الرئيسية زوايا أقلام واراء تحديد أهداف الانتفاضة؟…بقلم:د.أحمد جميل عزم

تحديد أهداف الانتفاضة؟…بقلم:د.أحمد جميل عزم

جميل
هناك تساؤلات متزايدة حول ماهية الأهداف التي يمكن للانتفاضة الفلسطينية الراهنة أن ترفعها، وتكون أهدافا واقعية وعقلانية ممكنة. والواقع أنّ الإجابة عن هذا السؤال تجيب ضمناً عن أسئلة أخرى تتعلق بالعمل الفلسطيني الراهن، مثل سقف التوقعات الموجودة لدى القوى السياسية والمحللين السياسيين؛ كما تجيب ضمنياً عن خريطة البنى السياسية، وعلاقة “القيادة” مع المستويات الشعبية والقيادية.
لم يتم تطوير أهداف فعلية مباشرة للهبّة الحالية. فإذا كان هناك اتفاق فلسطيني عام على أنّ هدف أي حراك فلسطيني هو بالضرورة إنهاء الاحتلال -علماً أن مصطلح “إنهاء الاحتلال” بات يعني، لشرائح واسعة، “إنهاء احتلال الأراضي المحتلة العام 1967”- إلا أنه لا يوجد في المدى المنظور تصور واضح لطبيعة الهدف المتوقع من الحالة الراهنة في فلسطين، ويطغى مصطلح “الحماية الدولية” على طروحات القيادة الرسمية الفلسطينية، وضرورة إطلاق عملية تفاوضية بمرجعية دولية مختلفة عن السابق. وعلى صعيد حركة “حماس”، وإذا لم يكن هناك تصور محدد، فإنّ بعض الأصوات الوازنة برزت تطالب بأهداف واقعية، من مثل طرح غازي حمد، المسؤول الحمساوي في وزارة الخارجية الفلسطينية في قطاع غزة، بالمطالبة بعدم الخجل من الأهداف التكتيكية الممكنة، ويقول إن “الأوضاع القائمة (…) لا تسمح بتحصيل مكاسب كبيرة، (…). الذين يتحدثون عن الأهداف الكبرى (التحرير وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان) -وهذا حق- يجب أن يقتنعوا أن الأهداف التكتيكية هي أفضل من يصنع الأهداف الاستراتيجية…”.
يعتبر افتراض أنّ هدف إنهاء الاحتلال كنتيجة لهذه الهبّة غير ممكن، في حد ذاته اتفاقٌ أو توقعٌ بأنّ الطاقة التي تخترنها الحركة الشعبية الراهنة محدودة، وأنّ الظرف الموضوعي والدولي غير مواتيين لطرح أو توقع نهاية احتلال، ولا حتى افتراض أنّ سيناريوهات مؤتمر مدريد للسلام، العام 1991، بإقامة مؤتمر دولي للسلام لحل مجمل القضية الفلسطينية، ممكن.
المشكلة التي يدركها كثيرون، ويهربون منها، أنّه من دون تناغم واضح بين القيادة السياسية والفصائلية من جهة، والمجموعات الضاربة التي تقوم بفعل المواجهة ومعها الجماهير المنتفضة للتضامن مع تلك الطليعة المقاومة، في مناسبات تشييع الشهداء وبعض التظاهرات، من جهة أخرى، فإنّ هناك معضلة؛ هي أنّ الفعل المقاوم قد لا يجد من يتحدث باسمه ويترجمه لإنجازات مدروسة، وهذا قد يضعف الفعل المقاوم. وبالعكس تماماً؛ لو رفع المتظاهرون شعارات محددة، فإنّ هذا قد يدعم التحرك الجماهيري ويعطيه زخما كبيرا، ولكن رفع هذه الشعارات لن يحدث من دون تنسيق وتأطير وتعبئة تقوم بها المستويات السياسية.
ما يحدث الآن هو فعل مقاوم رافض وغاضب ضد الاحتلال بكل رموزه وآلياته. ولكن رفع شعار إنهاء الاحتلال كل الاحتلال، يتطلب انضمام أعداد أكبر كثيراً للغضب الجماهيري والفاعليات النضالية الإيجابية، أي التي تتعدى الصمود والنضال السلبيين المتضامنين عن بعد وبهدوء، وهذا ليس مستحيلا، ولكنه يبدو صعباً في أعين الفصائل المختلفة، بسبب ترهلها وانقسامها وعجزها.
لو تخيلنا أنّ فكرة “الحماية الدولية” كفكرة تبلورت في خطط عمل محددة وواضحة، وليست فضفاضة غير واضحة المعنى، ثم وبعد تحول الحماية إلى خطة يبدأ تحويلها إلى شعار، ويبدأ المنتفضون في الشارع بالمناداة بالهدف، وثم تنضم لهم فاعليات فلسطينية مدنية مختلفة، ثم اتسع الأمر لمطالب عالمية وعربية من هيئات حقوقية ترفع شعار الحماية الدولية في سياق واضح لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية الواحدة، فإنّ هذا كفيل بخلق ميكانيزم تحرك بأهداف واقعية تعطي الشارع وتحركه زخمه وقيادته.
يتطلب مثل هذا السيناريو (تبني هدف محدد مثل الحماية الدولية الفاعلة المرتبطة بالتحرر، أو غيرها من الأهداف الممكن التوافق عليها أو تطويرها)، أولا، أن تتخلى القيادات عن خوفها من خروج الأمور عن السيطرة، والانتقال إلى المبادرة لاحتضان الفعل الشعبي وتعبئته والسير خلفه والنطق باسمه. ويمكن لفصائل وقوى أن تبدأ بطرح هذا التصور والدفاع عنه والحشد له بين أنصارها، وفي الأوساط الشعبية، والإقليمية والدولية، قبل حتى التوافق الوطني للفصائل والقيادات السياسية حوله.
لو حدث مثل هذا التطوير والتجاوب مع الفعل الشعبي المقاوم من قبل السياسيين، فإن هذه فرصة لترجمة مثمرة للطاقة الشعبية الراهنة، وإلا فإن الهبّة الحالية أو الانتفاضات المقبلة ستطور أيضاً أذرعها وتصوراتها وأدواتها السياسية.
الغد الاردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version