
منذ توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 الدولية، والمواقف الدولية والإقليمية تتوالى، سواءً مؤيدة أم قلقة، لكن المواقف العربية سواء أكانت مؤيدة أم قلقة، فهي المعنية جداً ببنود هذا الاتفاق؛ لأن إيران، ومنذ ثورة الخميني على الشاه ووصول رجال الدين إلى الحكم، وضعت نصب عينيها تصدير الثورة، وعلى حساب العرب، ظناً منها أنها تستطيع أن تؤثر في الشعوب العربية، مستغلة القضية الفلسطينية، شعاراً ترفعه؛ لتلهب العواطف العربية في هذه القضية، التي تعتبر مركزية بالنسبة إلى العرب، وهي البوصلة التي يتبعونها منذ نشوء الدول العربية، منذ انهيار الدولة العثمانية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.
لذلك استطاعت إيران، وعبر بعض الأنظمة والأحزاب كما في العراق وسورية ولبنان واليمن، أن تنفذ وتخترق بعض الدول العربية، مكونة لها حلفاء كحزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، وحكومتي العراق وسورية، يساعدونها على التغلغل في الشعوب العربية تحت شعار محور المقاومة. بدأ مشروع ثورة الخميني يؤتي ثماره في العراق وسورية ولبنان واليمن، فهذه الدول أصبحت غير مستقرة والصراعات الداخلية تمزقها، ومخطوفة ممن تدعمهم طهران في سياساتها الخارجية، وكل هذا بسبب التدخل الإيراني في هذه الدول.
لقد استطاعت إيران منذ بداية ثورتها أن تقسم العرب مجتمعات وشعوباً إلى قسمين، قسم مؤيد للثورة والقسم الآخر متحفظ وقلق من أهداف هذه الثورة، من خلال رفعها شعار تحرير القدس الذي استخدمته لهذا الغرض، لكن مع مرور الوقت ودخولها في حرب طاحنة مع العراق استمرت ثمانية أعوام، وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول الخليج، ولا سيما البحرين، بدأ الرأي العام العربي، والعديد من الحكومات العربية تعي خطورة الدور الإيراني في المنطقة، وبدأت تتكشف الأهداف الحقيقية لإيران، خصوصاً بعد أن سلمتها الإدارة الأميركية العراق وكذلك إلى حد ما أفغانستان، ومن دون عناء، ولذلك بدأ المسؤولون في إيران يتبجحون بأن إيران سيطرت على معظم عواصم المشرق العربي، إذ قال حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد، إن «إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية»، فيما اعتبر مندوب مدينة طهران في مجلس الشورى الإيراني، علي رضا زاكاني، المقرب من المرشد الإيراني، علي خامنئي «أن العاصمة اليمنية صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد، مبيناً أن ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية».
وفي 15-3-2015، فاجأنا مستشار الرئيس الإيراني علي يونسي باعتباره أن بغداد باتت عاصمةً للإمبراطورية الفارسية، مستفزاً كل العراقيين، وبغض النظر عن الانتماءات العرقية والطائفية، وكذلك مستفزاً الشعوب العربية، لتكون كل هذه التصريحات مؤشرات ودلائل على النوايا الحقيقية لإيران، لذلك لا يمكن لأي سياسي أو متابع أن يغفل هذه التصريحات أو يقبل أنها زلة لسان، هذه هي النوايا الحقيقية لإيران.
يبدو أن الحذر السعودي تجاه التوجهات الإيرانية بعد ثورة الخميني المغلفة بقناع إسلامي، كان في محله، ولاسيما بعدما تكشَّفت الأهداف الحقيقية لهذه الثورة، وتبين نزعتها الفارسية المقنعة بقناع طائفي، لذلك كانت السعودية ومنذ البداية تحاول لم الشمل العربي في مواجهة التهديدات والاستفزازات الإيرانية تجاه المنطقة، فوقفت مع العراق في حربه مع إيران دفاعاً عن البوابة الشرقية للوطن العربي، وكذلك وقفت إلى جانب لبنان، إضافة إلى وقوفها الحازم والقوي إلى جانب البحرين، لكن كان هناك عدد من الحكومات العربية وبعض الأحزاب والقوى السياسية، في لبنان وسورية والعراق وحتى فلسطين المحتلة، تروج للموقف الإيراني بحجة وقوفهم إلى جانب القضية الفلسطينية، استناداً إلى قيام الثورة الإيرانية بمسرحية قطع العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل ورفع العلم الفلسطيني على المبنى، والتي ما لبث أن تبين زيف هذه المسرحية بعد فضيحة إيران-جيت وتسليم إسرائيل صواريخ تو لها باتفاق أميركي-إيراني سري، اعترفت القيادة الإيرانية بشرائها الأسلحة الإسرائيلية؛ مبررة قبولها بسد الحاجة، ولذلك تبين منذ ذلك الوقت أن الشعارات التي ترفعها الثورة الإيرانية شيء والفعل شيء آخر.
واليوم يتكرر السيناريو نفسه، فبعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 الدولية، يتكشف مزيد من الشعارات التي كانت ترفعها إيران والخطوط الحمراء التي رسمتها، وهو ما يدل على أن الواقعية والانتهازية والمصلحة الإيرانية هي الأهم، لذلك نرى كيف استطاع الشيطان الأكبر أن يلتقي مع محور الشر، وبعد عشرات الأعوام من المناوشات الإعلامية؛ ليوقعا اتفاقاً ينهي المقاطعة بينهما، لكن هذا الالتقاء والاتفاق يبدو أنه على حساب المصالح العربية، لذلك على العرب أن ينتبهوا لمحتوى هذا الاتفاق، والذي اعترف بحق إيران في التخصيب ورفع الحظر عنها، ولم يتضمن أي بند ينص على منع إيران من التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، أو العبث باستقرار دول المنطقة، لذلك جاء هذا الاتفاق وكأنه مكافأة أخرى لإيران، بعد مكافأتها في العراق وأفغانستان، وهو ما يجعل المصالح العربية والمنطقة عرضة للتدخلات الإيرانية.
لكن في الوقت نفسه، نرى أن السعودية ومن خلال «عاصفة الحزم» ومن ثم «إعادة الأمل» قد أسست لمشروع عربي، نواته دول الخليج العربي ومحيطه بقية الدول العربية، ولا سيما مصر؛ لمواجهة أي تطلعات إيرانية في المنطقة العربية، وعبَّر عن حزم السعودية تجاه أي استفزازات إيرانية أو تدخلات في المنطقة، وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في لقائه مع وزير خارجية أميركا جون كيري، أوضح بأن المملكة سترد بحزم على أي استفزاز إيراني، ويبدو أن الموقف السعودي لم يأتِ من فراغ، فما حصل للمشروع الإيراني في اليمن هو خير دليل على ذلك.
والسؤال المطروح الآن هو: هل يكون الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 عاملاً لتوحيد العرب للوقوف في وجه الأطماع الإيرانية والدولية في المنطقة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.