
فلورنسا- يبدو أن الأوروبيين الذي يتوقون إلى إحياء عملية توحيد القارة قد حولوا انتباههم مؤخراً إلى تاريخ تأسيس الولايات المتحدة. غير أن الكثيرين يرفضون، على الرغم من ذلك، سابقة الولايات المتحدة على أساس أن مشاكل اليوم تختلف كثيراً عن تلك المشاكل التي واجهت الولايات المتحدة وقت إنشائها. وهناك آخرون، وهم أولئك الذين يقبلون فكرة أن مبادئ الفيدرالية ربما تكون مناسبة لمعالجة مشاكل السوق الأوروبية المشتركة، والذين يشعرون باليأس على أساس أن “الشعب الأوروبي” القادر على إنشاء مثل هذه البنية السياسية الجديدة مفقود.
لكن هناك أوجه تشابه مذهلة بين سنوات تأسيس أميركا وبين الأزمة السياسية والاقتصادية الجارية في الاتحاد الأوروبي. والواقع أن إنشاء دستور الولايات المتحدة وميلاد الشعب الأميركي هما من الأسباب التي تمنحنا الأمل في إمكانية حل بعض القضايا الأكثر صعوبة، والتي تواجه أوروبا اليوم.
كانت السنوات التي تلت حرب الاستقلال الأميركية عصيبة. وبموجب وثائق الكونفدرالية (الدستور التمهيدي للولايات المتحدة)، أنشأت المستعمرات البريطانية السابقة الثلاث عشرة سوقاً مشتركة، مع مؤسسات مشتركة، بما في ذلك بنك مركزي. ولكنها أنفقت على الرغم من ذلك قدراً كبيراً من الوقت في خوض نزاعات حول السياسات المالية، والخلافات بين الدائنين والمدينين، والمعارك حول العملة. ونشأت الانقسامات بين الولايات الشمالية والجنوبية، وبين الولايات الأصغر حجماً والأكبر حجماً. وبدا الأمر وكأن البلد الشاب على وشك أن يمزق نفسه إرباً.
وفي ثمانينيات القرن الثامن عشر، أعادت مجموعة صغيرة من الزعماء السياسيين الأميركيين تأطير هذه المشاكل بشكل كامل. وتبقى رؤيتهم الأساسية وثيقة الصِلة بأوروبا اليوم بقدر ما كانت مهمة في الولايات المتحدة آنذاك. فالمشكلة التي واجهت البلاد لم تكن ناتجة عن سوء نية من قِبَل الساسة أو عدم اطلاع أو جهل من جانب المواطنين؛ بل كانت نتيجة مباشرة لبنية سياسية غير مناسبة.
بموجب وثائق الكونفدرالية -كما هو واقع الحال في الاتحاد الأوروبي اليوم- كانت كل السياسات محلية حقاً. فكانت الولايات تعقد الانتخابات لاختيار المسؤولين بشكل فردي، ولم يكن هناك أي مسؤولين منتخبين (أو أحزاب) يخوضون الانتخابات على أساس برامج تتخطى حدود الولايات ذات السيادة. ثم أدرك زعماء مثل ألكسندر هاملتون، وجون جاي، وجيمس ماديسون، وجورج واشنطن، أن هذه البنية تكافئ ضيق الأفق على حساب “المصلحة الوطنية” -المصالح المشتركة بين الولايات الأعضاء في الاتحاد.
في التصدي لهذه المشكلات، اقترح واضعو دستور الولايات المتحدة إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام شعب الولايات المتحدة، وتمكينها بحيث يصبح بوسعها رعاية مصالح الاتحاد بالكامل والتوسط في النزاعات بين الولايات الأعضاء. ولتحقيق هذه الغاية، قرروا تأصيل سيادة الولايات المتحدة في شعبها -وكان ذلك مفهوماً جديداً حقاً.
لكنهم لم يصروا في تعريف مفهوم السيادة الوطنية في “الشعب”، على مبدأ واحد للسيادة. بل اخترعوا بدلاً من ذلك فكرة السيادة المشتركة -نظام الفيدرالية الذي سمح بمستويات متعددة من الحكم وجعل الولاءات المحلية والإقليمية والوطنية متزامنة ومتلاقية بدلاً من كونها متنافسة.
من المؤكد أن لا أحد يقترح أن يستنسخ الاتحاد الأوروبي ببساطة دستور الولايات المتحدة. ولكن المبادئ التي أقرها واضعوه تشكل قيمة واضحة بالنسبة لأولئك الذين يحاولون إيجاد الحلول للتحديات التي تواجه أوروبا اليوم.
لقد ألقى الصراع بين اليونان ودائنيها الضوء على عدم التوافق القائم بين الاقتصاد القاري متزايد التكامل وبين البنية السياسية الأوروبية المشيدة في الأساس حول مصالح ولايات ذات سيادة. وفي غياب حكومة عابرة للحدود وتتمتع بالحافز والشرعية والقدرة على حل الصراع، لجأت اليونان ودول أخرى في منطقة اليورو إلى تحدي كل منها سيادة الدول الأخرى.
حاولت اليونان أولاً -وفشلت- استخدام الاستفتاء لفرض تفضيلاتها على دائنيها، الذين استخدموا بعد ذلك نفوذهم المتفوق لجعل نتائج الاستفتاء صورية وموضع جدال. ووفقاً لأحدث اتفاق بين الجانبين، يتعين على الحكومة اليونانية أن تسعى إلى الحصول على موافقة دائنيها على كل مشروع تشريعي ذي صِلة قبل طلب المشاورة العامة بشأنه، أو حتى عرضه على برلمانها.
إذا فتحت أي صحيفة أوروبية تقريباً، فسوف تجد انتقادات للوزراء والساسة المنتمين إلى جميع التيارات في الأزمة اليونانية. ولكن، وكما كان واقع الحال في السنوات المبكرة من عمر الولايات المتحدة، لا تكمن المشكلة في نوعية الساسة في أوروبا، وإنما في البنية السياسية للاتحاد الأوروبي. وما دام لا أحد من الساسة أو الأحزاب يقدم برامج تتنافس على الأصوات في ألمانيا واليونان، وفي فنلندا وفرنسا، وفي مختلف أنحاء القارة الأوروبية، فإن نشوء الأزمات في المستقبل يظل أمراً حتمياً لا مفر منه. إن ما تحتاج إليه أوروبا هو ساسة أوروبيين واعين.
قد يزعم البعض أن الدعوة إلى إنشاء حكومة وطنية في وسط الاضطرابات الحالية هي أمر غير واقعي. وقد يصر آخرون على الانتظار حتى تنشأ هوية أوروبية قبل ابتكار طرق لإقامة دولة أوروبية موحدة. ولكن التاريخ الأميركي المبكر يقدم هنا أيضاً سبباً لتجاهل المشككين.
تقول أولى كلمات الدستور الأميركي: “نحن شعب الولايات المتحدة”. ولكن، وعلى الرغم من هذا، يشير المؤرخ الأميركي جوزيف جيه. إيليس في كتابه “الرباعية: تنظيم الثورة الأميركية الثانية” إلى أن قِلة في البلاد كانوا يحملون هوية أميركية قوية في وقت كتابة تلك العبارة. فالغالبية العظمى من مواطني البلاد في ذلك الوقت عاشوا حياتهم داخل دائرة لا يتجاوز نصف قطرها ثلاثين ميلاً حول محل ولادتهم؛ وكانت ارتباطاتهم السياسية، إذا كانت لهم أي ارتباطات من ذلك النوع أصلاً، تتعلق بولاياتهم -وليس الاتحاد.
ولم يتبدل ذلك الوضع إلا بعد إنشاء حكومة وطنية. وربما كان دستور الولايات المتحدة متأصلاً في “شعب الولايات المتحدة”، ولكن لم يحدث إلا بعد صياغته حين بدأ أولئك الناس يفكرون في أنفسهم على ذلك النحو.
من الصعب اليوم أن نحدد حجم الدعم في أوروبا -في ظل الانقسامات والشكوك والعواطف- الذي يمكن حشده لصالح وثيقة تبدأ بالكلمات “نحن شعب أوروبا”. ولكن الوضع في القارة الآن ليس أسوأ مما كان عليه في الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الثامن عشر. فقد تطلب الأمر العمل السياسي الجريء لتغيير مسار التاريخ والسماح بميلاد اتحاد جديد ومستقر. وتستحق أوروبا ما لا يقل عن ذلك اليوم.
لازلو بروزت، وديفيد ستارك*
*لازلو بروزت: أستاذ علم الاجتماع ورئيس دائرة العلوم السياسية والاجتماعية في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا. ديفيد ستارك: أستاذ علم الاجتماع في جامعة كولمبيا.
*خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”، 2015.