الرئيسية الاخبار دبلوماسية القوة التوسطية لكوريا الجنوبية

دبلوماسية القوة التوسطية لكوريا الجنوبية

qna_south-korea-17042015
بيجين – قامت رئيسة كوريا الجنوبية، بارك جيون هيه مؤخراً، وعلى الرغم من معارضة أوثق حلفاء بلادها “الولايات المتحدة الأميركية”، بالوقوف مع الرئيس الصيني شي جينبينج في ميدان تيانمان لمشاهدة العرض العسكري، بمناسبة الذكرى السبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية في آسيا. وقد قدم ذلك القرار أوضح صورة للتحالف الناشئ بين الصين وكوريا الجنوبية، وهو تحالف تعتقد الصين أنه سوف يمنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب باردة.
وينظر اللاعبون الرئيسيون الآخرون في المنطقة -الولايات المتحدة الأميركية واليابان، وحتى كوريا الشمالية- إلى هذه الصداقة المزدهرة بخوف كبير. وتشعر الولايات المتحدة الأميركية أن الصين تقوم بدق إسفين بين أقوى حلفائها في آسيا، أي كوريا الجنوبية واليابان، مما يقوض قدرة أميركا على إحداث توازن مع القوة العسكرية الصاعدة للصين.
كذلك، يشعر رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، يشعر بالقلق من حقيقة أن أقرب جار لبلاده ينجرف إلى المدار الصيني. وفي واقع الأمر، استمرت بارك في صد آبي برفض عقد قمة ثنائية معه احتجاحاً على مزاعم تتحدث عن قيام اليابان بإعادة تفسير التاريخ، وخاصة فيما يتعلق “بنساء المتعة” الكوريات اللواتي تم استخدامهن كعبدات جنس للجيش الإمبرطوري الياباني خلال الحرب العالمية الثانية.
بالنسبة لكوريا الشمالية -والتي يتوجب عليها أن تتعامل مع تحالف كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك تمارين عسكرية مشتركة يبدو أنها لا تنتهي- فإن علاقة الجنوب الناشئة مع الصين، حليف الشمال منذ فترة طويلة، تعد أكثر تهديداً لها، وهو ما يمكن أن يفسر السبب في أن الكوريتين تبادلتا بعد ساعات قليلة من الإعلان عن زيارة بارك للصين إطلاق نيران المدفعية. لكن الجانبين سرعان ما توصلا إلى اتفاق لحسن الحظ -ربما بوساطة الصين- من إجل إنهاء المواجهة العسكرية.
لكن من المرجح أن تشهد شبه الجزيرة الكورية جولة جديدة من الاضطرابات قريباً أيضاً، حيث يقال إن الاحتفالات المقبلة بالذكرى السبعين لتأسيس حزب عمال كوريا الحاكم سوف تتضمن إجراء عرض عسكري كبير واختبار صاروخ بالستي. وطبقاً لسيجرفريد هيكر، المدير السابق للمختبر الوطني في لوس ألاموس في الولايات المتحدة الأميركية، فإن كوريا الشمالية سوف تمتلك 20 رأساً حربياً في ترسانتها النووية بحلول سنة 2016، كما أنها تخطط للتحرك سريعاً من أجل تطوير قدرتها على تصغير الأسلحة النووية.
يبدو من المرجح في هذا السياق أن المظالم التاريخية من اليابان ليست هي المسألة الوحيدة التي تدفع بكوريا الجنوبية إلى أحضان الصين. وفشل أميركا في أن تدفع بشكل عاجل من أجل نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية -وهو موقف يتناقض بشكل صارخ مع الجهود المكثفة التي تم بذلها من أجل التوصل إلى صفقة نووية مع إيران- يعد مشكلة جدية بالنسبة للجنوب. ويبدو أن الصين هي أكثر أهمية مقارنة بأي وقت مضى من أجل تحقيق هدف كوريا الجنوبية المتمثل في إعادة إطلاق المحادثات السداسية المتوقفة منذ فترة طويلة، وذلك للتعامل مع التهديد النووي لكوريا الشمالية.
في واقع الأمر، ما تزال لدى كوريا الجنوبية والصين خلافات عميقة فيما يتعلق بسياساتهما تجاه كوريا الشمالية. ولكن، مهما يكن من أمر، فإن نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وهو أمر حيوي من أجل التحقق من الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل، يعد مصلحة لكلا البلدين بالإضافة إلى اليابان.
لا شيء من هذا يعني أن كوريا الجنوبية تتخلى عن الولايات المتحدة الأميركية لمصلحة الصين، بل إن بارك تريد أن تعمل كوريا الجنوبية كجسر بين القوتين. ويبدو أن الصين تقدر دبلوماسية القوة التوسطية لبارك، نظراً لمصلحتها الاقتصادية في تجنب نشوء كتلتين متنافستين في آسيا. وقد انعكست هذه المصلحة في زيارة شي القادمة للولايات المتحدة الأميركية.
في الماضي، عادة ما كانت زيارات الدولة التي قام بها شي تتصادف مع تحقيق خطوات كبيرة في العلاقة الثنائية. وقد نتج عن زيارته لسول في العام الماضي تعهد كوريا الجنوبية بدعم بنك استثمار البنية التحتية الآسيوي الذي تقوده الصين. ومرة أخرى وعلى الرغم من اعتراضات الولايات المتحدة الأميركية، وقع البلدان في حزيران (يونيو) الماضي اتفاقية للتجارة الحرة.
لقد اعتبرت الصين أن المقاومة القوية الأميركية لبنك استثمار البنية التحتية الآسيوي -الذي اعتبرته تحدياً واضحاً للمؤسسات المالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية واليابان- هي رد فعل مبالغ فيه، والذي يعكس ميل أميركا للنظر في جميع السياسات المتعلقة بالصين تقريباً من خلال منظار التنافس الاستراتيجي. ويبدو أن عقلية “أي شي إلا الصين” تسود بين العديد من صناع القرار الأميركيين، سواء في الشؤون الاقتصادية أو الأمنية.
وحتى بينما يسعى القادة الصينيون لتعميق العلاقات مع مجموعة من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية نفسها، فإن صناع السياسة الأميركيين ينظرون إلى سعي كوريا الجنوبية إلى إقامة علاقات أوثق مع الصين كتهديد مباشر للصدارة الإقليمية الأميركية. ولهذا السبب ضغطت الولايات المتحدة الأميركية على كوريا الجنوبية من أجل التعبير بشكل أكثر صراحة عن معارضتها لسلوك الصين المتعلق بمطالباتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.
إن النهج الأميركي مضلل بشكل كبير. وكما يشير الدبلوماسي السابق توماس كريستينسون في كتابه الأخير “تحدي الصين”، فإن لدى الصين “حوافز رئيسية لتجنب الصراع الذي لا داعي له”. والمشكلة هي أن الولايات المتحدة الأميركية تفتقر إلى الخبرة في “إقناع دولة نامية كبيرة بشكل فريد بتحديات داخلية ضخمة، ولديها ضغائن تاريخية للتعاون بشكل نشط مع المجتمع الدولي”. وبعبارة أخرى، فإن عقلية صناع السياسة الأميركان القائمة على الربح والخسارة ليست خاطئة فحسب، بل إنها تعيق أيضاً قدرة أميركا على استخدام نفوذ الصين من أجل تعزيز الاستقرار الإقليمي بدلاً من تقويضه.
لقد دعا وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر خلال قمة الأمن الآسيوية الرابعة عشرة إلى “بناء إقليمي مشترك”، والذي يمكن جميع بلدان المحيط الهادئ الآسيوية من الصعود بشكل مسالم، وهذا هو النهج الصحيح.
لكنه سوف يكون من المستحيل تحقيق ذلك البناء طالما تستمر الولايات المتحدة الأميركية في الضغط على حلفائها من أجل عزل -إن لم يكن استعداء الصين. ويجب على الولايات المتحدة الأميركية تشجيع حلفاء مثل كوريا الجنوبية وأستراليا وتايلند (وإنما ليس اليابان والفلبين، نظراً لانخراطهما في صراعات إقليمية مع الصين) من أجل المزيد من التواصل مع الصين. وعندها فقط يمكن للولايات المتحدة الأميركية تأمين تعاون الصين في مواجهة تحديات إقليمية عاجلة، والفوز بالتزامها بنظام إقليمي شامل قائم على الأحكام والقواعد.

مينغهاو زاو
*زميل بحث في معهد تشارهار في بكين، وهو زميل مشارك في معهد تشونغيانغ للدراسات المالية في جامعة رينمين الصينية، وعضو في اللجنة الوطنية الصينية لمجلس التعاون الأمني في آسيا الباسيفيكي.
*خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”، 2015.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version