الرئيسية الاخبار أفراح وأحزان موسم الزيتون الفلسطيني

أفراح وأحزان موسم الزيتون الفلسطيني

index
متطوعون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون ينضمون إلى الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، وسط تهديد متواصل من المستوطنين والجنود الإسرائيليين
* * *
موسم قطاف الزيتون في فلسطين. لبضعة أسابيع في كل عام، يغسل المطر الأول الأوراق والثمار من غبار الصيف قبل أن يجلب الشتاء البرد والرطوبة. وتتجمع العائلات على أرضها لقطف محصول هذا العام. وهي مناسبة لاجتماع الناس معاً، حيث يكون الزيتون أكثر بكثير من مجرد الزيت والمخللات. إنه رمز للأرض والانتماء والهوية الفلسطينية.
لكن موسم الزيتون أصبح اليوم في الضفة الغربية وقتاً للقلق والمخاوف أيضاً، عندما تلقي مصاعب الحياة اليومية نفسها ثقيلة على الناس. المزارعون يقطفون زيتونهم تحت طائلة الخوف من العنف، مقيدين بالمعوقات والقيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، والتي تهدد بجعل موسم الزيتون مناسبة للكفاح أكثر من كونها مناسبة للفرح.
في الرد على هذه الصعوبات، غالباً ما يصاحب المتطوعون الدوليون المزارعين الفلسطينيين في حصاد محاصيلهم. وفي بلعين في الأسبوع الماضي، ذهب فريق من المنظمة غير الحكومية، “حاخامات من أجل حقوق الإنسان”، مع خمس عائلات إلى الأشجار التي ظلت لمدة 51 أسبوعاً في السنة، بعيدة عن متناول أصحابها وراء جدار الفصل. ومع أن الأرض تقع في داخل الخط الأخضر، ومملوكة لسكان بلعين، فإن المزارعين يستطيعون الوصول إليها فقط من خلال بوابة تخضع لسيطرة ورقابة مشددتين من السلطات الإسرائيلية.
يقول الحاخام يحيئيل غرينمان، منسق منظمة “حاخامات” في الأراضي الفلسطينية المحتلة: “إنه مكان يبعث على الإحباط، لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى هذه الأشجار إلا مرة واحدة في السنة ولمدة أسبوع فقط. الأشجار ليست مقلمة والأرض غير محروثة، ولا يستطيع المزارعون إزالة الأعشاب الضارة أو أشياء من هذا القبيل. وحتى في هذا الصباح، كان عليهم الانتظار لفترة طويلة العبور من البوابة، لأن الجنود تأخروا كثيراً في القدوم”.
كل خريف، تقوم منظمة حاخامات من أجل حقوق الإنسان بتجنيد المئات من المتطوعين لمساعدة المزارعين الفلسطينيين خلال قطاف الزيتون في المناطق المعرضة للخطر. وفي كل موسم، يواجهون شكلاً من أشكال العنف والترهيب، على الرغم من أن هذا العام شهد هدوءاً نسبياً، كما يقول غرينمان: “لقد فوجئنا، مع كل ما يدور في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. كانت هناك حوادث، ولكنها أقل من العام الماضي”.
تبين نظرة على تقرير منظمة حاخامات من أجل حقوق الإنسان الميداني للعام 2013، لماذا قد يشعر بعض المزارعين بالقلق إزاء موسم القطاف السنوي. ففي المجموع، تم تدمير ما يقدر بنحو 2000 شجرة زيتون في الضفة الغربية خلال الموسم. وقد تم إحراق معظم هذه الأشجار أو قطعها: في إحدى القرى، وضع المستوطنون منزلاً متنقلاً وسط بستان زيتون. وقرب يتسهار -المستوطنة سيئة السمعة المعروفة بالعنف- أصيب اثنان من المزارعين الفلسطينيين واثنان من المتطوعين الإسرائيليين على يد المتطرفين الذين يقال إنهم ضربوهم بالعصي والحجارة؛ وقام الجنود بمنع قرويين آخرين من الوصول إلى أراضيهم.
في جالود؛ القرية الفلسطينية الواقعة بين نابلس ورام الله، والمحاصرة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، عانى المزارعون مما وصفته منظمة “حاخامات” بأنه هجوم كارثي، عندما قامت مجموعة من “المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين” بإضرام النار في 400 شجرة زيتون. وعلى موقع إخباري مرتبط باليمين الإسرائيلي المتطرف، وُصف ذلك الحرق بأنه هجوم “بطاقة سعر” -بهدف الانتقام، كما قال الموقع، لتفكيك وإخلاء موقع استيطاني قريب.
في بيان أصدره في ذلك الوقت، وحثَّ فيه الجيش الإسرائيلي على تحمل مسؤولياته في حماية الفلسطينيين، قال أريك أشرمان، رئيس منظمة حاخامات من أجل حقوق الإنسان: “كان هذا مذبحة، بوضوح وبساطة. على الرغم من كل الوعود التي تلقيناها من الجيش بزيادة الأمن للزراعة الفلسطينية في الفترة التي تسبق موسم قطاف الزيتون وأثناءه، تُبين النتائج أنه لم يتم بذل ما يكفي من الجهد”.
فهل تلقت السلطات الإسرائيلية الرسالة هذا العام؟ لم يستجب ممثلون عن الجيش الإسرائيلي لطلب “ميدل إيست آي” الحصول على تعليق، لكن التقارير على الأرض كانت حتى الآن مختلطة. الطالب يوسف النتشة، الذي يقوم بتوثيق أحداث الحصاد لمنظمة الرصد، “فريق السلام المسيحي”، كرر ملاحظة غرينمان: لقد شاهد قدراً أقل من المتاعب في مسقط رأسه مدينة الخليل مما كان عليه الوضع في السنوات السابقة. وقال: “حتى الآن كنا نعمل في تل الرميدة، وسط مدينة الخليل، وكان جني محاصيل الزيتون يحدث بهدوء. يساعد على ذلك أن لدينا مجموعات تراقب وتحمي المزارعين -وهو ما يعني أنه يمكنهم تصوير ما يحدث، وشرح القانون الدولي والقضايا الأخرى باللغة الإنجليزية إذا جاء المستوطنون”.
مع ذلك، لا يعني “الهدوء” أن الأمور خالية تماماً من المشاكل. ففي نهاية الأسبوع الماضي في تل الرميدة، وتحت أنظار الجنود والشرطة، قيل إن حوالي 30 مستوطناً قاموا بهدم سور بستان زيتون يعود لمحمد صادق القنيبي. ومثل هذه الفعاليات هي بالكاد غير عادية في حي معروف منذ وقت طويل بأنه منطقة محاصرة بالأسلاك الشائكة ومواقع المراقبة، والذي تمزقه المستوطنات الإسرائيلية. ويعتقد النتشة أن استمرار المستوطنين في التوسع قد يكون من أسباب حلول موسم قطاف أكثر هدوءا.
ويشرح النتشة: “الفرق هذا العام هو أن المستوطنين أخذوا مسبقاً جزءا كبيراً من تل الرميدة من أجل الحفريات الأثرية، وهم يعملون على إنشاء حديقة عامة هناك، وربما دمروا نحو عشرين أو ثلاثين شجرة زيتون في هذه العملية. لذلك، قد يبدو الأمر وكأنه لا توجد مشاكل، وأن شيئاً لا يحدث. لكن جزءا من السبب هو أن مثل هذه الأمور قد حدثت مسبقاً”.
في صوريف؛ البلدة التي تبعد حوالي عشرين دقيقة عن الخليل، حيث يعمل يوسف وفريقه أيضاً، طغت على موسم الحصاد الهادئ هذا العام ظلال الصراعات وعمليات المصادرة من السنوات السابقة. ويوم السبت، عمل الفريق مع نشطاء دوليين وفلسطينيين آخرين في أرض كانت مهددة بالمصادرة أول مرة في العام 1976، ثم مرة أخرى قبل خمس سنوات فقط. واليوم، يراقب صاحب الأرض، أبو مروان، بستان زيتونه كل ساعة وكل يوم، حتى أنه يتجول أحياناً عبر التلال المظلمة ليلاً ليتأكد من عدم وجود الدخلاء.
ويقول أبو مروان: “نحن نخشى دائماً أنهم سيعودون مرة أخرى، ونتوقع منهم أن يعودوا مرة أخرى، ولذلك نراقب هذه المنطقة في كل وقت، حتى أننا نقوم في الليل بتفقد الأرض في بعض الأحيان لأنهم يمكن أن يأتوا ويضعوا علاماتهم ثانية. لكننا نتفق تماماً مع قصيدة محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة””.
مع ذلك، لا تستطيع حتى دوريات أبو مروان أن تمنع إقامة الجدار العازل الذي يمر مباشرة من خلال بساتين زيتون صوريف، تماماً كما هو حاله في بلعين. ومن بين 2500 شجرة، هناك 500 فقط يمكن الوصول إليها الآن في معظم أيام السنة. وبينما يهز زملاؤه وجيرانه فروع الأشجار لإسقاط ثمار الزيتون، يشير أبو مروان، المحامي والمزارع أيضاً، إلى السياج المتلوي الذي يفصله عن أشجاره. ويقول: “أي شخص لديه أرض واقعة خلف الجدار، يخصصون له وقتاً معيناً يمكن أن يأتي خلاله، من الساعة 7:00 صباحاً وحتى 7:30 مساءً، وعليك أن تبقى هناك حتى الساعة 5:00”. وأوضح: “ويكون هذا لمدة أسبوع فقط. إنك تحتاج إلى بذل أقصى جهد تستطيعه في الأرض حتى تتمكن من إنهاء عملك في ذلك الوقت، ولكنهم لا يسمحون لأي شخص بالمرور عبر البوابة باستثناء ملاك الأراضي. وهنا تكمن المشكلة. إذا كان يمكنني أنا وزوجتي فقط أن نصل إلى الأرض، فإننا لا نستطيع أن نفعل الكثير في مثل هذا الوقت المحدود”.
ويضيف أبو مروان: “بالطبع خسرنا الكثير من المال الآن”. ولا يقتصر الأمر على حقيقة أن وقت الحصاد محدود وحسب: فمع وجود الكثير من أرضه خلف الجدار، يكون من المستحيل أن يتمكن أبو مروان من الذهاب إلى أشجاره للعناية بها. ويقول: “إننا لا نستطيع أن نأتي إلى الأرض لحرثها والعناية بها بالقدر الذي نحتاجه. ولذلك تموت الأشجار. وهذا يعني أن الإنتاج يصبح منخفضاً للغاية”.
ربما لا تكون المساعدة التي يحصل عليها المزارعون في بلدات مثل صوريف وبلعين خلال القطاف كافية لإنقاذ الموسم من هذه القيود. لكن موسم قطاف الزيتون يشكل فرصة للتعبير عن التضامن بقدر ما يتعلق بالاقتصاد. وعندما جاءت مجموعة من الناشطين الفلسطينيين من المدن والبلدات الواقعة على الجانب الآخر من الجدار إلى بلدة صوريف يوم السبت، فإنهم جاؤوا لتقديم المساعدة العملية للمزارعين هناك، ولكنهم أتوا أيضاً من أجل التغلب على الانقسامات التي تفرضها إسرائيل -كما يقولون- ولإعادة تأكيد التراث الجماعي والهوية الفلسطينيين.
وتقول هزار حجازي، الناشطة القادمة من عكا: “نحن هنا لمساعدة الناس في صوريف على حماية أراضيهم من المصادرة، وحماية الأشجار التي ترمز إلى الحياة والهوية الفلسطينية. من المهم أن نجتمع معاً كفلسطينيين ضد الاضطهاد الإسرائيلي الذي يؤثر علينا جميعا.
بيثان ستاتون – (ميدل إيست آي)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
“.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The joys and sorrows of olive season in Palestine
ala.zeineh@alghad.jo
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version