
تفوح روائح الموت من بعض العواصم العربية، وكأنه يتم تنظيف الأذهان من ركام العروبة المتلاشية لتُستبدل بتشظيات إسلامية وتنوعات إرهابية، ومعها تشتد التعقيدات التقليدية الهائلة بين العروبة والإسلام. وتحفز التشوهات الحاصلة والانقسامات المتفاقمة على تجليس التاريخ «الثوري» الربيعي في مكانٍ ما من الأدمغة نحو يقظات قومية/ إسلامية، يُعاد تشكيلها في مصر، مثلاً، بالاستناد إلى التجربة الناصرية، وفي العراق وسوريا بالاستناد إلى منطق الممانعة والثورة الإسلامية في إيران.
هي عودة شاقة إلى زمن القوميات التقليدية، بقدر ما هي حنين نرجسي يقوى ويشتد أو يضعف ويتراخى، على إيقاعات القتل المتنقل. ويفرز هذا المناخ ضرورة التذكير بالمقولات المعروفة المتكررة التي حفل بها القرن العشرون، والتي تحصر علاقات العرب والمسلمين في نمطين يتوزعان في أربع وحدات جغرافية:
1- النمط التمايزي النظري: أوصل هذا النمط الفكري وللأسف أحياناً العروبة والإسلام، إلى درجة الانفصال التام، كبّل النمط إشكاليات الموضوع بجدليات ونظريات لم تفض إلى نتائج حاسمة، وبقي التمايز صارخاً في القول كما في النصوص بالرغم من الحروب التي أورثها هذا التمايز، وهي لم تخلص الفكر من إرث هذه الجدلية المتراكمة. ويكاد ينحصر هذا النمط في البقعة التي عُرفت بالهلال الخصيب، أي لبنان وسوريا والعراق وفلسطين، على اعتبار أنني أخرج قبرص من مجموعة أنطون سعادة في هلاله، لأنني مثل غيري لم أسمع صياح الديك القبرصي، في تلك البلدان الأربعة وخصوصاً بعدما انفصلت إلى قسمين، وقد أدت كثرة المذاهب والأفكار إلى دفع الفكرة القومية إلى حدود استيراد العلمنة، وحتى الإلحاد، واحتلت العروبة العلمانية حيزاً كبيراً من الحضور السياسي والاجتماعي، وقد ارتكز المفكرون الذين زعموا التنوير في هذا الأمر على قاعدة النزاع مع العصبية الإسلامية/ التركية في الأساس، يلجأون إليها لأدنى الأسباب في ترسيخ فكرتهم المستحيلة. وعلى الرغم من هذا الحراك المستمر بعد النكبات المستمرة التي ألمت بلبنان، ثم بالعراق وسوريا، راح هذا الهلال يتحول إلى هلالٍ من طهران ليصل إلى جنوبي لبنان، وفوق هذا الهلال تدور منذ سنوات أشرس المواجهات بين المذاهب الإسلامية والدول المتحالفة بين شرق وغرب يجمعهما الإرهاب بصيغ ملتبسة.
2- النمط الاندماجي: وينسحب على منظومة الخليج العربي حيث كادت تنتفي مظاهر الالتباس بين العروبة والإسلام إلى حد كبير، لأن الثقافة الإسلامية على مستويات الاجتماع والجهر هي السند والأساس، وهما من منبع ديني واحد. لم يتغير هذا النمط بل ازداد تشدداً وتلاحماً في الدين منذ الثورة الإسلامية في إيران 1979. هذا المستجد الإيراني والحضور الغربي والأمريكي تحديداً، زاد في وطأة النقزة، ليس بين الخليج والأقاليم الأخرى، بل بين دول الخليج التي مدت أيديها غرباً نحو المغرب العربي وشرقاً نحو الأردن بهدف توسيع الرقعة.
يقوى هذا النمط الاندماجي إلى حدود غياب مفهوم العربي غير المسلم، وخصوصاً في بلدان المغرب العربي. منذ أربعة عقود كان زملاؤنا من الطلاب أو الأساتذة الجامعيين في جامعة السوربون يصابون بالصدمات مثلاً، ولا يهضمون فكرة أن يتكلم العربية عربي غير مسلم. وعلى الرغم مما أنجزته وسائل الإعلام والاتصال والتلفزيونات وشبكات التواصل الاجتماعي من تسهيل التقارب بين أبناء العرب، الأمر الذي عجزت عنه جامعة الدول العربية عبر تاريخها وأنشطتها ومؤتمراتها الكثيرة، فإننا مازلنا نجد اليوم نخباً فكرية نتشارك وإياها مؤتمرات وندوات في أقاليم عربية وأوروبية، تعتمرها الدهشة إذ تُصادف عربياً غير مسلم يتكلم العربية. قد يمكن فهم هذا الالتباس المستمر في بلدان المغرب العربي الذي يرى العروبة في الإسلام، والإسلام في العروبة، والتي نعزوها إلى التجانس الجغرافي والتجارب الاستقلالية المتقاربة، وعلى رأسها تجربة الجزائر والرطانة اللغوية التي أورثها الاستعمار. قد يفهم العربي الشرقي العقل المغربي العربي الذي لبس عقل الغرب ومنطقه، وقد يفهم أيضاً الحدة القائمة في طبعه ومعانيها، ولكنه لن يفهم قطعاً تلك الاندماجية المعلنة التي يصعب محوها، لا بعدما أصبحت اللغة العربية لغة عالمية، ولا بعدما راحت الدول الكبرى تتسابق في تعليم سفرائها، وقناصلها اللغة العربية.
يمكن حصر الوحدة الجغرافية الرابعة في مصر التي لم تحسم عبر تاريخها الطويل المصالحة أو التوفيق في إشكاليات العلاقة بين قوميتها المستندة إلى تاريخ غني وقديم، إذ تبرز الأشكال والصيغ والتحولات وفقاً للحكام أولاً، ولعروبتها وإسلاميتها وفي قلبها الأزهر ثانياً، ولمشرقية الأقباط وعروبتهم أو تمغربهم. أما السودان الذي كان أول الداخلين لا إلى التمييز بين العروبة والإسلام فحسب، بل إلى تقسيم جنوبه عن شماله، فقد يذكرنا كيف كان أعضاء الحزب الشيوعي السوداني العريق يفتتحون جلساتهم بقراءة الفاتحة والصلاة ثم الانصراف بعدها إلى مناقشة شؤون الأمة العربية.
بقيت معضلة الاندماج في الشرق الأوسط، بشكلٍ عام، كما في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي، تستقطب جهوداً جبارة لم تنجح بعد لكونها،على الأرجح، تلامس بلاداً لها حضارات متمايزة كثيراً. ولهذا بقيت العين الغربية والأمريكية منصبة في استراتيجياتها المتنوعة على تلك المناطق بشكل حثيث.
إلى أين من هنا؟
إلى إعلان الدين براء من كل ما يحصل وتحريره من التلحف به، في التوظيفات السياسية والعسكرية وجعله شماعة في استقرار المجتمع البشري، وبشكلٍ جامح، عندما تصبح «داعش» ذروة الصورة وقدوتها في بقاع الأرض.