
ما يزال الغرب يقف مذهولاً ومصدوماً أمام “داعش”، وما يزال النقاش حول طابع هذا التنظيم وشخصيته مستمراً. وبأحد المعاني، يبدو هذا النقاش غير مفهوم على الإطلاق، بالنظر إلى ظهور المجموعة المفاجئ ظاهرياً على الشاشة العامة قبل وقت لا يزيد كثيراً على سنة مضت (ولو أن جذورها كانت موجودة منذ وقت طويل قبل ذلك)، مصحوباً بوحشيتها الممسرحة، ووجهات نظرها وأعمالها المتطرفة التي تجعل من تجاهلها أمراً يتاخم المستحيل.
بمرور الوقت، يبدو أن النقاش أخذ يتركز حول ثلاث قضايا رئيسية:
– هل “داعش” مدفوع بحوافز لاهوتية ودينية؟ أم باعتبارات سياسية براغماتية؟
– هل “داعش” حركة منتمية إلى القرون الوسطى في الأساس -أم أنه حركة “حديثة”؟
– هل هذه الحركة قابلة للديمومة؟ أما أنها مجرد نوبة تشنج عابرة، متطرفة وفائقة الرجعية، في عملية التحول المعذَّبة للعراق -البلد الذي ما يزال يحاول التصالح مع واقع تدمير الولايات المتحدة لبنيته التحتية السياسية والاجتماعية؟ والتي تتغذى في سورية على الانهيار المأساوي للنظام عقب سوء إدارة الأسد الوحشية والجسيمة لاضطرابات بواكير الربيع العربي، والتي أنجبت الحروب اللاحقة التي يخوضها وكلاء للاعبين الخارجيين في داخل البلد؟
الإجابة الكلاسيكية عن العديد من مثل هذه الأسئلة عميقة الجذور هي “كل ما سبق”. وليست هذه إجابة شرطية، وإنما تعكس ببساطة مدى تعقيد الظاهرة التي نشهدها.
إن “داعش” هو حركة دينية على نحو لا يمكن إنكاره، باعتبار أنه ينسج على منوال أسس متينة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. وهو يعرف لاهوته ونصوصه، لكنه في الحقيقة بالغ الانتقائية فيما يتصل بالنصوص التي يؤكدها -وربما يصف المرء هذه العملية بأنها “انتقائية تأويلية”، وهي شيء معروف جيداً في كل التقاليد الدينية، عندما يتم استدعاء النص المقدس لخدمة غايات سياسية.
لكن “داعش” هو أيضاً حركة سياسية بلا شك، لأن له أجندة سياسية واضحة (وليست أخلاقية فقط)، واستراتيجية سياسية (ولو أنها مرتجلة في كثير من الأحيان لمواجهة الظروف)؛ وفي حقيقة الأمر، يشكل تأسيس دولة (خلافة) عملاً سياسياً بامتياز، والذي أصبح ممكناً فقط بسبب انهيار العراق.
ولكن، أيهما يأتي أولاً، اللاهوت أم السياسة؟ البيضة أم الدجاجة؟
من واقع خبرتي في النظر إلى حركة الأيديولوجيا في العالم على مر السنين، أجدني أميل باطراد في اتجاه منطق أن الدافع السياسي (أو النفسي في واقع الأمر)، عادة ما يسبق الأيديولوجي ويشكله. وإذا كان للبذرة السياسية أن تنبت وتورق، فإن التربة السياسية/ النفسية التي تقبلها يجب أن توجد أولاً (ولو أن ذلك لا يحدث دائماً بوعي كامل).
ليس الأمر أن أي شخص يتعرض فجأة لأيديولوجية عنيفة يصبح متطرفاً أو عنيفاً فحسب؛ إن الناس يصبحون متطرفين فقط عندما يصبح التفسير الأيديولوجي لبؤسهم الراهن منطقياً فجأة، وعندما يبدو حقيقياً؛ وتأتي القوة التأويلية لتكون بمثابة كشف أو وحي، وتكون الفكرة: “بطبيعة الحال، هذا هو السبب في أن كل هذا يحدث لنا”. وتقترح الأيديولوجية طريقاً نحو التخفف من هذه المعاناة. وبذلك، لا تجد الأيديولوجيا تربة خصبة لتنمو فيها في غياب مواطن ظلم عميقة مخصوصة.
لقد بدت الشيوعية الماركسية منطقية وذات معنى للشباب الأميركيين في فترة الكساد العظيم، وإنما ليس اليوم (ليس بعد على الأقل). ولم تكن هذيانات هتلر النازية لتجد صدى في ألمانيا لو أنها لم تكن موضوعاً لاتجاهات انتقامية سياسية واقتصادية مدمرة، من جهة الحلفاء المنتصرين والمنطوين على رغبة الانتقام بعد الحرب العالمية الأولى. وربما لم تكن الثورة الروسية وكاريزما لينين ليذهبا إلى أي مكان لولا الظروف البائسة التي سادت في روسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى. والأمثلة على هذه الاتجاهات وفيرة.
السبب المباشر لظهور “داعش” الدرامي على الساحة ونجاحه المفاجئ لم يكن ليتسنى بوضوح من دون تدمير النظام السياسي والاجتماعي للعراق والاحتلال الأميركي هناك. كما لعبت مظالم أخرى متنوعة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب، وكذلك في الشرق الأوسط، بنفس المقدار لصالح دعم رسالة “داعش”.
تقوم رسالة “داعش” السياسية والثقافية والأيديولوجية على ثيمات إسلامية عميقة (وإنما انتقائية) -رمزية الخلافة، والتبني الحرفي لممارسات إسلامية مبكرة- لكنها ليست عميقة التردد بما يكفي لجعل معظم المسلمين راغبين حقاً في اعتناقها. ولم يختر معظم القاطنين في مناطق “الدولة الإسلامية” التي صنعها “داعش” فعل ذلك على أي حال، وإنما اختارهم “داعش” عن طريق احتلال المناطق التي يعيشون فيها. وسوف يصبح بيع رسالة “داعش” أكثر صعوبة عندما تعرض تأويلات أكثر حداثة للإسلام السياسي (مثل جماعة الإخوان المسلمين) بديلاً إسلامياً معاصراً وأكثر قابلية للتطبيق.
هل “داعش” مفهوم ينتمي إلى القرون الوسطى؟ أم أنه مفهوم حديث؟ الأمران معاً. إن تعاليمه اللاهوتية تنبع فعلاً من الفترات الأبكر للإسلام، والتي تم أخذها حرفياً في معظم الأحيان -ومن هنا يأتي زعمه المتواصل لـ”المصداقية”. لكن “داعش” هو حركة حديثة تماماً في استخدامه للإعلام، والتكنولوجيا، والعلاقات العامة، واستفادته من المعرض الدولي، ونظرته الاستراتيجية العالمية، واستغلاله للخصومات والمنافسات الدولية القائمة في المنطقة.
كانت حركة طالبان، على سبيل المثال، والتي تروج أيضاً نظرة رجعية جداً للإسلام، جاهلة تماماً فيما يتعلق بتطوير قصة علاقات عامة موجهة للجمهور الدولي والحديث البارع في أمور التكنولوجيا من الشباب المسلم المطبوع بالطابع الغربي.
ولذلك، نحن في حاجة إلى تفسير شامل لظاهرة “داعش”، والذي يضم التفسير الديني والسياسي على حد سواء، وينطوي على وعي بطبيعة الحركة المتعلقة بزمن “العصور الوسطى” وشخصيتها “الحديثة” على حد سواء.
وماذا عن قدرة “داعش” على البقاء؟ لطالما قلت في أكثر من مكان بأنني لا أعتقد أن نموذج “داعش” له الكثير من المستقبل. إنني لا أعتقد أنه يستطيع حقاً أن يدير دولة لوقت طويل من دون استعمال التقنيات القمعية والحرب الدائمة. إن “حلوله” للعلل الإسلامية ليست حلولاً حقاً –وهي حقيقة ستصبح أكثر وضوحاً باطراد أمام أولئك الذين يعيشون في داخل حدوده أو خارجها على حد سواء.
للأسف، يتسبب “داعش” في هذه الأثناء بضرر ثقافي مذهل، ويقوم بتعذيب وقتل الكثير من الناس (معظمهم من المسلمين) في أعمال تهدف إلى إحداث الصدمة بـ”أصالتها”. لكن عدد الوفيات التي يتسبب بها “داعش” تشحب هي نفسها إذا وُضِعت بجانب الدمار والموت المستمرين الناجمين عن أكثر من عقد من الحرب المفروضة غربياً.
لماذا تبقى هذه النقاشات مهمة؟ لا أعتقد أن الغرب نفسه يمكن أن ينزع الصدقية عن “داعش” ويشكك فيه على أسس لاهوتية؛ إن الدوافع الغربية تبقى دائماً مشبوهة تماماً وموضع شك. ومع ذلك، يستطيع المسلمون الاضطلاع بهذه المهمة. لكن من المؤسف أن بعض رجال الدين المسلمين الذين يشجبون “داعش” يفتقرون إلى الصدقية الحقيقية هم أنفسهم، بما أنه يُنظر إليهم على أنهم رجال دين “مستأجرون”، والذين يعملون لصالح الأنظمة الاستبدادية القائمة.
لكن العالم أصبح يدرك بالتدريج أن “داعش” ليس هو المستقبل الذي يتطلع إليه معظم المسلمين على الإطلاق. وفي نهاية المطاف، تحتاج القوى الإسلامية نفسها إلى الانقضاض على “داعش”، على الرغم من أن قلة من الأنظمة الإقليمية تمتلك الكثير من الصدقية هي نفسها أيضاً. ويجب أن يكون الدور الغربي في هذه العملية حذراً ومحدوداً.
ولكن، وقبل كل شيء، سوف تشكل استعادة النظام السياسي والاجتماعي في العراق وسورية شرطاً مسبقاً لا غنى عنه لرد “داعش” نفسه على أعقابه. وينبغي أن يحتل إيجاد حلول للأزمات في كلتا الدولتين أولوية قصوى.
غراهام ي. فولر* – (ميدل إيست أونلاين)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة.
*مسؤول كبير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ومؤلف العديد من الكتب حول العالم الإسلامي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Islamic State Conundrum
ala.zeineh@alghad.jo