
تحوّلت مأساة سقوط الطائرة الروسية في سيناء إلى قضية “أمن مطارات” على مستوى الشرق الأوسط مع الطلب الأميركي من “بعض” مطارات المنطقة “تعزيز” الإجراءات الأمنية بالنسبة للرحلات المتجّهة الى الولايات المتحدة كإجراء “احتياطي”.
وفي جديد التحقيقات حول سقوط الطائرة الروسية، قال رئيس لجنة التحقيق، اليوم السبت، إن التسجيل الصوتي من قمرة القيادة في الطائرة الروسية التي تحطمت في سيناء قبل أسبوع، أظهر صوت ضوضاء في الثانية الأخيرة من التسجيل.
لكن رئيس اللجنة أيمن المقدم قال في تقرير أولي عن سير التحقيق، إن الخبراء لا يزالون في مرحلة جمع المعلومات وإن من المبكر جدًا إعلان أي نتائج.
وأضاف أن المحققين لا يزالون يدرسون جميع السيناريوهات المحتملة، مشدداً على أنه لا يمكن في هذه المرحلة استبعاد أي سيناريو.
وقال المقدم في التقرير: “تؤكد اللجنة أنها لا تزال في مرحلة جمع المعلومات كما سيتم نقل الحطام إلى مكان آمن في القاهرة لمزيد من الفحص لكل جزء فيه وهذا الفحص سيتم بمشاركة المتخصصين فى علوم الفلزات كما ستقوم اللجنة بفحص ذاكرة الكمبيوتر الخاصة بالطائرة والتى تحتفظ ببعض البيانات بعد الحادث”.
وأضاف “تناثر حطام الطائرة على مساحة واسعة قطرها 13 كيلومترًا وهذا ما تمكنا من تغطيته حتى الآن، وهو ما يتسق مع احتمالية وجود تفكك فى جسم الطائرة. الملاحظات الأولية على حطام الطائرة لا تسمح حتى الآن بتحديد أصل هذا التفكك”.
وجاء في التقرير الأولي، لقد “تم تفريغ مسجل غرفة القيادة بنجاح وتم الاستماع له بشكل مبدئي وعلى الرغم من أن فريق العمل لا يزال في مرحلة كتابة النص المسجل والذي سوف يستغرق بعض الوقت فقد سمع الصوت في الثانية الأخيرة للتسجيل. يستلزم (هذا) إجراء تحليل طيفي للصوت في مختبرات متخصصة من أجل تحديد طبيعة الصوت”.
وقال المقدم في ختام التقرير: “تدرس اللجنة باهتمام كبير جميع السيناريوهات المحتملة… ولم تصل اللجنة حتى هذه اللحظة إلى أي استنتاجات. لا نزال في مرحلة جمع المعلومات”.
وردًا على سؤال في المؤتمر الصحافي أجاب أن اللجنة مستعدة لتلقي أي معلومات عن الحادث “من أي جهة كانت. كل السيناريوهات مطروحة… قد يكون انفجار… حتى هذه اللحظة لم نبدأ في استنتاج أي شيء”.
ومن بين أعضاء لجنة التحقيق روس وأيرلنديون وألمان وفرنسيون لدولهم صلة مباشرة بالحادث، لكن أيا منهم لم يظهر في المؤتمر الصحافي الذي أذيع في بث تلفزيوني مباشر.
ومع تزايد المؤشرات الأمنية التي تُفيد بأن فرضية العمل الإرهابي هي الاحتمال الأبرز، تسعى السلطات المصرية إلى محاولة استيعاب مخاوف عدد من الدول على سائحيها الموجودين في شرم الشيخ، حيث استعانت بالجيش لتأمين السياح المغادرين، كما قبلت بوقوف وفد بريطاني مختصّ على مراجعة الإجراءات الأمنية في مطار شرم الشيخ.
غير أن الاجتماعات الأمنية بين الطرفين انتهت بشروط بريطانية “متشدّدة ومجحفة” في حقّ الجانب المصري.
وأشار مصدر أمني لصحيفة “الشروق” المصرية إلى أن الجانب البريطاني اشترط سفر الركاب من دون حقائبهم وشحنها في طائرة خاصّة، وتوثيق كل رحلة بشريط فيديو، وتقليل عدد الركاب على متن الطائرة، وتركيب كاميرات مراقبة حديثة وأجهزة إنذار متطوّرة.
وأضاف المصدر أن الاجتماعات التي استمرت أكثر من تسع ساعات على فترتين تطرّقت إلى مراجعة السيرة الذاتية والتحريات الأمنية عن جميع العاملين في مطار شرم الشيخ أو الذين كانوا موجودين أثناء سفر رحلة الطائرة الروسية وغير ذلك أملاً في الوصول إلى أي أحد ينتمي إلى بعض الجماعات المتطرفة.
واطلع الوفد الأمني البريطاني على التحقيقات التي جرت مع جميع المسؤولين في المطار وفحص بعض أشرطة دخول الركاب المطار وإجراءات تفتيشهم والحقائب التي تم نقلها خلال الرحلة وايضاً تقرير صيانة الطائرة قبل إقلاعها.
وأضاف المصدر الأمني أن اتجاه المباحثات الأمنية تسير في اتجاه إيجابي من الجانبين وإعادة حركة الطيران بين شرم الشيخ ولندن بإجراءات أمنية جديدة.
طائرة بريطانية تتفادى صاروخاً
وفيما يعكف المحقّقون على تأكيد السبّب الرئيسي وراء سقوط الطائرة، وإن كانت فرضية العمل الإرهابي باتت “شبه محسومة”، كشفت الإدارة البريطانية للنقل أن طائرة تابعة لشركة “طومسون” تفادت صاروخاً اقترب منها مسافة 300 متر عندما كانت على وشك الهبوط في مطار شرم الشيخ في آب الماضي، لكن الحكومة البريطانية اعتبرت أن الحادث “لم يكن هجوماً متعمّداً”. وأوضحت صحيفة “دايلي مايل” البريطانية أن “الطيار شاهد الصاروخ وهو يتّجه نحو الطائرة، فأمر مساعده بالقيام بمراوغة جوية لتفادي الصاروخ الذي كان يبعد ألف قدم، قبل أن يهبط بسلام”. وأضافت أن “طائرة أخرى تابعة لشركة طومسون كانت تطير باتجاه شرم الشيخ في الوقت ذاته وشاهدت الصاروخ”. وأكدت الشركة الحادث، وقالت، في بيان، إن “خطوط طومسون الجوية يمكنها تأكيد هذا الحادث الذي أُبلغ به طاقم الرحلة طوم 476 في 23 آب. أبلغنا الإدارة البريطانية للنقل كما تنصّ البروتوكولات المتّبعة والتي قامت بالتحقيق في الأمر مع خبراء آخرين تابعين للحكومة البريطانية”. وأضاف البيان أنه “بعد مراجعة بيانات الواقعة، خلصت التحقيقات إلى أنه لا سبب للقلق وأنه يمكننا مواصلة برامج رحلاتنا إلى شرم الشيخ بأمان”. وشرح متحدّث باسم الحكومة البريطانية أنه تمّ التحقيق في الواقعة في ذلك الوقت، وخلصنا إلى أنه لم يكن هجوماً متعمّداً ويُرجّح أن له علاقة بتدريبات روتينية كان يُجريها الجيش المصري في المنطقة في ذلك الوقت.”
مصر: الاستخبارات الأجنبية لم تتعاون معنا
وبالعودة إلى المعلومات الاستخبارية التي استندت إليها بريطانيا لتعزيز فرضية تفجير الطائرة بواسطة قنبلة من الداخل، استنكرت مصر “ازدواجية المعايير” لدى الدول الغربية في التعامل مع خطر الإرهاب، متّهمة الاستخبارات الأجنبية بـ”عدم التعاون” مع القاهرة في مأساة سقوط الطائرة الروسية.
وأشار وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى أن الدول الأجنبية “لم تأبه بدعوة القاهرة لمزيد من التنسيق بشأن مكافحة الإرهاب”، مضيفاً أنه “لم يتمّ إبلاغنا بما سمعناه عن وجود معلومات حول سقوط الطائرة الروسية”.
وأوضح أن القاهرة لا تؤيد أي “فرضية” حتى الآن حول سقوط الطائرة، مشيراً إلى أن السلطات المصرية “لم تستبعد أي احتمال لكن ليست هناك أي فرضية قبل انتهاء التحقيقات”.
وكانت صحيفة “التايمز” ذكرت أن أجهزة الاستخبارات الأميركية-البريطانية رصدت اتصالات الكترونية بين سوريا وشبه جزيرة سيناء، قبل سقوط الطائرة، حذّرت من قرب حدوث “شيء كبير في المنطقة”.
كما نقلت محطة ” ان بي سي” التلفزيونية الأميركية عن مسؤولين أميركيين، لم تذكر أسماءهم، أن السلطات الأميركية رصدت اتصالات بين زعماء تنظيم “داعش” في محافظة الرقة في سوريا وأشخاص في شبه جزيرة سيناء تضمّنت “ابتهاجاً وتباهياً” بإسقاط الطائرة، وتحدّثوا عن كيفية سقوطها.
سياح: باقون في شرم الشيخ
وعلى عكس ما قامت به لندن من محاولة إجلاء سريعة لرعاياها باستثناء بعض السياح البريطانيين الذين قرّروا مواصلة عطلتهم في منتجعي شرم الشيخ والغردقة، أعلنت المتحدثة باسم “اتحاد الصناعة السياحية” الروسي ايرينا تيورينا أن “لا خطة طارئة لإجلاء حوالي ثمانين ألف روسي” موجودين حالياً في مصر، موضحة أنه تمّ إرسال طائرات لنقل الراغبين بالعودة”. وتزامناً مع وجود آلاف السياح العائدين إلى بلادهم في مطار شرم الشيخ، كان عدد آخر يستعد للقيام برحلة غطس في شرم الشيخ صباح اليوم السبت. لكن الوكالة الفدرالية الروسية المكلفة النقل الجوي، أعلنت، اليوم، أن موسكو سترسل السبت 44 طائرة فارغة الى مصر لنقل السياح الموجودين هناك اثر تحطم الطائرة الروسية في سيناء.
وقالت الوكالة في بيان، إنه سيتم ارسال “ثلاثين طائرة من شركات الطيران الروسية من دون ركاب” الى الغردقة و”14 طائرة الى شرم الشيخ”، المنتجعين السياحيين على البحر الاحمر حيث لا يزال هناك نحو 78 الف سائح روسي، مشيرة الى أن هذه الطائرات سيتم ارسالها في مواعيد رحلاتها المعتادة.
الى ذلك، اوردت وكالة النقل الجوي أن “تسع طائرات توجهت من الغردقة الى روسيا، فيما اقلعت اربع طائرات من شرم الشيخ”.
واضافت في بيانها “لدواع امنية، سيسمح فقط بنقل حقائب اليد الى داخل الطائرة”، في حين سيتم نقل الحقائب في شكل منفصل بواسطة طائرات ترسلها وزارة الحالات الطارئة الروسية.
وطلبت وزارة العمل الروسية من ارباب العمل عدم معاقبة الموظفين الذين يمضون عطلة في مصر وقد “يواجهون صعوبة لاستئناف عملهم في الوقت المناسب”.
تركيا تجني أرباح السياحة
وعلى الرغم من عدم تأكيد فرضية “التفجير” حتى الآن، فإن قطاع السياحة في مصر بدأ يدفع الثمن. ويبدو أن “مصائب القاهرة عند أنقرة فوائد”، إذا أن شركات السياحة اقترحت على زبائنها قضاء عطلاتهم في منتجعات تركية بدلاً من التوجّه إلى مصر.
ووفقاً لما نشره الموقع الإلكتروني لـ”الرابطة الروسية لمنظمي الرحلات السياحية”، فإن شركات “بيغاس توريستيك” و”كورال” للسياحة والسفر، و”نورد ويند”، و”بريسكو” عرضت على زبائنها الذين كانوا قد دفعوا سابقاً ثمن رحلاتهم إلى منتجعات مصرية أن يتوجّهوا إلى منتجعات تركيا السياحية، في حين أعلنت شركة “بيبليو غلوبوس” عن استعدادها لإرسال زبائنها إلى قبرص بدلاً من مصر.
(“موقع السفير”، “روسيا اليوم”، ا ف ب، رويترز)