الرئيسية زوايا أقلام واراء قصة الفقير السابق واعتراف الفاتيكان ….بقلم: د.أحمد جميل عزم

قصة الفقير السابق واعتراف الفاتيكان ….بقلم: د.أحمد جميل عزم

00056644317806117037622748074432
قال لي صديق إنّه بعد أن سافر للعمل خارج بلاده بعقد عمل مُغرٍ، يعادل فيه راتبه الشهري دخل عائلته كاملا سنوياً، صار يذهب إلى البنك عند إيداع عمله الراتب ويسحبه كاملا، ويغلق باب غرفته عليه، وينثر المال على السرير وينظر إليه، ويكرر ذلك خلال يومين أو ثلاثة، ثم يعيده إلى البنك. وتكرر الأمر أشهراً، قبل أن يعتاد الوضع الجديد. لكن بعد سنوات، أصبح يقول إنّ الزيادة المطردة في حسابه في البنك صارت لا تعني له سوى تغير الرقم، وأمسى هاجسه كيف يمكن لهذا الرقم أن يغير حياته حقاً، بعيدا عن بعض التغيرات في الشكل والملابس.
مع الأنباء السارة بالنجاح في حصول فلسطين على اعتراف الفاتيكان بها دولة، واستخدام الفاتيكان لتعبير “دولة فلسطين” في الإشارة للمفاوضات معها حول وضع الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين، ومع كل ما للفاتيكان من أهمية حضارية وفكرية عالمياً، تتعلق بتشكيل موقف قطاع واسع جدا ومهم من الرأي العام الدولي إزاء قضايا مختلفة، خصوصاً ما يتعلق بالتاريخ والدين، وبالتالي هناك موقف الفاتيكان وأهميته في دحض جزء من دعاوى الحق الديني والتاريخي للصهيونية؛ مع كل هذا، فإن قصّة الزميل أعلاه ألحت عليّ، لتثير سؤالا: ماذا بعد الاعتراف؟ وكيف يتم تحويله وغيره من الاعترافات، إلى إنجاز ملموس على صعيد إنهاء الاحتلال؟
لا شك في أنّ الدبلوماسية الفلسطينية تستحق أن تهنئ نفسها، كما الشعب الفلسطيني، بكل خطوات الاعتراف المتزايدة، والتي كان آخرها من الفاتيكان، عاصمة المسيحيين الكاثوليك الروحية. كما من حق الفلسطينيين أن يتفاءلوا ببوادر تزايد عمليات المقاطعة الأكاديمية والثقافية للإسرائيليين، وكذلك المقاطعات الاقتصادية الجزئية. لكن السؤال المُشتَق من قصة الصديق أعلاه، أنّ هذه الاعترافات التي تشكل فارقاً نوعيّاً ثميناً، يجب أن تُستثمر وتوظف بطريقة مختلفة، وإلا أصبحت مجرد وثائق تاريخية لا تؤدي أثرا نوعيا في حياة الفلسطينيين في الشتات والوطن، وأثرا نوعيا خاصا بزوال الاحتلال، وانحسار العدوان الإسرائيلي.
الحديث، إذن، عن تغيير في حياة الفلسطينيين، وفي مواجهة الاحتلال. وبما أنّ الأثر النوعي الحقيقي في حياة الفلسطينيين سيكون بالدرجة الأولى بانحسار الاحتلال، فإنّ السؤال هو: كيف يمكن أن يمارس المجتمع الدولي وظيفته في فرض الأمن الجماعي؛ أي تحرك المجتمع الدولي لمنع المعتدي من مواصلة عدوانه؟
أقصى ما يُطرح الآن، هو مقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية. ويحضّر الفلسطينيون للذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية. وما يزال حتى الموقف الفلسطيني الرسمي عدم القول بمقاطعة شاملة لإسرائيل، والحديث عن مقاطعة السلع.
وربما للقيادة الفلسطينية حساباتها في هذا الشأن؛ سواء فيما يتعلق بالاتفاقيات الموقعة، أو لتجنب إعطاء مبررات للجانب الإسرائيلي لادعاء دعاوى معينة حول جدية الفلسطينيين في المسار السياسي التفاوضي، أو لأنّ الإسرائيليين بيدهم أوراق ضغط على الفلسطينيين، ومنها الضغط الأميركي.
ستصبح الأسئلة المطروحة الآن من نوع: هل يمكن لأطراف دولية أن تبادر إلى خطوات تتضمن ما يمكن أن يضغط على الإسرائيليين حقاً؛ أي أن لا يكون المبادرون بالضرورة هم الفلسطينيون، ولكنهم عامل إنضاج؟ ومن ذلك المقاطعة، ومنع دول دخول المستوطنين إليها، وتأمين شبكات أمان للفلسطينيين أمام إجراءات الإسرائيليين المالية والاقتصادية. هذا فضلا عن المساعدة في تطوير خطة عمل شاملة تتضمن الفلسطينيين في الشتات ودعم صمودهم، وليس فقط الفلسطينيون في داخل فلسطين.
وكما نضجت وأُنضِجَت الظروف للاعترافات الدولية بفلسطين، يمكن أن تنضج لقبول فكرة المقاطعة على نحو واسع، ولدعم المقاومة الشعبية الفلسطينية على نحو حقيقي.
المفتاح لكل هذا هو تجديد منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا التجديد ليس حكراً وحصراً من خلال اتفاق الفصائل؛ فالشعب الفلسطيني يمتلك الكثير من الطاقات الموزعة حول العالم. وإذا ما أُحييت المنظمة ونظمت لها هيئات شعبية في دول مختلفة، بعيداً عن الاستقطاب الفصائلي، فإنه يمكن تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى حراك شعبي أكثر تفاعلاً مع الحكومات والهيئات البرلمانية المحلية في الدول المختلفة، بما يساعد في تحويل الاعترافات الأخيرة إلى إجراءات مؤثرة حقاً.
عن الغد الاردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version