الرئيسية الاخبار الانتفاضة الغائبة: كل شيء هادئ في الضفة الغربية

الانتفاضة الغائبة: كل شيء هادئ في الضفة الغربية

index
يوم 31 تموز (يوليو)، قامت مجموعة من مشعلي الحرائق الإسرائيليين بإلقاء قنابل حارقة على منزل صغير في قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية، وأزهقوا أرواح طفل فلسطيني عمره 18 شهراً ووالده، فيما ذهب الشقيق المتبقي والوالدة إلى العناية المركزة (توفيت الوالدة يوم الأحد الماضي). وقد تم اعتقال الكثير من المتطرفين الإسرائيليين منذ ذلك الحين، لكن الجناة ما يزالون طليقين إلى حد كبير. وكانت تلك المأساة المروعة بمثابة دعوة استيقاظ عاجلة، كما اعتقد الكثير من الساسة الإسرائيليين، من أجل إجراء بحث جدي عن روح المجتمع الإسرائيلي. كما كان يمكن أن يشكل ذلك الحادث شيئاً آخر: شرارة تشعل حريقاً أوسع نطاقاً في الضفة الغربية. ومع ذلك، فإن “الانتفاضة الثالثة” التي لطالما تم التنبؤ بها، فشلت مرة أخرى في التحقق.
للعديد من السنوات الآن، كان المتخصصون في مجال الأمن الإسرائيلي يشعرون بالقلق من أن يفضي هجوم مميت يشنه المستوطنون على المدنيين الفلسطينيين إلى اضطرابات جماهيرية شاملة في الضفة الغربية. وكان التسبب بمثل ذلك الاضطراب، في حقيقة الأمر، هدفاً معلناً للمستوطنين المتطرفين لبعض الوقت. وكما قال كتيب إرشادي تم تعميمه، فإن استهداف السكان الفلسطينيين كان استراتيجية من أجل “خلخلة توازن النظام” عن طريق ربط موارد الجيش والشرطة الإسرائيليين بالمستوطنات، و”إرسال رسالة” ردع للسلطات الإسرائيلية. إذا لم يُسمح للمستوطنين بالاحتفاظ ببيوتهم، فإنه لن يُسمح للحكومة الإسرائيلية بالإبقاء على الضفة الغربية هادئة أيضاً.
في أعقاب الهجوم على قرية دوما الفلسطينية، قام الجيش الإسرائيلي بتحريك أربع كتائب إضافية إلى داخل الضفة الغربية، متوقعاً حدوث الأسوأ. وقد حدثت بعض الاحتجاجات صغيرة النطاق في حفنة من المدن هناك، لكنها سرعان ما هدأت بسرعة. وبالمثل، كان هناك تصاعد في الهجمات على الجنود والمدنيين الإسرائيليين بمبادرات فردية من الفلسطينيين، لكن الضفة الغربية لم تتحول إلى العنف المباشر والفوضى. ويبقى غياب حالة الغليان والاضطراب المستمرين في الضفة لغزاً بالنسبة للكثيرين.
أوامر من أعلى المستويات
كان العامل الأهم في تحويل التوترات العالية السابقة إلى صراع مفتوح مرتبطاً دائماً بالتنظيم والتشجيع اللذين يقدمهما نوع من القيادة الفلسطينية. وحتى الانتفاضة الأولى، الثورة الشعبية التي اندلعت اسمياً بسبب حادثة وفاة معزول بحادث سير في قطاع غزة في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1987، استمرت لسنوات بالتحديد بسبب وجود بنية تحتية منظمة تديرها اللجان المدنية المحلية والتجارية والطلابية، والتي توسعت فيما بعد لتشمل منظمة التحرير الفلسطينية (الحركة الأم العبر وطنية للسلطة الفلسطينية).
كما قامت القيادة الفلسطينية أيضاً بإذكاء لهيب الانتفاضة الثانية التي اندلعت في أيلول (سبتمبر) من العام 2000، بعد زيارة زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك، آرئيل شارون، الاستفزازية للحرم القدسي. وقد نظم ياسر عرفات، الذي كان في ذلك الحين رئيساً للسلطة الفلسطينية، تظاهرات جماهيرية وعنفاً مباشراً. وطالب عرفات بمسيرة “مليون شهيد” إلى القدس، وأطلقت حركته، فتح (التي تهيمن على السلطة الفلسطينية) جناحها المسلح الخاص، “كتائب شهداء الأقصى”. وكان الكثيرون من هؤلاء المتشددين، قبل اندلاع أعمال العنف، أعضاء رسميين يرتدون الزي الرسمي لقوات أمن السلطة الفلسطينية.
لعبت القيادة الفلسطينية دائماً دوراً حيوياً في إدارة التوترات خلال الأوقات الحديثة. وعلى سبيل المثال، كانت الحادثة الوحيدة الأكبر من الاضطرابات التي وقعت في الضفة الغربية منذ الانتفاضة الثانية، هي التي حدثت في الصيف الماضي، في ذروة حرب غزة بين إسرائيل وحماس. وفي ليلة 24 تموز (يوليو)، سار ما بين 10.000 إلى 25.000 فلسطيني إلى نقطة تفتيش قلنديا بين رام الله والقدس. وقبل ذلك، كانت معظم المسيرات في القدس تضم بضع عشرات من المتظاهرين، ونادراً ما تجاوز العدد بضعة آلاف.
كما قال لي مسؤول استخبارات فلسطيني بعد ذلك، فإن المسيرة إلى قلندية لم تكن انفجاراً عفوياً للعواطف. كما أنها لم تكن حدثاً أشرفت عليه حماس. كانت فتح هي التي نظمت تلك التظاهرة، من أجل السماح للجمهور بـ”تنفيس غضبه” بينما يتم “توجيه غضب الناس في اتجاه إسرائيل، وليس ضد السلطة الفلسطينية”، كما شرح لي المسؤول. وأضاف أن قيادة فتح أرادت أن يُنظر إليها على أنها تدعم الشعب، بينما تقوم في الوقت نفسه “بالاحتفاظ بنوع من السيطرة”.
تحولت تظاهرة تلك الليلة بسرعة إلى أعمال شغب؛ حيث استهدف المتظاهرون قوات الأمن الإسرائيلية بالقنابل الحارقة، والحجارة، بل وحتى بالنار الحية من مسلحين كان يعتقد بأنهم يطلقون النار تمجيداً لشهداء كتائب الأقصى الذين كانوا هاجعين لسنوات. ومع ذلك، كانت أحداث تلك الليلة عرضاً لمرة واحدة. وفي الجزء الأكبر، سعت السلطة الفلسطينية إلى احتواء التظاهرات أكثر من التغاضي عنها، ناهيك عن تنظيمها بنشاط.
لطالما أساء المسؤولون الإسرائيليون فهم ذلك. وعلى سبيل المثال، في الرد على حرق المراهق الفلسطيني محمد خضر حياً حتى الموت على يد متطرفين إسرائيليين في الصيف الماضي، اندلعت الاضطرابات في العديد من البلدات في داخل إسرائيل والقدس الشرقية، ولكن ليس في الضفة الغربية. ووسط التوترات المتصاعدة وموجة من الهجمات التي وقعت في القدس، ألقى العديد من الساسة الإسرائيليين اليمينيين باللوم على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لتحريضه على الاضطرابات، ووصفوه بأنه “إرهابي”. وفي ذلك الحين، رفض رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الداخلية نفسه، يورام كوهين، هذا التقييم، وقال للنواب إن عباس “ليس معنياً بالإرهاب ولا يقود (شعبه) نحو الإرهاب. كما أنه لا يفعل ذلك تحت الطاولة”.
يفسر رفض السلطة الفلسطينية تشجيع العنف السبب في أن الضفة الغربية بقيت هادئة، حتى بعد هجوم دوما الأخير. وقال جبريل الرجوب، أحد كبار قادة فتح، في حديث لصحيفة إسرائيلية: “لو أنها كانت هناك خطة… لدفع الفلسطينيين إلى صدامات في الشوارع، لكان الوضع الحالي مختلفاً جداً. لكن القرار كان واضحاً، وكان قادة الأجهزة الأمنية (للسلطة الفلسطينية) حاضرين، وفهموا اللهجة، وتعليماتهم”.
ما تزال قوات مكافحة الشغب التابعة للسلطة الفلسطينية تتصرف كعازل أولي في احتوائه التظاهرات والمسيرات الاحتجاجية في المدن الفلسطينية، قبل أن تتمكن من الوصول إلى نقاط تفتيش الجيش الإسرائيلي والمستوطنات. كما قامت قوات الأمن الفلسطينية والمخابرات بشن حملة غير مسبوقة ضد حماس في الضفة الغربية، واعتقلت أكثر من ألف شخص من نشطاء المجموعة في العام الماضي. كما أن شبكة الرعاية الهائلة التي تديرها فتح، والتي تصل إلى كل عناصر الحياة المؤسسية الفلسطينية -مكاتب الحكومة، والمدارس، والمساجد- لم يتم تحشيدها لتخرج إلى الشوارع.
شريك للسلام؟
على الرغم مما يختار العديد من الإسرائيليين أن يصدقوه، فإن لديهم فعلاً شريكاً على الجانب الفلسطيني، حتى لو كان معيباً بقدر ما هو. لقد أبقت السلطة الفلسطينية الضفة الغربية مستقرة نسبياً، فيما جاء في جزء منه كوسيلة للحفاظ على الذات وبالتعاون مع إسرائيل، وإنما أيضاً كموقف مبدئي ضد استخدام العنف. وكان عباس قد قال في العام 2010: “إن شعاري منذ اندلاع الانتفاضة الثانية كان أنه يجب وقفها، لأن النشاط المسلح دمرنا، وقد دمرنا حقاً في الحقيقة”. وكان يمكن أن يبنى على مثل هذه المصالح الاستراتيجية المشتركة مع كيان عربي مجاور وتوسيعها، في سياق سياسي مختلف. لكنه يجري في حالة السلطة الفلسطينية تجاهل هذه المصالح المشتركة.
على الرغم من النفي الرسمي الذي صدر مؤخراً عن مكتب رئيس الوزراء، ثمة شائعات مستمرة تقول بأن إسرائيل كانت تتفاوض بشكل غير مباشر مع حماس حول إقرار هدنة طويلة الأمد. وبعد سنة فقط من خوض الطرفين حرباً وحشية لمدة 50 يوماً، أصبح البعض ينظرون إلى حماس كعازل ضد الفوضى وصعود “داعش” في قطاع غزة. وليس ثمة مفاوضات مماثلة تجري حالياً مع السلطة الفلسطينية، شريك إسرائيل الأمني في الضفة الغربية. وكما عبر عن الحال قائد المعارضة الإسرائيلي، إسحق هيرتزوغ، فإنه يبدو أن سياسة الحكومة الإسرائيلية هي “التحدث مع حماس وعزل أبو مازن”.
بالنسبة لإسرائيل، كما يبدو، فإن السياسة الواقعية هي التي تأخذ الأسبقية، إلا عندما تكون مسائل الأيدلولوجيا، والسياسات المحلية، وأراضي الضفة الغربية داخلة في الموضوع. ليست هناك انتفاضة ثالثة هنا الآن -ليس بفضل نعمة الله، وإنما بسبب القرارات المدروسة التي يجري اتخاذها في رام الله. وبالنظر إلى انعدام اليقين المقيم الذي يحيط بخلافة الرئيس عباس، فإنه ثمة سؤالاً يظل مفتوحاً: إلى متى ستستمر السلطة الفلسطينية في اتخاذ نفس النوع من القرارات؟ ربما ستندم الحكومة الإسرائيلية على عدم التحدث إلى عباس بينما كانت لديها الفرصة.

نيري زيلبر* – (فورين أفيرز)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*صحفي وباحث في سياسات الشرق الأوسط وثقافاته، وزميل مشارك في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
The Missing Intifada: Mostly Quiet in the West Bank
ala.zeineh@alghad.jo
@alaeddin1963
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version