
كان إنهاء الاحتلالات هو السمة المميزة لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية واستسلام ألمانيا النازية. وفي تلك الفترة، قد تم وضع ميثاق الأمم المتحدة؛ وأسست سبع دول جامعة الدول العربية في العام 1945؛ وشكلت 29 دولة غير منحازة من أفريقيا وآسيا مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز في العام 1955. وبفضل إنهاء الاحتلالات، أصبح عدد الدول الأعضاء في الجامعة العربية اليوم 23؛ وهناك الآن 120 دولة في معسكر عدم الانحياز؛ كما قفز عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من 51 في العام 1945 إلى 194 دولة حالياً.
لكنه لا يبدو أن ثمة ضوءاً في نهاية النفق الذي ما يزال الفلسطينيون يسيرون في عتمته خلال القرن العشرين وإلى القرن الحادي والعشرين. ومع أن أجيالاً من الشعب الفلسطينيين كانت وما تزال تناضل من أجل حريتها الوطنية، فإنه ليس ثمة أمل بأن يحقق الفلسطينيون الحرية والعدالة إذا لم يعمدوا سريعاً إلى تغيير المسار. ومن أجل تصحيح المسار، ينبغي إجراء حوار داخلي جدي ونوعي حول ما يعرضه تاريخ الدول الحديثة التي نالت استقلالها من سوابق لا حصر لعددها، والتي تمكن محاكاتها والبناء عليها.
من المفارقات أن الفلسطينيين الذين شكلوا 92 % من السكان وامتلكوا 94 % من الأراضي الفلسطينية القابلة للفلاحة في العام 1920، كانوا من أوائل شعوب العالم التي حاربت الاستعمار. كان الفلسطينيون يطالبون بحريتهم وبحقهم في تقرير مصيرهم في الوقت نفسه الذي كان فيه غاندي، زعيم حزب المؤتمر الهندي، يقود نضاله غير العنيف من أجل حرية شبه القارة الهندية. وقد حققت الهند، أكبر ديمقراطية في عالم اليوم، استقلالها في العام 1947. وثار الفلسطينيون ضد البريطانيين والصهاينة قبل سنوات من ثورة الماو ماو الكينية ضد الحكم الاستعماري البريطاني في السنوات 1952-1960، والتي أعقبها نضال الاتحاد الكيني الأفريقي الوطني تحت قيادة جومو كينياتا. وقد حقق الكينيون استقلالهم أيضاً في العام 1964.
على مدى مئات السنين، عاش العرب الفلسطينيون بسلام مع المجتمع اليهودي القديم في بلدهم، المتحدر من جيل محاكم التفتيش الإسبانية والبرتغالية. وبدأ الصراع السياسي فقط عندما شرعت موجات المهاجرين اليهود في القدوم من روسيا في الأعوام 1903-1905 وما تلا ذلك. وكان معظمهم من المتشددين الصهاينة ذوي الأفكار القومية المتطرفة، والمدعومين من المؤسسات المالية والسياسية الصهيونية العالمية. وقد عكست إيديولوجيتهم موقفهم العدائي تجاه العرب الفلسطينيين.
قامت بريطانيا وفرنسا، المنتصرتان في الحرب العالمية الأولى، بإعادة رسم خريطة الأراضي العربية وأعلنتا دعمهما العلني للمشروع الاستعماري الصهيوني بمنح اليهود وطناً في فلسطين. وقد أعطيت بريطانيا مهمة الانتداب على فلسطين من عصبة الأمم، بهدف قيادة السكان المحليين في اتجاه حكم أنفسهم ثم تحقيق استقلالهم الكامل. لكن بريطانيا قامت بعد صدور وعد بلفور في العام 1917 بخلق المزيد من العداوة بين العرب الفلسطينيين واليهود الاستعماريين.
خلال زيارة قام بها وزير الدولة البريطاني للمستعمرات، ونستون تشرشل، إلى فلسطين في العام 1921، تظاهر الفلسطينيون في المدن والبلدات الرئيسية ضد الانتداب البريطاني ووعد بلفور. وردد المتظاهرون هتافات مناهضة للبريطانيين والصهاينة، وقاموا برشق قوات الاحتلال في الشوارع وهوجمت بعض المؤسسات اليهودية.
كان رد فعل الفلسطينيين العرب على السياسات البريطانية والهجرة اليهودية يتضمن تنظيم الإضرابات والمظاهرات والعنف في بعض الأحيان. وقد اندلعت مشاجرة كبيرة بينهم وبين المستوطنين اليهود في العام 1929 بسبب مسألة الوصول إلى “الحائط الغربي” في القدس، الذي يشير إليه الفلسطينيون المسلمون باسم “حائط البراق”. واندفعت الحشود الغاضبة في شوارع المدن ذات السكان المختلطين من العرب واليهود، وأغلق التجار العرب أبواب محالهم ورُفعت اللافتات والشعارات الدينية والقومية. وخلال تلك المواجهة، قتل 133 يهودياً وأكثر من 100 من العرب.
في السنوات الست عشرة الأولى من فترة الانتداب البريطاني، تدفق المهاجرون اليهود على فلسطين، حتى ارتفع عددهم فيها من 61.000 إلى 385.000. وبعد أن نفد صبر الفلسطينيين ولم يعودوا يتحملون ذلك التساهل البريطاني إزاء هذه الهجرة الكثيفة، تحولوا إلى الإضرابات والكفاح المسلح ضد الاستعماريين البريطانيين واليهود. وأعقبت الإضراب العام الذي استمر لمدة ستة أشهر انتفاضة دموية عفوية تطورت إلى ثورة واسعة النطاق، والتي نجمت عن قتل بعض العرب الذين يعيشون بالقرب من مستوطنة بيتاح تيكفا يوم 15 نيسان (أبريل) من العام 1936. وبعد تعرضهم للانتقادات بسبب تقاعسهم، انضم الزعماء الفلسطينيون التقليديون إلى الميليشيات الشعبية وقاموا بتأسيس اللجنة العربية العليا، لتكون منظمة وطنية تتولى أمر تنسيق المقاومة، والتي كان الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، رئيساً لها.
في تلك الفترة، حاول الحاج أمين تقويض خصومه السياسيين التقليديين في فلسطين، عائلة النشاشيبي. وتم قتل الكثير من الأعضاء البارزين والأنصار المحليين لحزب الدفاع الوطني التابع لعائلة النشاشيبي أو إرهابهم لمغادرة فلسطين. وكان من بين الضحايا رؤساء بلديات وأعضاء في المجالس البلدية، وبعض مخاتير القرى والمربين. وقد عارضت عائلة النشاشيبي ومؤيدوها الثورة، وخاطرت بأن يتهمها الحسيني بالتحالف مع البريطانيين. وجعل الصراع بين العائلات نضال الفلسطينيين ضد البريطانيين والمشروع الصهيوني غير فعال، ومنعهم من خلق المؤسسات الوطنية الدفاعية والمدنية اللازمة للتحضير لدولتهم المستقبلية عندما يتم إنهاء الانتداب البريطاني.
في العام 1938، قررت بريطانيا استخدام تفوقها العسكري لـ”إعادة احتلال فلسطين”. وقامت بإعلان حالة الطوارئ، وأنشأت المحاكم العسكرية واستخدمت أسوأ الأساليب القمعية القاسية في نهاية المطاف لاستعادة النظام وسحق ثورة الفلسطينيين. وفي غضون ذلك، أضافت سلطة الانتداب الآلاف من المجندين اليهود إلى قوة شرطتها. وعندما تم سحق التمرد الفلسطيني، كانت الحصيلة من الخسائر والاقتصادية والبشرية كبيرة بين العرب الفلسطينيين، ولم يتم تحصيل أي تنازلات من البريطانيين. وقد تم تدمير اقتصاد الفلسطينيين العرب، وقتَل البريطانيون أو أعدموا أكثر من 5.000 من الفلسطينيين، وأصيب نحو 14.000، واعتقل نحو 5.679، ونُفي العديد من القادة، وانقطع الأمل في الاستقلال.
في نهاية المطاف، قررت بريطانيا إنهاء انتدابها وتحويل قضية فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 181 في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، والذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين؛ واحدة يهودية على مساحة 55.5 % من الأرض، ودولة عربية على مساحة 43 % منها، ووضع نظام دولي لإدارة منطقة القدس على مساحة 1.5 % من أراضي الانتداب. وحسب ذلك التقسيم، سيفقد العرب السيطرة على السهل الساحلي الغني الذي ينتج الحمضيات، صادراتهم الأكثر قيمة، كما يفقدون السهول الداخلية الخصبة أيضاً. وقبل ديفيد بن غوريون القرار نيابة عن اليهود، ولكن العرب رفضوا بأغلبية ساحقة أحكام القرار التي أعطت اليهود أكثر من نصف بلادهم، على الرغم من أن اليهود كانوا يملكون 5.8 % فقط من الأرض.
قادت الولايات المتحدة المعركة الدبلوماسية من أجل ضمان الموافقة على القرار 181. وأرسى وعد بلفور وقرار التقسيم الأساس للتوترات التي ما يزال الشرق الأوسط يعاني منها حتى يومنا هذا. وأنكرت هذه القرارات السياسية التي فرضها الغرباء على الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير. ولم يكن هناك أي استمزاج شعبي أو استفتاء عام للسكان الشرعيين على أي من القرارين.
كانت الآثار المباشرة لقرار التقسيم دراماتيكية. لم يعترف أي من المجتمعين بوجود الآخر واندلع القتال بينهما على الفور. وبمجرد إنهاء بريطانيا انتدابها في 14 أيار (مايو) 1948، تم الإعلان عن تأسيس حكومة مؤقتة لدولة إسرائيل، وقرأ ديفيد بن غوريون “إعلان الاستقلال”، واعترف به الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة على الفور. ودخلت قوات عربية من مصر وسورية ولبنان والأردن والعراق من أجل حماية الفلسطينيين العرب، ولكن القوات العسكرية المشتركة للدول العربية لم تكن نداً للجيش الإسرائيلي الذي كان له عدد أكبر من الجنود في الميدان، المدربين تدريباً جيداً والذين على دراية بالتضاريس.
استولى الجيش اليهودي على المنطقة المخصصة لليهود بموجب قرار التقسيم وأجزاء استراتيجية واسعة من الأراضي المخصصة للعرب فيه، فضلاً عن المناطق المخصصة للمراقبة الدولية. وفي حرب 1947-1949، هدفت الجهود العربية إلى منع التقسيم وحماية السكان الفلسطينيين العرب، ولكن تحقيق تلك الأهداف لم يعد يبدو في المتناول خلال ربيع وأوائل صيف العام 1948.
عجلت المجازر التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون والمجموعات الصهيونية الإرهابية المسلحة شبه العسكرية ضد القرويين العرب والمقيمين في المدن والبلدات، في نزوح أكثر من 750.000 شخص من منازلهم ليصبحوا لاجئين. كما حرموا من حقهم في العودة إلى ديارهم في حين استمر المهاجرون اليهود بالتدفق على فلسطين. وقامت إسرائيل بتدمير 531 قرية فلسطينية ومصادرة أراضيها بموجب قانون أملاك الغائبين. وعنى التشريد الهائل فقدان الفلسطينيين وطنهم وتدمير مجتمعهم. وكان ذلك نكبة! فقد تم تقسيم البلاد فعلياً، ليس بموجب خطة الامم المتحدة، وإنما بفعل مخرجات الحرب.
بعد النكبة، ضُمت الضفة الغربية إلى الأردن، وانتشرت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جميع أنحاء عمان ودمشق وبيروت وقطاع غزة الذي كان يحكمه الجيش المصري، على الرغم من أنه كان مقطوعاً عن مصر. وكانت الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة من اللاجئين الذين يعيشون في ثمانية مخيمات كبيرة. ولكن، بعد أجيال من تقاسم المصائر المشتركة والتزاوج، أصبح التمييز بين اللاجئين والمواطنين الغزيين أقل أهمية. ولم يكن يُسمح لسكان قطاع غزة بالدخول إلى مصر باستثناء البعض من الطبقة العليا من السكان الأصليين ورجال الأعمال. وكان الفلسطينيون الذين يتواجدون في القاهرة هم فقط أولئك الذين يحملون تصاريح خاصة، في حين كان الحصول على التصاريح لزيارة مصر مرتقى صعباً. وتم منع الفلسطينيين صراحة من العمل في مصر “بأجر أو بدون أجر”، وكان قطاع غزة -وما يزال حتى اليوم- أشبه بسجن كبير؛ وكان الغزيون الوحيدون الذين غادروا القطاع هم المهنيون المحترفون الذين حصلوا على فرص للعمل في دول الخليج.
أصبحت غزة مركز النضال الفلسطيني. فالفلسطينيون الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين المكتظة لا يمكن أن يعترفوا أبداً باتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والدول العربية. وهم يؤمنون بقوة بحقهم في محاربة إسرائيل حتى يعودوا إلى ديارهم الأصلية. وكانت هناك مجموعتان من المقاتلين الفلسطينيين في قطاع غزة، جيش التحرير الفلسطيني الذي يتكون من المقاتلين النظاميين بالزي العسكري، ويخدمون ضمن وحداتهم الخاصة تحت قيادة مصرية؛ والفدائيون غير النظاميين الذين تخصصوا في عبور خطوط الهدنة وشن غارات في داخل إسرائيل. وكان من بين هؤلاء الفدائيين قادة فتح المستقبليون: ياسر عرفات، وخليل الوزير وصلاح خلف.
في الحرب الإسرائيلية الأنجلو-فرنسية التي شُنت ضد مصر في العام 1956 (العدوان الثلاثي)، قامت القوات الفرنسية والبريطانية بتأمين منطقة قناة السويس بينما احتلت إسرائيل قطاع غزة وسيناء في الأيام القليلة الأولى من القتال. وقام الجيش الإسرائيلي بتمشيط مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، بحثاً عن المقاتلين الفلسطينيين، بمن فيهم النظاميين الذين قاتلوا في تشكيلاتهم الخاصة تحت القيادة المصرية، والفدائيين غير النظاميين المتهمين بالتسلل عبر الحدود والقيام بعمليات تخريبية داخل إسرائيل. ولقي المئات حتفهم في الاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي الذي قتل أعداداً غير معروفة من الفدائيين الفلسطينيين بدم بارد. وتم إعدام المزيد من الفلسطينيين من قطاع غزة من الذين كانوا ضمن الأسرى المصريين على يد الوحدات الإسرائيلية في سيناء، بلا محاكمة. وفي النهاية، تم إخراج إسرائيل من قطاع غزة وسيناء، وانسحب البريطانيون والفرنسيون من منطقة قناة السويس بأوامر من الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور من أجل تجنب خوض مواجهة مع السوفيات.
قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، لتكون بمثابة منظمة مظلة لجماعات المقاومة الفلسطينية ولإبقائها تحت السيطرة المصرية.
خلال حرب العام 1967، وسعت إسرائيل نطاق سيطرتها لتشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان السورية. ومع أن تلك الحرب كانت قصيرة جداً، فإن احتلال قطاع غزة لم يكن نزهة أو انتصاراً سهلاً للإسرائيليين. ووفقاً لناثان شاحر، مراسل القدس لصحيفة “داجنز نيهيتر” السويدية، والذي كان شاهد عيان على الحرب، فإن الجنود الفلسطينيين دافعوا عن القطاع بشجاعة وصلابة كبيرتين. ووصف شاحر المعارك التي جرت في مدن خان يونس ورفح بأنها الأكثر دموية في الحرب كلها. وكان المقاتلون الفلسطينيون فعالين ضد دبابات سينتوريون وباتون الإسرائيلية، حتى مع أنهم قاتلوا معزولين عن التعزيزات، ولم يكن لديهم أي دعم جوي. وقد ضحى الآلاف من الفلسطينيين بحياتهم في حرب العام 1967.
أدى فشل الدول العربية في حماية الفلسطينيين من إسرائيل إلى فقدانهم الثقة في إمكانية تحرير الحكومات العربية أياً من أراضيهم. وبعد حرب العام 1967، انضمت حركة فتح بقيادة ياسر عرفات إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وفي النهاية تمكن عرفات من الحلول محل يحيى حمودة في رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبحت حركة فتح هي الفصيل المهيمن في المنظمة. وسمح الملك الحسين عاهل الأردن لأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية بالتحرك في وادي نهر الأردن. وفي 21 آذار (مارس) 1968، قامت إسرائيل بشن هجوم على قاعدة عسكرية لفتح بالقرب من بلدة “الكرامة” الأردنية بالدبابات والمشاة. وفي المعركة، أبدى المقاتلون الفلسطينيون، بمشاركة الجيش الأردني ودعم من المدفعية الأردنية، مقاومة شرسة في معركة دامية. وفي النهاية، تراجع المهاجمون الإسرائيليون تاركين خلفهم أربع دبابات وأربع عربات مدرعة مدمرة. وخسرت إسرائيل 29 قتيلاً من الجنود، وعانى الفلسطينيون من خسارة 97 مقاتلاً، وخسر الأردنيين 129 من جنوده.
عندما ثار الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ضد الاحتلال الاسرائيلي في العام 1988 (الانتفاضة الأولى)، قام المجلس الوطني الفلسطيني، وهو الهيئة التشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بإعلان قيام دولة فلسطينية من جانب واحد على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 181، وأعلن استعداده للاعتراف بدولة إسرائيل. وبعد خمس سنوات، وافق نفس المجلس على اتفاقيات أوسلو، واعترف بإسرائيل وأعاد تأكيد تعهد ياسر عرفات في وقت سابق للرئيس كلينتون بأن “جميع أحكام ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية التي تتعارض مع التزام منظمة التحرير الفلسطينية بالاعتراف والعيش في سلام جنباً إلى جنب مع إسرائيل، لم تعد سارية المفعول”.
على المستوى التاريخي العالمي، هناك تشابه صارخ بين الغزو الفرنسي واستعمار الجزائر في العام 1830 وبين غزو بريطانيا واستعمارها فلسطين في العام 1920. كانت الجزائر هي أول دولة عربية يضمها الغرب. وبعد قرن لاحق، كانت فلسطين هي الأرض العربية الأخرى التي عرضها المستعمرون الأوروبيون على الصهاينة بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى. وقد ثار كل من الفلسطينيين والجزائريين ضد المستعمرين بعزم لا يلين وبقدر هائل من التضحيات. وكانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية قد تأسست رسمياً في العام 1954 وخططت للعصيان والثورة.
بعد سنوات من الحرب الدامية التي أودت بحياة 1.5 مليون جزائري، تفاوضت فرنسا مع جبهة التحرير الوطني ووقعت على اتفاقات إيفيان للسلام في 3 تموز (يوليو) 1962. وأصبح الجزائريون رسمياً دولة مستقلة تسيطر على مصيرها بعد 132 سنة من الاستعمار الفرنسي. لكن الفلسطينيين، على عكس الجزائريين، فشلوا للأسف في تحقيق تطلعاتهم الوطنية. وتفسر الاختلافات البارزة والمدهشة بين الاتفاق الجزائري-الفرنسي في إيفيان وبين الاتفاق الفلسطيني-الإسرائيلي (أوسلو) الذي وُقع في واشنطن في 13 أيلول (سبتمبر) 1993، تفسر هذه الاختلافات جزئياً أسباب فشل الفلسطينيين. فقد استمرت المفاوضات بين جبهة التحرير الوطني وبين حكومة ديغول الفرنسية لأشهر طويلة حول مسألة الصحراء. ومن وجهة نظر ديغول، أصبحت الصحراء ذات أهمية استراتيجية مع اكتشاف النفط الذي يعود إلى فرنسا فيها. لكن جبهة التحرير الوطني رفضت التخلي حتى عن شبر واحد من الجزائر. ومن ناحية أخرى، قامت اتفاقات أوسلو التي تفاوضت عليها القيادة الفلسطينية بإنشاء سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، ولكنها لم تتطرق إلى حق تقرير المصير للفلسطينيين، أو إقامة دولة فلسطينية، أو إزالة المستوطنات الإسرائيلية، أو وضع القدس، أو عودة اللاجئين الفلسطينيين.
بعد قرن من النضال والتضحيات، ما يزال الفلسطينيين يعيشون اليوم في ظل العديد من الأنظمة المتمايزة والمنقسمة بحدة؛ البعض يعيشون في بانتوستانات ومعتزلات غير متصلة تحت السلطة الفلسطينية، حيث يحتفظ الجيش الإسرائيلي والمستوطنون بالسيطرة الكاملة. وآخرون يعيشون في غزة تحت الحصار والقصف والهجمات الجوية المستمرة. ويعيش الملايين من اللاجئين الفلسطينيين في المنفى، مقيدين بقوانين تشبه الأبارتيد في ظل بعض الأنظمة العربية. ويتعفن الآلاف من الناشطين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. لكن رئيس وزراء السلطة الفلسطينية السابق، سلام فياض، وصف الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية بأنها “أكبر تهديد فوري” للفلسطينيين. فهل الأمر كذلك حقاً؟
إن الفلسطينيين هم ضحايا لعدو واسع الحيلة، ونظام عالمي بالغ القسوة، وقادة غير أكفياء. وكبداية، يحتاج الفلسطينيون بالتأكيد إلى تغيير حقيقي للمسار في ظل قيادة جديدة.
حسن عفيف الحسن* –
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
.
*محلل سياسي فلسطيني بارز. كتابه الأخير “هل مات حل الدولتين فعلاً؟”، من إصدار (ألغورا للنشر، نيويورك).
*نشر هذا المقال تحت عنوان:The Palestinians: First to Fight Colonialism,