الرئيسية الاخبار ثقافة السلاح: الولايات المتحدة وإسرائيل

ثقافة السلاح: الولايات المتحدة وإسرائيل

index
في الولايات المتحدة، هناك نحو 88 قطعة سلاح سائبة لكل 100 شخص، وهو ما يعني وجود 300 مليون من هذه الأسلحة قيد التداول. ويشمل ذلك أسلحة هجومية من النوع العسكري، والتي يقدر المتوفر منها بنحو 3.75 مليون قطعة سلاح في أيدٍ خاصة. وتجعل هذه الحالة من الولايات المتحدة المجتمع الحديث الأكثر تسلحاً على وجه البسيطة.
وليست هذه الحالة من التسلح قائمة لأن معظم الأميركيين يريدون الأمور بهذه الطريقة. وكما أشار الرئيس أوباما، فإن استطلاعات رأي قومية متعددة أظهرت أن معظم الأميركيين يريدون أن تكون السيطرة على الأسلحة أكثر صرامة، ولكن ذلك لا يبدو وأنه يحدث فرقاً. لماذا؟ لأن معظم الأميركيين ليسوا منظمين سياسياً بشكل كافٍ حول هذا الموضوع يحيث يستطيعون التغلب على الأقلية -الذين في أغلبهم أعضاء في رابطة السلاح القومية. ونشير في هذا المقام إلى أن الأقلية المتشددة، على الرغم من أنها صاحبة قرار ثقافي، تعرف الحرية، أولاً وفي المقام الأول، على أنها الحق في “جمع” سلاح ناري أو سلاحين أو عشرة، ومن دون تحديد. وهم يعتقدون على نحو منحرف بأن امتلاك سلاح (غالباً أي سلاح) هو “حق بالولادة وجزء أساسي من إرث الأمة”. وهم ينفقون الكثير من الطاقة على إساءة تفسير التعديل الثاني من الدستور، بحيث يثبتون -زعماً- وجهة نظرهم. وبعبارات أخرى، وبالنسبة لهؤلاء، فإن حمل السلاح يعد حجر زاوية في الثقافة الأميركية.
أليس هذا نوعاً من الفساد في العملية الديمقراطية بعض الشيء؟ أولا يجب لتلك العملية المطالبة، في مسائل الأمن القومي (وهذه بالتأكيد مسألة من هذا النوع) بوجوب تغليب سلامة الغالبية العظمى من الأميركيين؟ لسوء الطالع، ليست هذه هي الطريقة الأميركية في السياسة الديمقراطية. وفي الحقيقة، فإن الولايات المتحدة ليست ديمقراطية للمواطنين الأفراد، وإنما هي واحدة خاصة بمجموعات مصلحة متنافسة. فمجموعة المصلحة “رابطة السلاح القومي”، تمول بشكل أفضل وتعد أكثر تأثيراً من الناحية السياسية مقارنة مع معارضيها، ولهذا تكسب على صعيد مسألة تشريع السلاح. وهكذا هو واقع الحال على الرغم من حقيقة أن انتصاراتها تجعل المجتمع أكثر خطورة بكثير مما يجب أن يكون.
تنكر رابطة السلاح القومية تماماً، بحكم الطبع، حقيقة أن التسلح ينطوي على خطورة. وهم ينفون على نحو غير منطقي أن تكون هناك أي صلة بين الثلاثة ملايين سلاح ناري التي يحتفظ بها العامة في البلد، وبين الحقيقة التي تقول إن الولايات المتحدة تسجل أعلى معدلات جرائم القتل نتيجة لحيازة السلاح في العالم “المتقدم”. وتستطيع أن تجد معدلات أكبر لحالات القتل المتصلة بحيازة السلاح. لكن ذلك سيقتضي منك الذهاب إلى أماكن مثل الهندوراس والسلفادور لمشاهدتها. وفي الحقيقة، فإن أفضل ما تستطيع رابطة السلاح القومية أن تفعله في وجه الجنون المميت، والمسؤولة هي عنه بشكل غير مباشر على الأقل، هو تصريح واين لابيير، النائب التنفيذي لرئيس المنظمة، والذي أعلن أن “الشيء الوحيد الذي يوقف ولداً سيئاً معه سلاح هو وجود ولد جيد معه سلاح” –وهو تأكيد مبسط عبثي، يفضي لمحصلة مؤداها أن ما تحتاجه الأمة هو المزيد من الأسلحة، وليس قدراً أقل منها.
ثقافة السلاح الإسرائيلية
بينما طورت الولايات المتحدة ثقافة سلاح مدمر للذات، فإنها ليست فريدة من نوعها بين الأمم “الحديثة”. فثمة أيضاً “شريك” لأميركا في الكثير جداً مما هو عنيف، إسرائيل. ومن الصعب معرفة كم عدد الأسلحة المتوفرة لدى المواطنين اليهود الإسرائيليين. وأتذكر أنني في المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى إسرائيل، وراء في بداية السبعينيات، بدا لي أن الجميع، من الرجال والنساء على حد سواء، كانوا يحملون بنادق عسكرية هجومية. وفي رحلات لاحقة، أصبحت هذه المسألة أقل ظهوراً، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت أقل توفراً.
تعني الخدمة العسكرية الإلزامية علمياً تقريباً، والتي يعقبها التسجيل في الاحتياط النشط، أن معظم المواطنين اليهود ممن هم فوق 18 سنة من العمر لديهم وصول إلى سلاح. وسوف يقيم بعض الإسرائيليين هذا التأكيد بالإشارة إلى أن إسرائيل، على النقيض من الولايات المتحدة، لديها “قوانين سلاح صارمة”، بما في ذلك حظر على اقتناء الأسلحة الهجومية. وبالإضافة إلى ذلك، “يجب على الشخص أن يظهر أيضاً سبباً أصيلاً لحمل سلاح ناري، مثل الدفاع عن النفس”. لكن إسرائيل مكان غير آمن تاريخياً بسبب سياساتها التوسعية وقمعها للفلسطينيين. وعليه، فإن “الدفاع عن النفس” هو فكرة في مقدمة الغالبية العظمى من العقول الإسرائيلية. ووفقاً لييل ليبوفيتز، الذي كتب في مجلة “تابلت”، فإن “الأمر لا يستغرق الكثير من خبير ليدرك أن هذه القيود لا تشكل، بنفسها وفي حد ذاتها، الكثير على طريق السيطرة على السلاح”. ويستطيع كل يهودي إسرائيلي تبرير الحصول على سلاح، وهناك الكثيرين الذين يمتلكون السلاح.
وإذن، لماذا لا نسمع عن جرائم قتل في إسرائيل مشابهة لتلك التي ترتكب في الولايات المتحدة. حسناً، إن ذلك ليس للأسباب المضللة التي ساقها لييل ليبوفيتز في مقاله في “تابلت”، والتي تقول إن الإسرائيليين الذين يمتلكون السلاح أكثر مسؤولية، وإن إسرائيل تقوم، كأمة، بوظيفة أفضل في معاملة الأشخاص القلقين والعنيفين المحتملين. ووفق هذا التأكيد الأخير، يفشل ليبوفيتز في ذكر العدد الكبير من المتشددين الإسرائيليين المسلحين الذين يجوبون المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية. والحقيقة أننا نحن في الولايات المتحدة غالبا ما نسمع النسخة الإسرائيلية من الممارسات المتعلقة بالأسلحة. ولسوء الطالع، فإن معظم الأميركيين لا يميزون في تلك التقارير النوع نفسه من القتل المزمن الذي خلقناه في الوطن.
بينما يستخدم الأميركيون في الغالب أسلحتهم ضد بعضهم بعضا، يستخدم الإسرائيليون بشكل رئيسي أسلحتهم ضد الفلسطينيين. والنتيجة هي المضايقات اليومية، والإصابات وقتل فئة كاملة مخصوصة عرقياً على يد الجنود الإسرائيليين والشرطة والمستوطنين والمدنيين المسلحين الآخرين. ونتيجة لذلك، قتل أكثر من 9.000 فلسطيني وجرح أكثر من 73 ألفاً آخرين منذ العام 2000 فقط. وقد نقل هذا إلى العالم على أساس أنه دفاع عن النفس من جانب الإسرائيليين. ولكن، هل هو كذلك؟ إن هذا التأكيد يصعب أن يصمد عندما يرى المرء القتل العشوائي ومعدل الإصابات بين الضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي الحقيقة، تصل الأرقام إلى معدل يتراوح بين 33 إلى 1، وهو ما يكشف عن عقاب جماعي متواصل ضد الفلسطينيين الذين يتصدون بما يكفي من الجسارة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
إن الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء قد كرستا تاريخياً ثقافات سلاح. وربما يكون ذلك لأن كلا المجتمعين قاما على خلفية غزو الأراضي وأوهام التفوق العرقي ومعاملة قريبة من الإبادة الجماعية للشعوب الأصيلة. وقد أفرز هذا النوع من التاريخ اثنين من التداعيات المتصلة: أولاً، وخاصة بين العناصر الأكثر محافظة وتقليدية من المواطنين، أفرز مخاوفاً في شكل هوس بفكرة الدفاع عن النفس. وثانياً، أقام رابطاً بين حيازة واستخدام الأسلحة القاتلة، وصورة المواطن الشجاع والمستقل الذي يدافع عن الأرض والوطن.
تكمن وراء هذه التداعيات راهناً حالات نفسية، والتي تبدو -ظاهرياً- منيعة أمام الحجة المضادة. فلا التابع المخلص لرابطة السلاح الأميركي، ولا الصهيوني العنيد، منفتح أمام اقتراح أن أفكارهما وأفعالهما الخاصة لها علاقة بالمخاطر وحالات عدم الأمن التي يشعرون بها. وفي كلا البلدين أيضاً، يبدو هؤلاء المتشددون وأنهم المسيطرون سياسياً. وذلك يعني أن كل مواطني هذين المجتمعين “الحديثين” و”المتقدمين”، وحتى أولئك العقلانيين بما يكفي لفهم ما يجري، يكونون عالقين في داخل ثقافات السلاح، وفي دورات العنف المتفجرة التي تنتجها هذه الثق لورنس دافيدسون – (كاونتربنتش)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني افات.
.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Gun Cultures: the USA and Israe

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version