الرئيسية زوايا أقلام واراء التطرف .. ونظرية القوة المطلقة..بقلم:خالد الحروب

التطرف .. ونظرية القوة المطلقة..بقلم:خالد الحروب

فهرس
القوة المطلقة توأم السلطة المطلقة، كلاهما مفسد وكلاهما مغرٍ بالبطش حتى لو كان مالك اي منهما صاحب عقل وتدبير. إغواء القوة هو العميل السري الذي جرجر البشرية الى جولات لا نهائية من الصراعات والحروب والدماء منذ ان بطش قابيل بأخيه. قوى وممالك وحضارات طواها التاريخ لأن القوة افلتت من سيطرة العقل الذي ظن انه يسوسها ويقودها. اذا اختلت العلاقة الشديدة الدقة والحساسية بين الإثنين لمصلحة القوة حلّ الدمار. هكذا هو حال القوة المُقادة بالعقل، فكيف هو حالها وهي تتطوح في كل الاتجاهات بلا عقل يخضعها ومن دون رشاد يدجن جموحها؟
القوة التي تفتقد الى عقل مفكر يسيطر عليها ويقودها تصبح قائدة ذاتها، وتتحول الى كائن يتصف بثلاث صفات: أعمى، وأهوج، وممسوس بالجنون. لنتخيل حركة وطاقة هذا الكائن صاحب هذه السمات وما هي النتائج التي تخلفها حركته الهوجاء على الارض وفي المحيط الذي يجاوره؟ انه يتفجر طاقة، يراكمها بلا انقطاع ولا يعرف كيف يصرفها، ولا يدري بطبيعة الحال كيف يحولها الى قوة بناء. لهذا، نراه يركض ويجري على الدوام من دون توقف، يترنح يميناً ويساراً ويدوس على كل ما يأتي في طريقه غير عابئ بـ «المُداس» وما إن كان صديقاً ام عدواً.
في الحقيقة لا يهتم هو اصلاً بإيجاد دوائر اصدقاء او محايدين. احد جوانب العبقرية الغبية في ممارسته اليومية تكمن اساساً في تكثير الاعداء ومضاعفة اعدادهم وكأن هذا ما يعتاش عليه. هو يورط كل السذّج الذين يظنون أن بإمكانهم الاستفادة من طاقته الرعناء وتوظيفها ولو من بعد. انعطافاته الحادة ومفاجآته المدهشة التي لا ينطبق عليها منطق او عقل او تنبؤ، تهزأ بأي طرف يتورط في الرهان عليه. لكن في الوقت نفسه لا يكف عن الحركة في كل الاتجاهات من دون هدف؟
«داعش» اليوم هو احدث طبعة من الفصيلة التي إن حلت في منطقة ما جلبت عليها الوباء والدمار والدماء. أول من تدوسه هم من تزعم او تظن أنها تدافع عنهم. مثلاً، البلاء الذي يجلبه «داعش» اليوم لكل المناطق السنية وللسنّة الذين تزعم انها تريد ان تحميهم وتقيم «خلافة» على رأسهم ليس مسبوقاً. ينطلق عناصرها مُقادين بالغباء ليس إلا، فيحتلون هذه المحافظة السنية او تلك في العراق او غيره، فيستفزون الحكومة (التي يعادونها لأنها طائفية ويتهمونها بالعداء للسنّة) فيدفعونها للتحرك بسرعة كي تثبت انها ذات السيادة على كل المحافظات، فتسيطر هي وميليشياتها على مناطق السنّة التي حررها داعش …(ممّن)؟ بسبب العماء المطبق لا يبصرون من هو الصديق ومن هو العدو: كل الذين يحيطون به اعداء له، وهو لا يملك وسيلة للتعامل معهم سوى البطش الدموي وجلب الموت لهم.
القرن العشرون وحده يحفل بقائمة مذهلة تضم عشرات غير هتلر وستالين وبول بوت وعيدي امين وهيلا سيلاسي وموبوتو سيسيكو.
«داعش» يخلف تنظيم «القاعدة» الذي اندرج في نفس المسار والنظرية، وخبط في كل الاتجاهات وتسبب في حروب افغانستان والعراق. التنظيمات «الداعشية» و «القاعدية» تهيج اليوم بتفاهة بالغة وتنشر الارهاب البشع باسم الدين، وهي تدمره وتدمر صورته وتدمر اتباعه وتحاصرهم بالعنصريات وردود الفعل في كل مكان. في هذه الايام الدامية وحدها قتل «الداعشيون» ابرياء ومدنيين في مساجد يصلي فيها مسلمون في السعودية والكويت، وقتلوا ابرياء في العراق وفي ليبيا وتونس ونيجيريا، وهددوا مسيحيي القدس كي يغادروها (ولم يهددوا اسرائيل التي تحتلها!).
هناك مسوغات كثيرة يسوقها داعش ولا يزال لتبرير هيجانه وولوغه في الدم البريء، الوحيد منها الذي يستحق النقاش والتوقف عنده، رغم انه أقلها استخداماً من قبله، هو التدخل الغربي المستمر في المنطقة وما يتسبب عنه. ظلت المقاومات الشعبية التي انتجتها الشعوب بسبب عدالة قضاياها مرتبطة بجوهر العدالة نفسها، ولم توجه مقاومتها الى ما من شأنه الانتقاص من تلك العدالة. لم تستهدف السياح المدنيين الغربيين ولا الافارقة الذين صاروا هدفاً غريباً لداعش.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version