لا تزال قضية الإسلام والغرب – كقضية حضارية ودينية وثقافية – تستحوذُ على عقليات فذة ذات أثر مَهيب وأرواح مُتوقّدة نحو الحق والحقيقة، ونفوس تواقة للإشراق الإلهي والإلهام العُلوي، حتى باتت تفرض نفسها – وفي شكل طاغٍ – على الساحة الأوروبية والغربية على السواء، وتثير قلاقل عدة منذ قرون طوال لا تُثيرُها القضية ذاتها في الأوساط العربية والإسلامية!
والمتأمل في مصدر ذلك لا بُدّ من أن يستشعر أن هناك أسباباً محورية يقوم عليها ذلك الموقف، أولها عدم اكتراثنا بالغرب وتراثه، وما يُنتجُه من فكر إسلامي واع يشُقُّ على الكثير منافسته أو حتى مناقشته، فضلاً عن رؤيتنا المنطوية على روح الاكتفاء والقناعة بالمنظومة الفكرية الإسلامية في ذاتها، من دون تقديم أي محاولات للاستزادة من الشروح والتفاسير والتحليلات، أو أي محاولات لاستكشاف طبيعة علاقة تلك المنظومة بالكم المتلاحق من متغيرات واقعنا.
وإذا كنا نُحيي تلك الكتابات الشائقة المتناولة لقضية الإسلام والغرب، فلأنها كتابات تتسم بالدقة، وطرح القضية على وجهها من دون مواربة أو التواء، ولا يمنعنا ذلك أيضاً من أن يكون لنا موقف مغاير من تلك الكتابات التي تميل نحو التحوير والتدوير حتى تعصف بحقائق لم تستطع دحضها، فنراها تقوم مُعتمدة على إبرام أوجُه الضعف والقصور الضاربة في أعماق العالم الإسلامي، وبالتالي مُتخذة من التشكيك في منهجية الإسلام سبيلاً ودليلاً وحكماً فاصلاً على تردي الواقع الإسلامي، لا سبيلاً للإصلاح والتقدُّم والحضارة.
وبين هذه الكتابات وتلك دراسة شائقة مثيرة عن «الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة» للكاتبين الأميركيين غراهام فوللر، وإيان ليسر، فعن صورة الغرب تاريخياً وسيكولوجياً عند المسلمين – كانت هناك إشارة واضحة إلى أن المسلم المُعاصر لا يزال يحمل في وعيه صورة حية عن عصر امتد طيلة ألف عام من التفوق الإسلامي الثقافي والعلمي والفكري والتكنولوجي والعسكري، والذي أفل قبيل عصر النهضة الأوروبية، ثم أعقب هذه فترة انهيار إسلامي وصعود أوروبي لا يزال في عنفوانه حتى الآن.
ويُوجزُ المؤلفان الحديث في قضيتين أساسيتين تُحدّدان خصائص تصوُّر المسلم علاقته بالغرب، وهما نقضُ التفوق الطويل المدى للحضارة الإسلامية، ثم غلبة شعور واسع النطاق لدى المسلمين بأنهم لا يزالون تحت الحصار المفروض من جانب الغرب. وتتجسد صورة هذا الحصار كما يراه مسلمو اليوم على مستوى قضايا كثيرة، منها: حقوق الإنسان، والتطبيق الديموقراطي، إلى غير ذلك مما يراه المسلمون أحدث المُخطّطات التي يلتمسُ بها الغرب فرض نظامه على العالمين: (الإسلامي، والثالث) باسم القيم العالمية أو بالأحرى المصالح الغربية.
في هذا الإطار، تأتي عمليات التدخُّل السياسي والعسكري المستمرة للغرب في الشرق الأوسط، والتي تُساعد على تثبيت مشاعر الاضطهاد وتقويتها في فكر المسلمين. ويسردُ المؤلّفان الكثير من الأحداث والنماذج والصور لتدخُّل الغرب الذي خلف وراءه جراحاً نفسية لم تطب حتى الآن، وعلى ذلك يرى المسلمون أنفسهم اليوم مستهدفين على المستويات والأصعدة كافة، وسط عالم اشتدت فيه حدة التفاوت في علاقات القوى بين الشمال والجنوب، وبالتالي يتأكد لديهم أنهم في حالة حصار دائم، بل إنهم موضع سخرية وقهر، ولن يهدأ ذلك الغرب أو يرضى إلا حين يرى العالم الإسلامي مُستسلماً خائر القوى.
ويرى المؤلفان أن القليل جداً في العالم الإسلامي هم الذين يتجنبُون – مبدئياً – ضرورة التحديث، لكن هل معنى التحديث هو التغريب؟ وكيف السبيل لأن تبقى الأُسُس الثقافية والأخلاقية للحضارة الإسلامية سليمة من دون تغيير، مع قبول الجوانب المادية للغرب، والتي تُوجبُ في النهاية استيراد ذات الأُسُس الفلسفية للثقافة المُنتجة هذه الإنجازات المادية؟ وهل التحديث يعني خُضُوعاً ثقافياً كاملاً للغرب؟ وعموماً يؤكدان أن المسلمين يواجهون اليوم هجمة التحديث الشرسة، ويبدو أن الإسلام في نظرهم هو الملاذ الذي يُهيئُ لهم السُبُل الثقافية للنجاح، وأنه أكثر رسوخاً اجتماعياً من النزعة القومية العلمانية الحديثة.
وفي فصل آخر، يُحلّل المؤلفان المعضلات العصرية التي يفرضها العالم الإسلامي على الغرب، ويدور الجدل في شأن إمكانية ظهور صراع أيديولوجي أو حضاري جديد بين الإسلام والغرب، يجري على أساس خلفية من القلق الذي له ما يبرره، حتى من جانب أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، تأسيساً على تنامي ترسانات الأسلحة التقليدية في الجنوب.
لكن، حتى هذه اللحظة فإن قدرة الدول الإسلامية على أن تشكل خطراً عسكرياً مباشراً يتهدّدُ الغرب، هي قدرة محدودة إلى مدى بعيد، غير أن التسارُع المستمر لاتجاهات انتشار الأسلحة – الذي تحفزه احتكاكات دينية أو حضارية – يمكن أن يُغيّر هذه الحالة عسكرياً وسياسياً تغييراً كبيراً، بحيث يجد القادة وأقطاب الاستراتيجية في الغرب أنفسهم إزاء معضلات جديدة.
وطبقاً لذلك، يرى المؤلفان أن اهتمام دول الغرب سيتزايد بتعزيز نُظُم عدم انتشار الأسلحة والحدّ منها على المستوى الإقليمي في العالم الإسلامي، إذ ينظُرُ الغرب نظرة تشاؤمية إزاء اتجاه انتشار الأسلحة الذي من شأنه أن يحدّ من حُريته في العمل، ومن هنا يبرُزُ تساؤل مهم: هل مصالح واهتمامات العالم الإسلامي ستتسقُ مع مصالح واهتمامات الغرب عندما يصل الأمر إلى الحدّ من الأسلحة على الصعيد الإقليمي؟ وتكون الإجابة عنه بأن فقدان الأمن داخل العالم الإسلامي والمنافسة النشطة بين الدول وبعضها يُعدُّ حافزاً أساسياً لانتشار التسلُّح، وليس من المرجّح أن يتغيّر هذا الحافز حتى يتحول إلى نوع من الفتور تجاه الحدّ من التسلُّح إلّا بعد أن يتضاءل البُعد الأمني في سياسة العالم الإسلامي، والذي يتحقّق من طريق الإصلاح السياسي، ومزيد من الاستقرار، بفضل أولويات اقتصادية جديدة.
وفي فصل آخر من الكتاب، تحدّث المؤلّفان عن المعضلات المُعاصرة التي يفرضها الغرب على العالم الإسلامي، فيؤكدان أن هذا العالم يشعُر بأنّه الآن يعيش تحت حصار حديدٍ فرضه عليه الغرب في الكثير من المجالات الحيوية السياسية، العسكرية، الثقافية، الاجتماعية والاقتصادية.
وهذا الشعور بالحصار نابع من مصادر متنوعة منها: تصوُّر أن الغرب ضحّى به وافترسه تأسيساً على مبررات تاريخية ونفسية، وتأسيساً كذلك على ضغوط داخلية موضوعية تولدت من عملية التحديث وما اقترن بها من توترات اجتماعية واقتصادية، فمثلاً على مستوى الضغوط السياسية يرى المؤلفان أن الدول الإسلامية تُواجهُ ضُغُوطاً سياسية قوية ومكثفة من جانب الغرب، وتتمثل هذه الضغوط في محاولات حسم الصراع العربي – الإسرائيلي، وقبول إسرائيل في المنطقة، والتعامُل معها في الشكل الذي جعل عامة المسلمين تنظر إلى تلك المشكلة باعتبارها المظهر الرئيسي للعلاقات مع واشنطن، بل المصدر الأساسي لتدخُّل واشنطن سياسياً.
أما على مستوى الضغوط الاقتصادية، فالخلافات مع الغرب في هذا المجال نجدُها أشد تعقيداً، بسبب العلاقات الاقتصادية الخاصة بحالة عدم المساواة، وما يترتب على ذلك من مواكبة حقائق نظام اقتصادي جديد يسُودُ الشرق الأوسط بعد تسوية سلمية للنزاع العربي – الإسرائيلي، تكون فيه الهيمنة لإسرائيل على حساب العرب.
ويرى المؤلفان أن وجود المجتمعات المحلية المُسلمة في الغرب سيشكل تحديّاً من أهمّ التحديات الثقافية للإسلام على مدى القرن المُقبل، لأنه من خلال التفاعل بين الثقافتين سيبرُزُ عدد من أهم القضايا الأساسية بين الإسلام والغرب، وستظهر أيضاً إمكانية جديدة للتوفيق بين تلك القضايا وحسمها، أو عدم إمكانية ذلك، فتنشأ إشكالية مؤداها أن المجتمعات المحلية الإسلامية الموجودة في الغرب ستحاول الاحتفاظ بفلسفتها الاجتماعية المُحافظة، والإبقاء على قيمها داخل المجتمع الغربي.
الحياة اللندنية
