كلام كثير قيل عن عقد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، الذي كان قد دعي إلى التئامه منتصف الشهر الحالي، وتم تأجيله إلى نهاية العام، بعد اعتراضات فلسطينية واسعة، على أمل أن يتم حل المشاكل المتراكمة والعالقة والمستعصية، ولم شمل الساحة الفلسطينية بكل ألوانها وأطيافها السياسية، وعدم تحويله إلى أداة لتعميق الانقسام واستجلاب المزيد من الخراب والدمار للقضية الفلسطينية.
يعكس تأجيل انعقاد المجلس الوطني عمق الأزمة في الساحة الفلسطينية بقدر ما يقدم فرصة لحلها ، إذا توافرت الجهود المخلصة والنوايا الصادقة لدى الجميع، سلطة وفصائل مقاومة وشخصيات مستقلة ومؤسسات وطنية، وجرى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الذاتية والفصائلية الضيقة.
فالكل يدرك أن المجلس الوطني الذي لم ينعقد منذ نحو 20 عاماً قد شاخ وأصبح فاقداً للشرعية، وشاخت معه المؤسسات المتفرعة عنه، بما في ذلك اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمجلس المركزي، وبالتالي أصبح تجديد هذا المجلس ومؤسساته ضرورة ملحة، بل أولوية وطنية.
والكل يدرك أن دعوة المجلس للانعقاد بالشكل والطريقة التي جاءت بها في ظل غياب التوافق الوطني وعدم الاحتكام للتقاليد الفلسطينية، يجعل من الهدف ليس استنهاض المنظمة ومؤسساتها ومواجهة المخاطر الجسيمة التي تتهدد القضية الوطنية ،بقدر ما هو إحكام السيطرة عليها وعلى مؤسساتها. ناهيك عن الإحداث الجسام، التي شهدتها هذه الفترة، وانهارت خلالها عملية التسوية، وتضاعف الاستيطان عشرات المرات، وأقيم خلالها جدار الفصل، وتم عزل مدن وقرى الضفة الغربية وتقطيعها إلى كانتونات، وتواصل تهويد القدس ، وأصبح تقسيم المسجد الأقصى أسوة بالحرم الإبراهيمي، على بعد خطوات تنذر باندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة، وأيضا شهد خلالها قطاع غزة، ثلاث حروب طاحنة مع قوات الاحتلال خلّفت آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى ودمار هائل لا يزال ماثلاً ،مع تشريد عشرات آلاف الأسر ومنع إعادة الإعمار حتى الآن، علاوة على الانقسام الفلسطيني الناجم عن سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2006، وكل ذلك لم يستدع انعقاد المجلس الوطني..
حسناً فعلت رئاسة المجلس الوطني التي اتخذت قرار التأجيل، ووفرت فرصة مناسبة يمكن استغلالها للّم الشمل الفلسطيني، وتشكيل لجنة تحضيرية توافقية، تراعي أحجام وأوزان الفصائل والقوى السياسية، بمشاركة ممثلين عن الفصائل والشخصيات الوطنية كافة، لضمان نجاح الانعقاد المقبل، وإقرار استراتيجية وطنية جديدة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني التحرري، وتضمن تفعيل أطر ومؤسسات المنظمة والحفاظ عليها كإطار جامع وبيت معنوي لكل الفلسطينيين ،بما في ذلك حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، ما يفرض ضرورة اجتماع الإطار القيادي المعني لحركتي «فتح» و«حماس» بحضور القوى الفلسطينية كافة للشروع في تنفيذ بنود المصالحة المتفق عليها سابقاً من أجل قيام وحدة وطنية حقيقية في مواجهة المشروع الاسرائيلي، وإلا فإن تأجيل انعقاد المجلس الوطني سيسهم في ترحيل الأزمة بدلاً من حلها، ويؤدي إلى تعقيدها وتعميق الانقسام.
