في غياب حركة مقاومة مسلحة قد تشغل إسرائيل أو تقارعها وبينما الدول العربية والإسلامية المجاورة مشتبكة ببعضها في حروب طائفية وصراعات إقليمية جعلت من “قضيتهم الأولى” أولويتهم الأخيرة، ومع انعدام عملية سياسية قد تختم 25 سنة من التفاوض والإقرار بمحدودية تأثير المقاومة السلمية الشعبية على المحتل، أصبحت حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)” تمثل احدى ابرز الأدوات المتاحة “للنضال القانوني” والعمل الجماهيري التضامني الدولي المناهضة للاحتلال الإسرائيلي. وفي السنوات الأخيرة تزايدت وتيرة القرارات الصادرة عن الجامعات والشركات والهيئات المالية الدولية بتبني حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات، في اطار حملات جماهرية وأهلية، وتحققت بعض النجاحات البارزة مما جعل من الموضوع شأن جدل سياسي إسرائيلي داخلي، كما بعثت هذه الاختراقات الأولية الأمل لدى بعض الناشطين بأن تصعيد حركة المقاطعة هي الوسيلة الأساسية لخوض الصراع مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في المحافل الدولية، بالإضافة للمطالب المتكررة بتطبيقها على الصعيد الميداني الفلسطيني، كما جرى في الضفة الغربية في 2014 في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة.
ومع التقدير لما أنجزتها حركة المقاطعة العالمية من انتصارات حتى الآن، وما يمكن أن تحققها نظريا في حال توسيعها لتشمل دول أوروبية وعالمية متعاطفة مع القضية الفلسطينية، فإن مسألة تطبيق المقاطعة الاقتصادية محلياً شأن مختلف تماما وله مغازٍ أخرى لا بد من دراسة تداعياتها بشكل جدّي قبل المطالبة بمثل ذلك التصعيد في المواجهة مع إسرائيل، الذي ينطوي عليه تحد الفصل الاقتصادي عن إسرائيل وبناء اقتصاد منتج فلسطيني، وهذا ما عجزت جميع الحملات السابقة عن إحداثها، بغض النظر عن الجهة المبادرة أو القطاعات المستهدفة أو الحقبة السياسية التي تمت فيها.
من 1936 و 1946 حتى1988 ووصولا الى2015: ماذا تعلمنا؟
وربما تغفل “الذاكرة الشعبية/المؤسسية” الفلسطينية أن حملة المقاطعة الحالية ليست التجربة الأولى التي يلوح فيها الشعب الفلسطيني ومناصريه بسلاح الحرب الاقتصادية لوضع حد للاستعمار الصهيوني، وأن الأسباب التي أدت إلى فشلها وإبطالها في الجولات الماضية ربما لم تتغير إلى درجة تجعل من المبادرة للمقاطعة اكثر حظاً اليوم. وقبل الحملات الشعبية في 2014 التي استهدفت البضائع الإسرائيلية المصدرة إلى أسواق الضفة الغربية (بمقدار يفوق الـ3$ مليار سنويا) ثم اختفت بعد أشهر قليلة ولم تغير شكل العلاقة التجارية الفلسطينية مع اقتصاد الدولة المحتلة، فان أبرز حملة واسعة النطاق لمقاطعة منتوجات المستوطنات هي تلك التي اطلقتها السلطة الفلسطينية بمبادرة من وزير الاقتصاد الوطني حسن أبو لبدة في 2009 من خلال تشريع يحرم التعامل مع اقتصاد المستوطنات، مما نجح بالتقليل من توغل بضائع المستوطنات في الأسواق الفلسطينية. لكن هذه المبادرة عجزت عن تحريم العمال الفلسطينيين من العمل في المستوطنات بسبب عدم المقدرة على توفير أماكن عمل ووظائف بديلة لما يقارب 30 ألف عامل فلسطيني، بين أسباب عديدة.
وقبل ذلك، في اطار فعاليات الانتفاضة الأولى، خاضت الفصائل الفلسطينية والفئات الشعبية اعتبارا من 1988 العديد من حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية والعمل في إسرائيل والامتناع عن تسديد المطالب الضرائبية الإسرائيلية والإضراب التجاري اليومي، إلى أن استنفذت زخم الانتفاضة وقدرة الاقتصاد والمواطنين على تحمل أعباء المقاطعة وخلق فرص عمل وإنتاج بديله من خلال “الاقتصاد المنزلي” أو “العودة للزراعة”، خاصة في أعقاب حرب الخليج الأولى والعقوبات المالية العربية التي فرضت على م.ت.ف. وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من الخليج وانضمامهم إلى أعداد الباحثين عن عمل في السوق الفلسطيني-الإسرائيلي المشترك.
ومع ان عمر الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة يحسب عادة على أنها ولدت مع انطلاقة الكفاح المسلح عام 1965، فإن التجربة النضالية الوطنية الفلسطينية تمتد إلى أوائل القرن الـ20 وكان السلاح الاقتصادي والإضراب التجاري الشامل من بين الأدوات التي وظفت في ثورة 1936-1939 دون جدوى، وتجددت في 1946 مع دخول جامعة الدول العربية في المعركة الاقتصادية مع قرارها بمقاطعة الاقتصاد اليهودي تجاريا ومالياً. ومع اطلاق المقاطعة من قبل الدول العربية كان على القيادة الفلسطينية الانضمام إلى ذلك الجهد عشية قرار تقسيم فلسطين ووقوع نكبة فلسطين عام 1948.
“ومضى عهد المجاملات”
ولا أخوض في هذه المراجعة بهدف المزيد من دراسة التاريخ الاقتصادي أو النضالي الفلسطيني، بل نظراً لما تتضمنها من عبر يبدو أن ناشطي المقاطعة وصناع السياسات اليوم لا يعيرونها ما يجب من اهتمام أو تقدير، على افتراضهم أننا في القرن الـ21 الذي يتطلب حلول وأجوبة لائقة بالعصر وليس التذكير بنضالات تاريخية مضى عهدها. وما أثارني للكتابة حول هذا الموضوع هو قراءتي لكتاب هام صدر مؤخراً في ثلاثة مجلدات عن دار الشروق عمان، بعنوان “ومضى عهد المجاملات: مذكرات الدكتور حسين فخري الخالدي” ، الذي كان عضوا في الهيئة العربية العليا منذ قيامها وأول رئيس بلدية منتخب للقدس إلى أن نفي إلى جزر السيشل مع زملائه أبان ثورة 1936.
ومع انه تم تسجيل هذه المذكرات عام 1949 بعد سقوط البلاد وفي اكثر الحقب التاريخية المأساوية، فإنها لم تنشر سوى بعد 65 سنة من تجميعها، لأسباب سياسية يتم شرحها في مقدمة المذكرات. ومن بين ما يميز هذه المذكرات أنها بمثابة تأريخ للقضية الفلسطينية من 1919-1949 كما عاشها أحد الشخصيات القيادية الفلسطينية الذين شاركوا بجميع مراحلها في مواقع مختلفة وبالقرب من القائد الأعلى سماحة الحاج أمين الحسيني. ومع أن صدور هذه المذكرات تأخر 65 سنة علينا وعلى الشعب الفلسطيني، فإن ما يدعو للدهشة هو استعراض حسين فخري “دون مجاملة” (لكن أيضا دون تجريح أو تشهير أو تخوين) لأوجه القصور في البناء المؤسسي والنظام السياسي الفلسطيني حين ذاك، ولأخطاء فادحة في الأداء النضالي والسياسي والديبلوماسي والاقتصادي الفلسطيني، ومن تواطؤ رسمي عربي (واحياناً فلسطيني) مع المطامع الإمبريالية البريطانية والمصالح الصهيونية. وما هو أكثر جاذبيةً ليس تعامل المؤلف الحذر واللبق مع قضايا في غاية الحساسية السياسية والشخصية فحسب، بل مدى التشابه بين تقييمه الصريح لتلك الحقبة التاريخية وإخفاقاتها من جهة، والوضع الفلسطيني اليوم الذي ربما يعتبر أسوأ بكثير مما كان عليه قبل 65 عام نظرا للدروس التي كان يفترض استيعابها اذا كانت ستحرز القضية الفلسطينية (والوسائل النضالية المستخدمة) تقدماً بعد كل هذه النكبات والنكسات والشهداء والتضحيات.
“أن نشنها حرباً اقتصادية اجتماعية لا هوادة فيها”
يروي حسين فخري الخالدي تفاصيل الجهود التي كلف من قبل الهيئة العربية العليا في القدس بالإشراف عليها عام 1946 لتنظيم تجارة فلسطينية مساندة للمقاطعة العربية الجديدة من خلال توفير منتجات وأسواق فلسطينية عربية بديلة عن القنوات التجارية التي كانت قائمة فترة الانتداب البريطاني بين بعض الأسواق في الدول العربية واليهودية في فلسطين، بالإضافة إلى اطلاق حملة مقاطعة فلسطينية عربية للعلاقات الاقتصادية التي كانت تربط الاقتصادين العربي واليهودي في فلسطين: “وكان قرار الجامعة العربية هذا في صالح القضية الفلسطينية ومن أجلها، فكان لزاماً على الشعب العربي الفلسطيني أن يتحمل أيضا جميع التضحيات في هذا السبيل مهما كانت جسيمة أو شاقة”.
ويستعرض المؤلف بشكل مفصل المجريات المؤلمة للصراعات الداخلية الفلسطينية حول المبادرة لتفعيل المقاطعة المحلية في قطاعات حساسة مثل صناعة الحمضيات ومواد البناء و”المنتوجات الموحدة” (النسيج والأدوات المنزلية)، التي تعتبر من اكثر القطاعات التي تسيطر عليها الاقتصاد اليهودي، وهي ذات حيوية خاصة للعديد من الطبقات الفقيرة والتجارية الغنية الفلسطينية. وبين الأمور التي يذكرها حسين فخري الطعن من قبل أعضاء في القيادة العربية بالترتيبات التي توصل لها مع الغرف التجارية العربية لتوسيع رقعة المقاطعة، ومحاولات كبار تجار الحمضيات للحصول على استثناءات عن المقاطعة بسبب الاعتماد الكبير على شبكات التسويق اليهودية، و شراء “بعض التجار الجشعين” البضائع اليهودية المحظورة وتسويقها على أساس أنها كانت في مخازنهم قبل إعلان المقاطعة، وبيعها “بأضعاف أضعاف أثمانها عند اليهود”، وكيف “اشتبكت مصالح العرب بمصالح اليهود في جميع نواحي الحياة”، ثم الإدارة غير الدقيقة لنظام شهادات المنشأ للحمضيات العربية التي “سادته الفوضى بعد حين فأصبحت هذه التصاريح تعطى يميناً وشمالاً على بياض فيملؤها المصدرون وتتسرب الحمضيات اليهودية إلى البلاد العربية…”، وغيرها وغيرها من الأمثلة لسوء التحضير وقلة التخطيط والدراسة والالتزام النخبوي “اللّين” بخطوط وأهداف المقاطعة التي “كما هو معروف قضية أخلاقية وعقيدة وإيمان قبل أن تكون أوامر تصدرها هيئة وطنية فيطيعها الناس…أو تفرضها أداة تفتيشية مهما كانت ميزات أو أخلاق القائمين عليها”.
ويختتم حسين فخري قراءته لتلك التجربة وهو يتحسر على السنوات الـ30 الضائعة في المواجهة مع الحركة الصهيونية التي لم يتم فيها التمهيد للمقاطعة بينما في 1946 “اردنا القيام بعمل جبار بظرف بضعه أشهر نقيم فيها المصانع لنستقل بإنتاج ما نحتاجه ونؤلف الشركات الكبيرة للاستيراد والتصدير، وفاتنا القطار هذه المرة كما فاتنا في مرات عديدة سابقة…”
فيبقى السؤال بمحله: هل تعلمنا شيء من كل هذه التضحيات والتجارب والمواجهات قد تطمئن بأن المقاطعة اليوم لن يواجه نفس مصير سابقاتها؟ هل الاقتصاد الفلسطيني اليوم بوضع يسمح له بخوض “حربٍ اقتصادية اجتماعية لا هوادة فيها” كما كان يدعو أمثال حسين فخري، للانفصال عن الهيمنة الإسرائيلية وكسر الطوق التجاري والمالي المفروض و”تشابك مصالح العرب بمصالح اليهود”؟
مع أن الإجابة على هذه التساؤلات تحتاج إلى مقال آخر في مناسبة أخرى، هناك بريق صغير من الأمل في الإحصاءات الاقتصادية الفلسطينية اتركها للقارئ الكريم للتفكير بأهميتها، وهو التطورات الأخيرة في القطاعات الصناعية الفلسطينية (الاستخراجية والتحويلية والطاقة) التي لطالما تراجعت حصتها في الإنتاج المحلي الإجمالي منذ 1994 (حين كانت حصتها تفوق 20%). لكنها استطاعت، وبالرغم من كل ما يواجه الاقتصاد الوطني من عراقيل إسرائيلية وغياب للدور الإنمائي للدولة، بأن تزيد حصتها من 13% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 16% عام 2013، وفي شهر حزيران 2015 سجل الرقم القياسي للإنتاج الصناعي الفلسطيني ارتفاعا بنسبة 8% عن الشهر السابق (و3% عن حزيران 2014)، في فروع الصناعة التحويلية اساساً. مما يدل على وجود النواة الصلبة الأولى”لصناعة وطنية” نشطة يمكن للسياسات العامة رعايتها وتحفيز نموها وتوسعها لكي توفر السند المادي والأساس المتين الذي لا بد منه بالتوازي لجعل المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل فعلاً وليس كلاماً.
وهذه هي البشرى السارة من فلسطين!
بقلم : رجا الخالدي (متخصص في التنمية الاقتصادية عمل لدى الأمم المتحدة بين 1985- 2013 ومقيم الآن في فلسطين)
صحيفة القدس
