المزيد من الفلسطينيين في القدس الشرقية يحصلون على الجنسية الإسرائيلية، ويتعلمون اللغة العبرية، ويعيشون في الأحياء اليهودية. ولكن، هل يؤثر ذلك على هويتهم الأصلية؟
* * *
القدس- ترعرت سهى، المحامية الفلسطينية الشابة، في القدس الشرقية، وحصلت على شهادتها الجامعية من الضفة الغربية، ثم أخذت دورة مكثفة في اللغة العبرية من أجل اجتياز الاختبار الإسرائيلي.
الآن، تخطط سهى لاتخاذ الخطوة التي كانت تعد من المحرمات بين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي في المدينة المقدسة المتنازع عليها بشدة: أن تقسم يمين الولاء لدولة إسرائيل حتى تكتسب الجنسية والمواطنة.
تقول سهى التي رفضت الكشف عن اسمها بالكامل حتى لا تخاطر برفض السلطات الإسرائيلية طلبها: “هناك الكثير من الناس الذين يتقدمون بطلبات للحصول عليها، حتى أن هناك أناساً لا يمكن أن تتوقعهم أبداً: مثل شيوخ بلحى. المحامون الذين أعمل معهم كلهم حاصلون عليها. إنني لا أرى الاحتلال يذهب إلى أي مكان. في نهاية المطاف، سوف أفعل ذلك”.
منذ احتلت إسرائيل القدس الشرقية وقامت بضمها على الفور في العام 1967، عاش مئات الآلاف من سكان المدينة الفلسطينيين في حالة “ليمبو”. وحتى بينما أتاحت لهم بطاقات الإقامة الزرقاء التي يحملونها المنافع الاجتماعية الإسرائيلية وحرية التنقل، فإنهم ظلوا موالين لمواطنيهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقاوموا النظام الإسرائيلي.
وعنى ذلك اختيارهم المناهج الدراسية الفلسطينية والأردنية وتجاهل الدراسات العبرية، ومقاطعة انتخابات بلدية القدس، كما فضل هؤلاء المقدسيون الاحتفاظ بوضع الإقامة الدائمة الأقل درجة على حمل الجنسية الإسرائيلية الكاملة.
مع ذلك، بدأ تحول طفيف في هذا التوجه خلال السنوات الأخيرة، حيث شرع عدد متزايد من الفلسطينيين في تبني عناصر من إسرائيل، بما في ذلك المئات من المتقدمين للحصول على الجنسية في كل عام، بينما لم يكن هناك حتى طلب واحد لهذه الجنسية ذات مرة. كما أن الفلسطينيين ينتقلون على نحو متزايد أيضاً للسكن في الأحياء اليهودية من القدس الشرقية، في حين أن آخرين يدرسون العبرية من أجل الالتحاق بالكليات والجامعات الإسرائيلية.
هذه الظاهرة تبدو أكثر إدهاشاً بالنظر إلى أنه منذ عام واحد فقط، اندلعت أعمال شغب واسعة النطاق وعلى مدى أشهر في الأحياء الفلسطينية في القدس، والتي عكست مدى الإحباط الذي تولد على مدى سنوات من الإهمال، والمستوطنات الزاحفة، والتمييز. وقد ردت إسرائيل على ذلك بحملة من الاعتقالات وقامت بنشر حواجز الطرق على نطاق واسع، بينما عانت العلاقات بين المناطق العربية واليهودية المجاورة.
ليس هناك سبب واحد يفسر هذا التحول في المواقف الفلسطينية. ويبرر العديد من المقدسيين خطوة الحصول على الجنسية باعتبارها تكتيكاً براغماتياً للبقاء، والذي يضمن أن لا تقوم إسرائيل بتجريدهم من وضع الإقامة في القدس، كما فعلت في الماضي مع الآلاف من الفلسطينيين الذين غادروا المدينة. وسوف تسمح لهم الجنسية الإسرائيلية بالخروج إلى ما وراء حاجز العزل الأمني الذي أقامته إسرائيل منذ 10 أعوام، من دون التضحية بحقهم في العودة يوماً ما إلى القدس الشرقية.
ويقول آخرون إن التحرك في اتجاه إسرائيل يهدف إلى تحسين نوعية حياتهم أو زيادة فرص العمل المتاحة لهم.
يقول جمال النتشة، وهو محام من منطقة بيت حانون في القدس الشرقية، والذي يساعد في الوساطة لإبرام صفقات شراء العقارات للفلسطينيين في المناطق اليهودية المجاورة: “السياسة شيء، والحياة اليومية شيء آخر”.
“أيتام سياسيون”
يقول فلسطينيون ومحللون إن سعي بعض فلسطينيي القدس الشرقية إلى دمج حياتهم بشكل وثيق مع إسرائيل يرتبط أيضاً بالجغرافيا السياسية. فقد وصلت عملية السلام إلى توقف في السنوات الأخيرة، مما يقلص احتمالات أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية في أي وقت قريب.
ويقول نير حسون، مراسل صحيفة “هآرتس” الذي يغطي القدس: “ليست هناك مفاوضات، ولا تمكن رؤية دولة فلسطينية في الأفق… الناس يقولون: دعونا نقم بتحسين حياتنا قدر الإمكان”. وهو يصف التغير في المواقف والممارسات بين فلسطينيي القدس الشرقية بأنها عملية “أسرلة” Israelification.
ومن جهته، يصف داود كتاب، الصحفي الفلسطيني المقيم في عمان، الأردن، الفلسطينيين الـ300.000 الذين يقطنون المدينة بأنهم “أيتام سياسيون” عالقون بين السلطة الفلسطينية -الممنوعة من العمل في القدس- وإسرائيل. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن تحركات مثل الحصول على الجنسية الإسرائيلية هي آلية “دفاعية”.
لكن ناريمان قوارين، وهي محامية زميلة لسهى، والتي تقدم الخدمات للفلسطينيين الراغبين في الحصول على الجنسية الإسرائيلية، تقول إن هذه الخطوة “ليست عملاً من أعمال اليأس”.
هناك فترة انتظار لمدة تسعة أشهر للحصول على موعد لبدء العملية، بسبب كثرة الطلب على الجنسية، كما تقول؛ حيث يتم سحب استمارة التجنس الإسرائيلي من وزارة الداخلية، حتى عبارة “القدس الشرقية” مكتوبة على القمة. وتقول: “الناس لديهم حافز للقيام بذلك. إنهم يشعرون بالتشجيع لإحداث تغيير إيجابي في حياتهم”.
تكتيك للبقاء
تبدو متطلبات المواطنة الإسرائيلية عادية في البداية؛ حيث يحتاج المرشحون إلى تقديم وثائق مثل عقد إيجار أو فواتير البلدية لإثبات أنهم يعيشون فعلاً في المدينة.
ولكنها ليست خطوة بسيطة لأي فلسطيني في حقيقة الأمر؛ إذ يجب على أولئك الذين يحملون الجنسية الأردنية أن يوافقوا على التخلي عنها؛ ويجب على المتقدمين أن تثبتوا معرفتهم باللغة العبرية، وأن يشرحوا كتابة لماذا هم مرتبطون بإسرائيل، وأن يقسموا يمين الولاء للدولة اليهودية.
دائرة السكان الإسرائيليين، وسلطة الهجرة وهيئة الحدود، رفضت كلها تزويدنا بعدد الفلسطينيين المجنسين. ومع ذلك، ذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن 3.300 فلسطيني حصلوا على الجنسية بين العامين 2005 و2012، في حين قالت مجموعة حقوق الإنسان الإسرائيلية، بتسيلم، نقلاً عن بيانات من وزارة الداخلية أن 7.600 فلسطيني فقدوا إقاماتهم في القدس الشرقية خلال الفترة نفسها.
وأوضحت المحامية سهى أن الجنسية الإسرائيلية ستعطيها جواز سفر لتسافر به، وصلة غير قابلة للفصم مع القدس. وتقول: “ذات مرة، اعتبر (الفلسطينيون الآخرون) هذا العمل خيانة، والآن أصبحوا ينظرون إليه على أنه تذكرة للبقاء هنا”.
يقول بشار العزة، وهو رجل أعمال فلسطيني يسافر من القدس إلى رام الله، إن هناك تفهماً متزايداً في الضفة الغربية لتحول المقدسيين، باعتباره تكتيكاً للبقاء. ويضيف: “هناك نسبة 70 في المائة من الفقر، و(السلطة الفلسطينية) لا تستطيع أن تساعدهم. ليست هناك دوافع إيديولوجية كامنة وراء الأمر. إنه يتعلق أكثر بعدم وجود خيارات”.
ويضف السيد العزة أنه على الرغم من أن الفلسطينيين في القدس ربما يصبحون أكثر توجهاً نحو إسرائيل، فإنه لا يرى هذا الاتجاه على أنه تحوُّل إلى تعايش أكثر عمقاً. ويضيف: “لقد عشنا متباعدين جداً لفترة طويلة جداً. إنهم ينظرون إلينا بتحيز. ليست هناك حاجة إلى تغيير ثقافي”.
الانتقال إلى الأحياء اليهودية
شكل العيش في الأحياء اليهودية من القدس الشرقية محرماً آخر، والذي يقوم الفلسطينيون الآن بكسره. وقد أصبحت المجتمعات التي ينظر إليها المجتمع الدولي على أنها مستوطنات غير قانونية ويعتبرها الفلسطينيون أراضٍ مسروقة، نقطة جذب للفلسطينيين الذين يبحثون عن ظروف معيشية أفضل.
يقول السيد النتشة: “كان المألوف هو أن يكون الأشخاص الذين يعانون من سمعة سيئة هم الذين يعيشون مع الإسرائيليين. لكن ذلك شرع الآن في التغير. إنه أمر طبيعي. بعض الناس يحبون أن يكونوا على الجانب اليهودي من أجل الخصوصية”.
ويعرض السيد النتشة قائمة قصيرة بالعقارات المتاحة للاستئجار في الأحياء العربية شمال بيت حنينا وشعفاط. ويشكل عدم وجود السكن والبناء الجديد في الأحياء العربية من القدس عاملاً آخر يجبر الفلسطينيين على النظر إلى المناطق اليهودية للعثور على سكن، كما يقول.
دفع تشييد الحاجز الأمني الإسرائيلي حول القدس السيدة ساري سعيد إلى مغادرة المدينة الفلسطينية، أبو ديس -الضاحية المقدسية التي تقع على جانب الضفة الغربية من الحدود- والانتقال إلى مدينة القدس حتى لا تخاطر بفقدان إقامتها. وتعيش مصففة الشعر التي في أواسط العمر الآن في حي بسغات زئيف اليهودي الذي ما يزال ينمو، لأنه أرخص من السكن في منطقة بيت حنينا المجاورة الراقية. وتقول سعيد: “الاستئجار هنا يحل الكثير من المشاكل. أنا سعيدة جداً هنا، والمكان قريب جداً من العمل”.
عادة ما يواجه السكان الفلسطينيون المحتملون التمييز من أصحاب الأملاك الإسرائيليين الذين يقاومون التعاملات مع العرب، كما يقول النتشة. ومع ذلك “إذا كنت تحترم القانون، فإنهم يقبلونك. بل إن هناك صداقات. بالنسبة لي، إنه اتجاه إيجابي، لأن قدرنا هو أن نعيش معاً”.
وحتى حي الأثرياء في التلة الفرنسية بجوار الجامعة العبرية، أصبح يحظى بالشعبية أيضاً لدى عرب الطبقة المتوسطة في السنوات الأخيرة.
يقول يوسي كلاين هاليفي، الكاتب الإسرائيلي أميركي المولد، مشيراً إلى تدفق العائلات العربية التي انتقلت إلى المبنى الذي يسكن فيه: “إنني لا أحصي. ولكن البعض يفعلون. كان الأمر هادئاً وخالياً من الأحداث”.
منذ أعلنت إسرائيل مدينة القدس عاصمتها الموحدة في العام 1967، استمرت الفجوة بين الشرق والغرب.
اختيار الكليات الإسرائيلية
طوال هذا الوقت، نظر كل من الجانبين في الجهة الأخرى بعيداً عن الآخر: في حين رفض الفلسطينيون المواطنة وقاطعوا انتخابات القدس البلدية، عمد مسؤولو البلدية في القدس إلى إهمال الاستثمار في الأحياء الفلسطينية، وتم منح تصاريح قليلة للغاية لمشاريع سكنية جديدة في الأحياء الفلسطينية.
في السنوات الأخيرة، سعى رئيس بلدية القدس، نير بركات، إلى تكريس المزيد من الموارد لتصحيح هذه الثغرات، ودفع إلى تحسين البنية التحتية للطرق وإلى فتح مدارس جديدة في المناطق الفلسطينية بحيث لا يكون هناك فراغ في السلطة في القدس العربية. وفي الوقت نفسه، يعارض بركات تسوية سياسية يمكن أن تقوم إسرائيل بموجبها بتسليم السيادة على القدس الشرقية.
في الوقت الحالي، هناك نحو 1.900 من طلاب المدارس الثانوية في القدس الشرقية الذين يدرسون من أجل التقدم لاختبارات شهادة الثانوية العامة اللازمة للكليات الإسرائيلية، وفقاً لبلدية القدس، بعد سنوات ركزوا فيها جميعهم تقريباً على الدراسات الفلسطينية والأردنية.
على الرغم من أن قادة المجتمع الفلسطيني، مثل عبد الكريم لافي، يقولون إنهم يخشون أن تكون إسرائيل بصدد محاولة “احتلال عقول” الأولاد عن طرق المناهج المدرسية التي تقدم السرد الإسرائيلي، فإنهم يقرون بأن الدراسة في الكليات الإسرائيلية تعطي الفلسطينيين فرص عمل جيدة.
ويقول المسؤولون في مؤسسات التعليم بعد الثانوية في القدس إن هناك طلباً متزايداً على مؤسساتهم من الطلبة الفلسطينيين -على الرغم من أن الأرقام ما تزال صغيرة نسبة إلى عدد السكان.
تقول كلية هداسا، وهي مدرسة إسرائيلية مقرها في القدس، إن الطلاب الفلسطينيين يشكلون أقل من 10 في المائة من أصل 2000 طالب يدرسون في المدرسة. وتقول الجامعة العبرية المرموقة، التي لديها 12.000 طالب، إنها ستقوم بافتتاح أول دورة تحضيرية للالتحاق بكلياتها، والمصممة خصيصاً لطلاب القدس الشرقية، في خريف هذا العام. وقد ارتفع عدد هؤلاء المتقدمين بنسبة بلغت نحو 50 في المائة، ليصل إلى 154 في العام 2014، ومن المتوقع حدوث زيادة كبيرة أخرى في العام 2015.
إنهم لا يغادرون الحظيرة الفلسطينية
يقول صالح عوض، وهو من عرب إسرائيل ويقوم بتدريس العبرية لطلاب المدارس الثانوية في القدس الشرقية في بيت حنينا، إنه في الوقت الذي يناضل فيه من أجل إقناع طلاب المدارس الثانوية بقيمة تعلم العبرية، فإن هناك المزيد من التقبل للفكرة الآن لدى الشباب في العشرينات من العمر، الحريصين على تعزيز فرصهم في العمل. ويضيف عوض: “إنهم يريدون تطوير مهن وإحراز تقدم في الحياة. والذي يمنعهم هو اللغة”.
هل سيؤدي اعتناق إسرائيل إلى إعادة تشكيل هوية الفلسطينيين من القدس ليكونوا على صورة المواطنين عرب إسرائيل؟ في موازاة غير متوقعة للتهميش الذي يتعرضون له في إسرائيل، يعترف الشباب الفلسطينيون بأنهم يشعرون بالتغريب من قبل مواطنيهم في الضفة الغربية. لكن السيد حسون، المراسل الإسرائيلي، يقول إنه على الرغم من القبول الجديد بالجنسية الإسرائيلية، فإن العرب في القدس لا يتركون الحظيرة الفلسطينية.
ويضيف حسون: “حقيقة أنك إسرائيلي في حياتك اليومية، لا يعني أنك لست فلسطينياً في هويتك”. ويرى رئيس البلدية، بركات، أن هذا هو الحل: سوف نتبنى الفلسطينيين، وستكون لكل شيء نهاية سعيدة. لكن الأمر يظل أكثر تعقيداً بكثير
جوشوا ميتنيك – (كرستيان سينس مونيتور)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة “.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: For some Palestinians in East Jerusalem, a pragmatic ‘Israelification’
ala.zeineh@alghad.jo
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
