفيذ المصالحة بين حركتي فتح وحماس، والاتفاق على نهج مشترك للمفاوضات، والمقاومة، والتعامل مع اعتقالات إسرائيل لمسؤولين منتخبين.
• عقد انتخابات فلسطينية وطنية، برلمانية ورئاسية.
• إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتضم حماس والجهاد الإسلامي، والعمل على إشراك أفضل للشعب الفلسطيني.
• التحول من الاعتماد الحصري على الدبلوماسية الأميركية وحدها تقريباً إلى استراتيجية أوسع نطاقاً، والتي تشرك القادة العرب، فضلاً عن 12 مليون فلسطيني يعيشون في الخارج.
• استخدام المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، لكسب المزيد من القوة لحقوق الشعب الفلسطيني.
يقول السيد المصري: “اتخذ أبو مازن خطوة كبيرة ومهمة (من خلال الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية)، لكنه يخشى من النتائج. إنها ليست نزهة، إنه صراع”.
دعم منخفض للمفاوضات
مع ذلك، ما يزال الفلسطينيون يلقون باللوم على الخطاب والسياسات الإسرائيلية في التسبب ببعض إخفاقات قادتهم، لا سيما في منطقة السياسة. وبعد الانتفاضة الثانية ووفاة الزعيم الرمز ياسر عرفات، راهن عباس بمستقبله -ومستقبل حزبه- على المفاوضات مع إسرائيل. وبعد انقضاء عقد من ذلك، لا يوجد لديه اتفاق سلام. وفي الوقت نفسه، نما عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بنسبة بلغت نحو 50 في المائة، مما حد أكثر من آفاق التفاوض من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
يقول غسان الخطيب، المتحدث السابق باسم السلطة الفلسطينية، والذي يشغل الآن منصب نائب الرئيس ويحاضر في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بير زيت: “فتح ككل لم تعد مقنعة كما كانت في السابق، سواء بالنسبة للطلاب أو المواطنين بشكل عام. لقد راهنت فتح على عملية السلام التي فشلت في تحقيق شيء للأسف، بسبب المواقف والممارسات الاسرائيلية”.
في كامل الضفة الغربية وقطاع غزة، هناك ما نسبته 51 في المائة فقط ممن يؤيدون حل الدولتين، ولكن أقل من الثلث يعتقدون أن المفاوضات هي أفضل طريقة للحصول على دولة فلسطينية، وفقاً لدراسة المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.
الكثيرون يلقون باللوم على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التسبب بإضعاف المعتدلين الفلسطينيين، وكان آخر ذلك إعلانه عشية الانتخابات الإسرائيلية التي أجريت في آذار (مارس) أنها لن تنشأ أي دولة فلسطينية في عهده. وبينما فسر نتنياهو ذلك في وقت لاحق باعتبار أنه بيان حقيقة -أن الظروف ليست مهيأة بعد لمثل هذا التطور- فقد اعتبر معظم الفلسطينيين ذلك دليلاً على كونه يعارض حل الدولتين.
في حديث له للصحافة الأجنبية في القدس بعد انتخابات جامعة بير زيت الأخيرة، قال كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات: “أتمنى من الله أن يدرس بعضكم تأثير ذلك (بيان نتنياهو) على تفكير الشباب الفلسطيني. إننا لن نخسر بير زيت فقط، وإنما نحن في طريقنا إلى خسران أشياء كثيرة”.
الغد الاردنية
كريستا كيس برانيت – (كرستيان سينس مونيتور)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:Abbas is old, Hamas divided: Who will lead Palestinians?
ala.zeineh@alghad