في 17 آذار (مارس) الماضي، فاز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعادة انتخابه، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى تعهد يائس تقدم به في اللحظة الأخيرة لقاعدته اليمينية، بأن الفلسطينيين لن يحصلوا أبداً على دولة طالما ظل في السلطة. وبعد الانتخابات، حاول التراجع عن تعليقاته، ولكن المراقبين الفلسطينيين لم ينخدعوا بذلك. وكما عبر عن الوضع شخص مقرب من رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، فإن إعادة انتخاب نتنياهو أشرت على نهاية حقبة، وشكلت “الإقفال النهائي لنافذة الفرصة للتوصل إلى حل عن طريق التفاوض”. ومضى الشخص الداخلي إلى القول: “قبل عامين، قال (وزير الخارجية الأميركية) جون كيري للكونغرس الأميركي إن النافذة ستغلق في غضون عام ونصف العام، أو عامين على الأكثر. وكان على حق. لقد انتهى الأمر”.
كان الأمر الذي زاد من إحباط الفلسطينيين هو إدراك حقيقة أن نتيجة الانتخابات لم تكن لتهم كثيراً: فحتى لو كان نتنياهو قد خُلع، فإن الفلسطينيين سيظلون مضطرين إلى الاعتماد على ما يعتبرونه إدارة أوباما غير المبالية وغير الفعالة حين يتعلق الأمر بدفع مفاوضات السلام المتوقفة في الشرق الأوسط إلى الأمام. ولا يعترف أحد بذلك علناً في رام الله، العاصمة الفلسطينية بحكم الأمر الواقع، ولكن بعض المسؤولين الفلسطينيين يفتقدون في الواقع إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، التي بدا أنه كان لها تأثير على إسرائيل أكبر من تأثير البيت الأبيض الحالي. ويحب صائب عريقات، مبعوث الفلسطينيين للمباحثات مع إسرائيل والولايات المتحدة، أن يلاحظ في الأحاديث الخاصة أن بوش كان أول رئيس أميركي يدعم فكرة إقامة دولة فلسطينية، وكان الرئيس الوحيد الذي قامت إسرائيل في فترة ولايته بإزالة مستوطنات من الأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون. وربما تكون إدارة باراك أوباما قد خاضت شجارات متكررة مع نتنياهو، لكن أوباما -مع كل هذا الهرج والمرج- لم يفعل أي شيء يذكر لصناعة تقدم على الأرض نحو إقامة دولة فلسطينية.
لم يكن أي من هذا جيداً بالنسبة لعباس، رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية البالغ من العمر 80 عاماً. اليوم، يقف عباس في أضعف موقف يمر به على مدى سنوات. وقد أصبح الرجل الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز قد وصفه ذات مرة بأنه “أفضل شريك حصلت عليه إسرائيل على الإطلاق” يجد نفسه الآن في السنة العاشرة مما كان يفترض أن يكون فترة رئاسية من أربع سنوات، من دون تحقيق أي إنجاز أو إرث حقيقي. ويشير مؤيدوه إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعترفت خلال فترة ولايته بفلسطين كدولة، ولكن هذا الاعتراف لا يعني أي شيء للفلسطيني العادي في قطاع غزة والضفة الغربية، أو أي مخيم للاجئين في دولة عربية مجاورة. وقد توسعت المستوطنات الإسرائيلية في عهده، وما تزال الجماعة الإسلامية المتشددة، حماس، تسيطر على قطاع غزة، ويبدو أمر التوصل إلى حل الدولتين الذي تتقاسم بموجبه دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية مساحة الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط أصبح الآن أبعد من أي وقت مضى. وتظهر هذه الحصيلة بوضوح على عباس نفسه. ويقول صحفي إسرائيلي يغطي أخباره منذ سنوات: “الرجل يبدو حزيناً ببساطة. لقد أصبح التحدث معه أمراً يفطر القلب تقريباً في هذه الأيام”.
لكن من المفارقات أن وفاة حل الدولتين ربما تكون بالضبط ما سيتبين أنه انبعاث هذا الحل وعودته إلى الحياة. ويبدو أن الزعماء الإسرائيليين ما يزالون يراهنون على أن الوضع الراهن من السيطرة العسكرية في الضفة الغربية يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى، لكن من المرجح أن يثبت خطأ ذلك. ومن المرجح أن يبدأ الشباب الفلسطينيون الذين فقدوا الثقة في التفاوض على حل الدولتين للصراع بالضغط من أجل الحصول على حقوقهم في داخل دولة واحدة ثنائية القومية بدلاً من ذلك. وبينما تتصاعد هذه المطالب بالحريات المدنية وحقوق التصويت وتكسب الدعم الدولي، ربما سيدرك الكثير من القادة الإسرائيليين أنهم مهما يكونون خائفين من حل يقوم على الدولتين، فإن حل الدولة الواحدة يمكن أن يكون أسوأ منه. وبذلك، يحتمل كثيراً أن ينتهي بهم المطاف إلى التحرك نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعد كل شيء.
المساعي من أجل الدولة
منذ تولى عباس منصبه في العام 2005، سعى الفلسطينيون إلى إقامة دولة من خلال الحصول على كل الزخارف القانونية الدولية للدولة. لكنه لم يكن حتى العام 2011 حين بدأت بشكل جدي حملة “فلسطين 194″، التي تتصور أن تصبح فلسطين الدولة رقم 194 التي تعترف بها الأمم المتحدة. وفي تلك السنة، هدد عباس بالدعوة إلى إجراء تصويت في مجلس الأمن الدولي على إقامة دولة فلسطينية، محتجاً بأن من شأن قبول فلسطين في الأمم المتحدة أن يعزز قوة الفلسطينيين في المفاوضات المستقبلية. وفي نهاية المطاف، تخلى عباس عن الدعوة إلى ذلك التصويت، فيما يعود أساساً إلى التهديد باستخدام حق النقض “الفيتو” الأميركي. لكنه عاد إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2012، حيث فاز الفلسطينيون بتصويت لترقية وضعهم من “مراقب غير دولة” إلى “دولة مراقب غير عضو”، وهو ما وضع فلسطين على قدم المساواة مع دولة الفاتيكان.
مع وجود الزخم إلى جانبهم، بدأ القادة الفلسطينيون في أوائل العام 2013 يأتون على ذكر المنظمات والاتفاقيات الدولية الأخرى التي يرغبون بالانضمام إليها، ووضع عباس عدد هذه المنظمات والاتفاقيات عند 63. وقال المسؤولون إن الخطة هي التقدم لعضوية هذه المؤسسات في ترتيب تصاعدي اعتماداً على الأهمية، وذلك من أجل زيادة ضغطهم على إسرائيل. وكانت الخطة أن تكون المحكمة الجنائية الدولية من بين أواخر المنظمات التي يتم التقدم إليها. لكن الفلسطينيين اتسموا بالكثير من الجرأة في هذا الشأن، حتى أن كيري أصر بحلول منتصف العام 2013 على وقف حملتهم قبل أن يتوسط في جولة جديدة من المفاوضات. وقد التزم عباس، ولكن الحملة لم تكن أبداً بعيدة عن ذهنه. وعندما انهارت المحادثات في 1 نيسان (أبريل) من العام 2014، عاد عباس إلى استراتيجيته السابقة، حيث وقع على الفور أوراق الانضمام إلى 15 من الاتفاقيات الدولية (معظمهما ثانوية).
في ذلك الحين، اتخذ عباس قراراً محسوباً بإزالة المحكمة الجنائية الدولية من القائمة، في محاولة لتجنب مواجهة دبلوماسية واسعة النطاق مع إسرائيل، ومن أجل إبقاء الباب مفتوحاً أمام استئناف المحادثات. لكنه كان من الصعب مواصلة المشي على مثل هذا الخيط الرفيع، ويمكن دائماً أن تأخذ الأحداث حياة خاصة بها. ولذلك، عندما اندلعت الحرب مع إسرائيل في قطاع غزة في الصيف الماضي، مضت الخطوات الأحادية الفلسطينية إلى الأمام وفقاً لذلك، واندفعت المحكمة الجنائية الدولية -التي أمل الفلسطينيون في استخدامها لمقاضاة الإسرائيليين على ارتكابهم جرائم حرب- لتحتل قمة الأجندة. ولم يكن عباس مرتاحاً تماماً لمثل هذه الخطوة، لكنه شعر بأن وضعه السياسي الداخلي تركه مع القليل من الخيارات. وفي كانون الأول (ديسمبر) حاول مرة أخرى جعل مجلس الأمن يمنح صفة الدولة لفلسطين، ولكنه قام بعدما فشلت تلك المحاولة بالتوقيع على المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى توقيع خطابات نوايا لأكثر من عشر منظمات أخرى، دافعاً الصراع بذلك إلى حقبة قانونية جديدة.
ولكن حملة “فلسطين 194” لم تكن تمتلك فترة صلاحية طويلة جداً. وقد أصبح الفلسطينيون أعضاء كاملي العضوية في المحكمة الجنائية الدولية في 1 نيسان (أبريل) من هذا العام، لكن من المرجح أن تستغرق أي تهم يسجلونها هناك سنوات عدة قبل أن تصل إلى البحث أمام المحكمة -هذا إذا وصلت إلى هناك من الأساس. وتظل العودة إلى مجلس الأمن الدولي خياراً على الدوام، لكن من المهم ملاحظة أن الأردن -وهو راع طبيعي للقرارات المؤيدة للفلسطينيين- سوف يفقد مقعده غير الدائم هناك في نهاية العام. وحتى لو قررت إدارة أوباما الامتناع عن التصويت بدلاً من استخدام حق النقض على قرار يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود إسرائيل للعام 1967، فإن العواقب ستكون محدودة: صداع دبلوماسي لإسرائيل، وإنجاز رمزي للسلطة الفلسطينية، وإنما بلا إحراز أي تقدم حقيقي على الأرض في اتجاه التسوية. وعندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح الاعتراف بفلسطين في العام 2012، أرسل داني دايان، المدافع الإسرائيلي البارز عن المستوطنات في الضفة الغربية، تغريدة على “تويتر بالعبرية”، والتي كتب فيها: “مشهد السامرة خارج نافذتي الليلة ما يزال هو نفسه: إسرائيل”. وقد عمل دبلوماسيو إسرائيل المحترفون أوقاتاً إضافية لشرح السبب في أن الحملة من أجل إقامة الدولة الفلسطينية كانت غير محقة؛ وبين دايان بتغريدته كيف أن ذلك التصويت لم يكن له معنى في واقع الأمر.
وإذن، ما الذي سيأتي بعد أن استنفد الفلسطينيون محاولاتهم لفرض دولة فلسطينية على إسرائيل من خلال الساحة الدولية؟ مع فشل الكفاح المسلح والمفاوضات والضغوط الدولية جميعاً في تحقيق الدولة، سيترتب على السلطة الفلسطينية الاعتراف بأن الوقت قد حان لمحاولة شيء جديد. وقد هدد عباس مرات عدة في الماضي بحل السلطة الفلسطينية، وهو ما سيضع فعلياً كامل المسؤولية عن الحكم في الضفة الغربية على كاهل إسرائيل، لكن إسرائيل لم تأخذ أبداً هذه التهديدات على محمل الجد. ومع ذلك، قال ابنه الأصغر، رجل الأعمال طارق عباس، في العام الماضي إن على الفلسطينيين التخلي عن حل الدولتين، وأن يطالبوا بدلاً من ذلك بحقوق التصويت التي ستمنح الفلسطينيين وصولاً إلى الكنيست، حيث تتخذ القرارات التي تتعلق بحياتهم فعلاً. وسيفضي مزيج من تهديدات الوالد واستراتيجية الابن البديلة إلى وضع إسرائيل على مسار خطير: سيكون على البلد أن يتعامل مع نحو 4.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، والذين لا يطالبون بأرض لأنفسهم، وإنما بصوت ودور في داخل إسرائيل نفسها.
الشباب يثورون
سوف تتطلب أي استراتيجية من هذا القبيل تغييراً في حرس الحركة الوطنية الفلسطينية. ولن تأتي أي استراتيجية جديدة ما دام محمود عباس يقود الفلسطينيين، ومن الصعب تصور أي شخص غير عباس يقود الفلسطينيين طالما ظل حاضراً في المشهد. وقد شن عباس حملة على المعارضة، وهو يقوم دورياً باعتقال الصحفيين، لكنه يستطيع أن يبقي الوضع هادئاً، وثمة القليل من الأشياء التي قد تريدها إسرائيل والعرب والمسؤولون الأميركيون أكثر من وجود ضفة غربية هادئة –خاصة بالنظر إلى الفوضى المستعرة في كل مكان آخر في المنطقة في هذه الأيام.
لكن تلك قصة مختلفة تماماً. ففي هذه الأيام، لا يتمثل أكبر مكامن قلق عباس في محاربة إسرائيل أو حماس، وإنما في مقاتلة خصمه اللدود من داخل حركة فتح، الحزب الفلسطيني الأبرز: محمد دحلان. ويعود الخلاف بين الرجلين وراءً إلى حرب العام 2007 الأهلية بين فتح وحماس، عندما شاهد عباس دحلان، الذي كان حينذاك قائداً صاعداً في حركة فتح ورئيساً لجهاز الأمن في قطاع غزة، وهو يفقد الأرض لصالح حماس. وقد عاد دحلان إلى الضفة الغربية بعد ذلك كرجل موصوم في عين عباس الذي نفاه في العام 2011. ومن قاعدته في الإمارات العربية المتحدة، يقضي دحلان أوقاته الآن وهو يخطط للانتقام.
يمثل دحلان كل شيء لا يمثله عباس: فهو يتمتع بشعبية كبيرة، وهو صغير السن نسبياً، وهو لا يخشى من سفك الدماء. ومع أنه أمضى الوقت مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المنفية في تونس في التسعينيات، فإن دحلان ليس بالضبط ضمن ما يدعى حشد تونس -مجموعة الساسة كبار السن الذين ساعدوا في تشكيل السياسة الفلسطينية الحديثة. وقد حول حشد تونس الحركة الفلسطينية بعيداً عن الكفاح المسلح وفي اتجاه المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، وقام ببناء السلطة الفلسطينية. لكن هؤلاء القادة لم يستطيعوا إحراز الكثير من التقدم في السنوات الأخيرة، وعادة ما يُعتبرون بين الشبان الفلسطينيين فاسدين وفاترين. ويريد القليلون أن يكون خليفة عباس عضواً آخر من الحرس القديم، ويرى عباس تحدي دحلان الذي يلوح في الأفق على أنه بداية لصراع رئيسي من أجل السيطرة على مستقبل الحركة الفلسطينية.
فجوة كبيرة بين الأجيال الفلسطينية
يمتد الانقسام حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس خطوط جيلية. وقد شرع الفلسطينيون الشباب يفقدون صبرهم مع جماعة حشد تونس وصنيعته: السلطة الفلسطينية. ونتيجة لذلك، يمر الكثيرون منهم بطور تحول سياسي، متخلين، كما فعل ابن عباس نفسه، عن هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة لصالح تحقيق المواطنة والحقوق في دولة إسرائيلية ثنائية القومية. وقد وجد استطلاع أجراه مركز السياسة والأبحاث المسحية الفلسطيني في العام 2013 أن 65 في المائة من الفلسطينيين فوق سن الخمسين ما يزالون يفضلون حل الدولتين، مقارنة بنسبة 48 في المائة فقط ممن يفضلونه بين الشباب من الفئة العمرية بين 18 و28 عاماً.
يبدو الحافز لدى هذه الفئة الديموغرافية الأصغر عمراً منطقياً. ففي اجتماع عقد أخيراً بين نحو دزينة من الصحفيين الشبان الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي نظمته منظمة مؤيدة للسلام، سُئل المشاركون عما إلى كانوا يدعمون حل الدولتين. وكان كل الإسرائيليين يؤيدونه، مع أن البعض، عاكسين مخاوف الكثير من اليهود الإسرائيليين، اعتقدوا أن من الخطير جداً السعي إليه في هذه الآونة. وعلى الجانب الفلسطيني، أيد مشارك واحد فقط حل الدولتين. أما البقية، وهم مجموعة من الفلسطينيين الشباب المعتدلين العلمانيين، فقالوا إنهم يفضلون الحصول على الجنسية الإسرائيلية. وقال أحد الفلسطينيين للإسرائيليين: “إنكم تستطيعون ركوب سياراتكم، وقيادتها إلى المطار، والالتحاق برحلة جوية إلى باريس. أما أنا فعلي تسجيل طلب قبل أشهر، وأن أمر عبر نقاط التفتيش، وأن أحصل على أذونات خاصة من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. إن إسرائيل لن تقوم بمنحنا دولة أبداً، لكنها تستطيع أن تعطينا حقوقنا. إنني أريد أن أكون مثلكم”.
بالنسبة للفلسطينيين الشباب الذين نشأوا في ظل وجود السلطة الفلسطينية، لن يكون زوال تلك الدولة الزائفة والفاسدة والمستبدة، وضم الضفة الغربية إلى المؤسسات الإسرائيلية، بمثابة الخسارة الكبيرة. وقد فسر خليل الشقاقي، خبير استطلاعات الرأي الفلسطيني البالغ من العمر 60 عاماً، وجهات النظر المتعارضة لصحيفة “نيويورك تايمز” في العام 2014، فقال:
“اسألوا ابني فقط. سوف يقول لكم إن جيلي فشل ويجب أن يخرج من المسرح، وأن يأخذ معه عقيدته السائدة، والحل القائم على الدولتين معها أيضاً”.
“لقد تشكلت وجهات نظر جيلي خلال ذروة الحركة الوطنية الفلسطينية؛ أما وجهات نظره، فقد تشكلت خلال سنوات أوسلو الفاشلة، في أيام فساد واستبداد السلطة الفلسطينية، والإنترنت والإعلام الاجتماعي. إننا واقعيون؛ أما هو فمثالي. إننا نطالب بالاستقلال والسيادة؛ وهو يطالب بحقوق متساوية”.
لم يحدث منذ السنوات التي أعقبت الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1948 أن شهدت السياسة الفلسطينية مثل هذه القسمة الجيلية الصارخة. وراء حينذاك، أسس الناشطون الفلسطينيون الشباب مثل ياسر عرفات وجورج حبش حركات تحررهم وأحزابهم الخاصة، سارقين زمام القيادة من شيوخهم المهزومين. أما اليوم، فإن موجة جديدة من الشباب ستشعل صراعاً على الأرجح بين حركة التحرير (منظمة التحرير الفلسطينية)، وبين جهاز بناء الدولة (السلطة الفلسطينية)، وهو صراع يغلب أن تخسر فيه الأخيرة.
سوف يعيد حل السلطة الفلسطينية السياسة الفلسطينية مرة أخرى إلى أوقات ما قبل أوسلو، عندما تبنى المسؤولون عقلية حركة التحرير أكثر من عقلية الدولة في الانتظار. وسوف تستقر السلطة عند الطرف الذي يسيطر على أكبر حزب سياسي، فتح. لكن فتح نفسها ستكون قد ضعفت، بما أنها مرتبطة وثيقاً بالسلطة الفلسطينية التي قدمت لها القيادة من البداية. وسوف يكون الاعتراف بأن السلطة الفلسطينية كانت تجربة فاشلة بمثابة الاعتراف بأن أكبر استثمار للحزب السياسي الفلسطيني الأبرز كان فشلاً ذريعاً أيضاً.
ظهرت حركة حماس باعتبارها الحزب السياسي المناهض للمؤسسة في خضم الانتفاضة الأولى التي بدأت في العام 1987. وعندما أفضت عملية أوسلو إلى خلق حكومة فلسطينية في الانتظار، عمدت حماس إلى معارضتها بشدة. وبحلول العام 2006، قررت حماس القبول بالحكم بما يكفي لخوض الانتخابات وكسب السيطرة على قطاع غزة. لكن فتح لم تكن تنطوي على نية لجعل غزة تذهب إلى منافستها، وكانت النتيجة حرب العام 2007 الأهلية. وإذا ما قيض للسلطة الفلسطيية أن تنهار، فإن مسؤولي حماس سوف يصطفون وراء المنعطف للتعبير عن فرحتهم بمصير استثمار لم يتمكنوا من السيطرة عليه أبداً.
يمكن أن تؤدي عودة إلى مرحلة ما قبل أوسلو من القومية الفلسطينية أيضاً إلى تحوُّل منظمة التحرير الفلسطينية ثانية إلى دولة ضعيفة معتمدة على جيرانها والجهات الراعية، تماماً كما كان حالها في معظم فترات وجودها. وسوف يجد بعض رعاة الفلسطينيين الإقليميين العرب من الصعب عليهم أن يتخلوا عن السلطة الفلسطينية وحل الدولتين- على الأقل لأنهما عملا كورقة توت تغطي على تطبيعهم للعلاقات مع إسرائيل في العقود الأخيرة. وبالنسبة للدول الأخرى الأكثر رفضوية، مثل قطر وتركيا، فإن التخلي عن حل الدولتين لصالح حملة من أجل الحقوق المتساوية ربما يسمح لها بتحويل دعمهما من حماس –ربيبتها الراهنة- إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
حل الدولة الواحدة
إن منظمة تحرير فلسطينية متخففة من عبء إدارة السلطة الفلسطينية، وتتمتع بدعم القوميين الفلسطينيين الشاب، وتتلقى مساعدة متجددة من رعاة إقليميين، لن تقوم فقط بتغيير الديناميات على الأرض في المناطق المحتلة؛ إنها ستولد أيضاً ضغطاً دولياً حقيقياً على إسرائيل. وحتى الآن، فشلت التهديدات الخارجية في تغيير الحسابات الإسرائيلية. وحتى مع أن البعض في اليسار الإسرائيلي كانوا قد أملوا في أن يقنع شبح فرض عقوبات أوروبية على البناء الاستيطاني حكومة إسرائيل ببعث حل الدولتين، فإن ذلك لم يعد مرجحاً الآن. فقد كانت الخطوات الأوروبية على هذه الجبهة في الحد الأدنى نسبياً، والتي استهدفت المستوطنات بينما تجنبت المساس بالاقتصاد الإسرائيلي داخل حدود العام 1967.
في انتخابات العام 2015، حاول اليسار الإسرائيل إقناع الناخبين بأن إسرائيل تواجه خطراً محدقاً على الساحة الدولية، من العقوبات الاقتصادية إلى الإدانات الرسمية، إلى الاعترافات بدولة فلسطينية. لكن الناخبين لم ينخدعوا بذلك، لأن خوفهم من التنازلات عن الأراضي في الضفة الغربة تغلب على خوفهم من أي إجراءات جديدة مناهضة للاستيطان توضع في بروكسل. ومع ذلك، وفي غياب التقدم نحو حل دولتين، يمكن أن يشرع النقاش الدولي حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بالتحوُّل في اتجاه واقع الدولة الواحدة، ومن المرجح أن يشرع العالم في المطالبة بأن تمنح إسرائيل للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية حقوقاً متساوية. وعند تلك النقطة، سوف يجد الإسرائيليون في رؤية التهديد الدولي أكثر إثارة للخوف من كلفة إقامة دولة فلسطينية.
هذه الانزلاقة سوف تستغرق وقتاً، خاصة بالنظر إلى طاقم الشخصيات الموجود حالياً في المشهد الدولي. وأوباما، الذي يدرس الآن بذل محاولة أخيرة لإنقاذ حل الدولتين، ربما يسمح لكيري بالقيام بمحاولة وحيدة أخيرة، حتى مع أن الجولة الأخيرة من محادثات السلام كانت قد أُطلقت تحت نفس الذريعة. ولكن، مع مثل هذه الكيمياء السيئة بين عباس ونتنياهو، فإن الزعيمين اللذين يبدوان وأنهما يتقاسمان فقط رغبة في البقاء في السلطة وخيبة أمل عميقة من إدارة أوباما، فإن أي محادثات جديدة لن تحقق أي شيء على الأرجح. وربما تنهار أي جولة جديدة حتى أسرع مما فعلت الجولة الأخيرة.
سيكون من شأن أي تحول في اتجاه حاصل الدولة الواحدة أن يخلق معضلة صعبة بالنسبة لإسرائيل، بما أن المسؤولين لن يكونوا قادرين على المحاججة ضدها عن طريق التماس مسألة الأمن. وخلال سنواته الست في المنصف، رفض نتنياهو أي خطوات في اتجاه تحقيق دولة فلسطينية عن طريق المحاججة بأن أي أرض تخليها القوات الإسرائيلية وتسلمها للسلطة الفلسطينية سوف تستولي عليها مباشرة حركة حماس، أو “الدولة الإسلامية” المعلنة ذاتياً، أو حزب الله. وأمضى عباس كل الفترة التي قضاها في المنصب وهو يحاول (ويفشل) إقناع الإسرائيليين بأن قواته الأمنية تستطيع أن تقمع العناصر الأكثر عنفاً في الضفة الغربية وغزة. ولكن خطابته لم تعد تستطيع، منذ حرب العام 2007 الأهلية، أن تتغلب على هزيمة فتح المذلة على يد حماس والطرد اللاحق لكافة قيادة فتح من غزة. وبذلك، عاش نتنياهو أوقاتاً سهلة في اقتراح أن الدولة الفلسطينية ربما تشكل تهديداً لإسرائيل. ومع ذلك، سيكون من الأصعب عليه بكثير أو على أي رئيس وزراء إسرائيلي في المستقبل أن يقول لا لجيل جديد من الفلسطينيين الذين يدعون إلى منحهم الجنسية الإسرائيلية وحقوق التصويت، وإما ليس إلى أي تغيير في البنية الأمنية القائمة.
سوف تكون الاستراتيجية الإسرائيلية المضادة الأكثر وضوحاً لمثل هذه الدولة من أجل الدولة الواحدة هي القيام بحركة من أجل وضع الفلسطينيين على مسار الدولة. وبما أن الفلسطينيين سيكونون بصدد الحصول على دولة، كما يمكن أن يقول رئيس وزراء إسرائيلي، فإنها لن تكون هناك حاجة لمنحهم حقوق التصويت لكن القيادة الإسرائيلية الحالية ترفض وضع حجر الأساس لمثل هذه الدولة، محتجة أحياناً بحجج معقولة (مثل المخاوف بشأن الأمن والافتقار إلى وجود نظام حكم فلسطيني قابل للحياة)، وفي بعض الأحيان تتمسك بالحجج الدينية حول حق إسرائيل في الأرض. وعند نقطة ما، سوف يتساءل المجتمع الدولي عما إذا كانت السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الضفة الغربية مؤقتة حقاً، أمام وضع سيجري حله قريباً، وإذا لم يكن كذلك، ما الذي ينبغي عمله إزاء المليونين من الناس يعيشون تحته.
سوف يعني منح الحق في التصويت للفلسطينيين الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية نهاية الدولة اليهودية، وليست هناك أي فرصة لموافقة الفلسطينيين على ذلك. لكن حملة من أجل دولة واحدة يمكن أن توقع مع ذلك ضرراً كبيراً بإسرائيل، أكبر بكثير مما فعلته أي حملات مناهضة لإسرائيل ومؤيدة للفلسطينيين في السابق. وقد جعل كيري إسرائيل تتذوق طعم الامتعاض الذي قد تواجهه بشكل علني عندما حذر في أحاديث خاصة في العام الماضي من أن إسرائيل يمكن أن تصبح من دون التوصل إلى اتفاق سلام “دولة فصل عنصري”. وعلى الرغم من أن كلماته أثارت غضب المسؤولين في القدس وأعضاء من المجتمع اليهودي المنظم في الولايات المتحدة، فقد تحدث حتى وزير دفاع نتنياهو السابق والمقرب كثيراً منه، إيهود باراك، عن تحذير مشابه.
مسار متعارض إلى السلام
كل هذا يشير إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحاً لأفق قيام دولة واحدة وشيكة سيكون تطبيق حل الدولتين. وسوف تكون تلك هي الطريقة الواضحة التي تستطيع بها إسرائيل إسكات منتقديها وقتل أي مطالبات للفلسطينيين بحقوق مدنية. سوف يتم استقبال موقف إسرائيلي يرفض منح المواطنة أو حقوق التصويت للفلسطينيين، لكنه يعرض أفق منحهم سيطرة واضحة على معظم الضفة الغربية بكثير من الاستحسان.
وبعبارات أخرى، فإن الطريقة التي تصبح أكثر ترجيحاً باطراد لأن تحقق للفلسطينيين دولة مستقلة هي -فيما ينطوي على الكثير من المفارقة- هي تخليهم عن محاولة الحصول على دولة. فقط عندما يجعل الفلسطينيون الإسرائيليين يدركون أن الوضع الراهن لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية، ويصلون إلى شيء يعتبره الإسرائيليون عزيزاً حتى أكثر من الضفة الغربية -السيطرة على إسرائيل نفسها كدولة يهودية- عندئذ فقط سيشرع الإسرائيليون في النظر إلى حل الدولتين باعتباره خيارهم الأقل سوءاً. لكن الأمور إذا وصلت في النهاية إلى هذا التقاطع في الطرق، فإن الدولة التي سيتم منحها للفلسطينيين لن تكون تلك التي كانوا يطالبون بها على مدى العقدين الأخيرين. وبدلاً من اتباع خطوط حدود العام 1967، فإن إطارها سيستند إلى مخاوف إسرائيل الأمنية والديمغرافية. وفي الجولة الأخيرة من محادثات السلام، كان نتنياهو راغباً في مناقشة أمر دولة فلسطينية تشكل نحو 90 في المائة من الضفة الغربية، مع تبادلات محدودة في الأراضي. وإذا ما قررت إسرائيل ذات يوم أن تدعم قيام دولة فلسطينية من أجل قتل احتمال الدولة الواحدة، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً ستكون نسخة نتنياهو المختصرة منها.
لدى الولايات المتحدة القليل من الخيارات لمواجهة هذا الانزلاق نحو الدولة الواحدة، لكن أحدها هو العودة إلى الصيغة التي استخدمها بوش في العام 2004. وفي تلك السنة، وفي مقابل انسحاب إسرائيلي من غزة، أرسل بوش رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، والتي طمأن فيها إسرائيل إلى دعمه لموقفها في المفاوضات المستقبلية مع الفلسطينيين. وفي تلك الرسالة، ميز بوش بين المستوطنات الإسرائيلية الكامنة عميقاً في الضفة الغربية، والتي يتوقع بشكل عام أن يتم إخلاؤها في حال التوصل إلى اتفاق مستقبلي، وبين المستوطنات الأكبر حجماً والأقرب إلى حدود العام 1967، التي يُتوقع بشكل عام أن تصبح جزءاً من إسرائيل المستقبلية. وفي الحقيقة، كان بوش يفصل بذلك حدود العام 1967 عن عملية السلام. وكانت إحدى أولى الخطوات التي اتخذها أوباما في اتجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هي التراجع عن رسالة بوش وتأكيد أهمية حدود العام 1967. وربما يجد الرئيس القادم للولايات المتحدة هذا الإرث المنسي لبوش وشارون مفيداً أكثر لإحراز تقدم في حقبة من أحادية الجانب الإسرائيلية والفلسطينية.
في وضع كهذا، سيمكن عرض هذه النتيجة بمصداقية للناخبين الإسرائيليين، ليس كعمل لين لتحقيق العدالة أو كعمل خيري (الحجج التي لا تلقى صدى عادة)، وإنما باعتباره عملاً صعباً لأجل الحفاظ على الذات. وكان دوف فايسغلاس، الذي عمل مديراً لموظفي مكتب شارون خلال مفاوضات فك الارتباط من غزة، قد قال أن شارون قدم الانسحاب للناخبين الإسرائيليين بـ”ليكودية بليغة”. لم يلجأ شارون إلى استحضار أوهام السلام الدائم، وإنما أطر قراره على أنه ضروري لبقاء إسرائيل. وسوف يحتاج تنفيذ انسحاب من الضفة الغربية إلى تفسير بعبارات مماثلة. وعندئذ فقط سوف تتوقف التهديدات التي تصاحبه عن التفوق على الفرص المفترضة التي ربما يعرضها اتفاق سلام بعيد ما.
غرانت روملي، وأمير تيبون – (فورين أفيرز) عدد تموز (يوليو)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية