
اظهرت دراسات متفرقة عن التجارب الحزبية في العالم العربي، لكن معظمها تولاه الحزبيون أنفسهم، ولم تكن هناك مسافة كافية ليروا المشهد كما هو، أو يرصدوه ولو بالحد الأدنى من الموضوعية.
باستثناء تجارب قليلة قدّمها منشقون أو مستقيلون من أحزابهم، وهي أيضاً تفتقر إلى الموضوعية لأنها إما أن تستغرق في تبرئة الذات وإما تعيد إنتاج التجربة برمتها.
ومن أطرف ما كتب عن انتساب الأفراد إلى أحزاب ما كتبه الشاعر الراحل محمد الماغوط، حين قال إنه ذات يوم شتائي بارد ساقته الصدفة إلى مقر أحد الأحزاب في دمشق، فوجد داخل مقر الحزب مدفأة، وحين استشعر الدفء قرر الانتماء إلى الحزب، وبقدر أو بآخر من تأويل هذه الحكاية في ما يخص آخرين، فقد تكون هناك أسباب أخرى غير المدفأة جذبتهم إلى هذا الحزب أو ذاك. ومنهم من كان الانتساب إلى حزب طريقه الوحيد للحصول على بعثة دراسية، لكن ما أن تحولت بعض الأحزاب التي عاشت زمناً في المعارضة إلى أحزاب حاكمة حتى هرع الكثيرون إليها بين باحث عن وظيفة، أو باحث عن الأمان أو طامح إلى موقع.
لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك أبرياء حالمون اجتذبتهم شعارات معينة.
إن تجربة الأحزاب السياسية في العالم العربي تعج بما هو نادر وطريف، لكن التفاصيل تبقى طيّ الكتمان إلا لمن قرر إعلان العصيان، خصوصاً من المثقفين الذين قال جان بول سارتر إن الأحزاب تختنق بهم حين تحاول ابتلاعهم كما يحدث لأفعى البوا، عندئذ تضطر إلى أن تتقيأهم واصفة إياهم بأنهم عسيرو الهضم، لكن هذه المسألة تتعدد حولها المقاربات ووجهات النظر.
ما حدث لأكثر الأحزاب، خصوصاً التي أتيح لها أن تنتقل من المعارضة إلى السلطة، هو أنها عكست السائد الاجتماعي وانتقلت إليها عدوى النسيج الموروث اجتماعياً وثقافياً، إذ سرعان ما سقطت في فخّ الشخصنة، أو ما يسميه الروس عبادة الفرد وفقاً لتجربتهم المرة في الحقبة الستالينية، وانتهى الأمر إلى تغليب الولاء على الكفاءة، خصوصاً بعد أن حلّ ذوو القربى من ناحية الدم مكان ذوي القربى من ناحية العقيدة.
وهناك أحزاب طالما دانت حكم الوراثة لكنها عندما وصلت إلى سدة الحكم لم تتورع عن ممارسة ما كان موضوعاً مزمناً لنقدها، بحيث تولت الأمانة العامة لحزب عربي أرملة الأمين الراحل لأنه لم يكن له أبناء يرثون الموقع.
هكذا تحول الأمين العام إلى أمين خاص، وعاد الحزب قاذفاً بشعاراته عرض الحائط، إلى قبيلة، لكن بلا فضائل أو حتى تقاليد.