الرئيسية زوايا ثقافة وادب إضاءة حول تجربة الشاعر الفلسطيني الجزائري في ديوانيه : ” موعدنا غداً...

إضاءة حول تجربة الشاعر الفلسطيني الجزائري في ديوانيه : ” موعدنا غداً ” و ” نخلة الميلاد “…بقلم : محمد علوش

20151111_093354

رغم البعد وغطرسة المركز ، ومساحاته المزدحمة بكل ما يسمى ابداعاً حقيقياً وغير حقيقي ، تستطيع أن تعلق قناديل الحروف عالياً في سماء الإبداع وان تخطف الأبصار .
هؤلاء القادمون من بعيد بكل ما يتحملون من عناء وصعوبة النشر والطباعة وحيدين ، وكل محاولات التجاهل والتناسي التي تغذيها الشللية وعنتريات سدنة الثقافة ، تسترعي اهتماماً خاصاً ، اهتماماً ما لكل هذه الجهود المعجونة بخبز الألم وجراحات النسيان وسياط الغربة ، علينا ان نحني الهامات للجرح الذي صارت حافتيه ضفتين وصار نبع دماه دجلةً أخرى وفيضانات نيل .
مصطفى أبو وردة ، من الأصوات الشعرية المتميزة القادمة من أرض الجزائر ، من الشعراء الفلسطينيين الذين يتلظون بنار الشتات ، هذا الشاعر المتحفز كالصبار ، الذي لأسبابه هو ، لم يصغ لطقوس الشكل وأحاديث الحداثة والعولمة ، وآثر أن يغمس قلمه بطين البلاد الموجوعة ، وبنزيف المتبقي من بيارات برتقالها وغابات ليمونها الأشعث ، ويبدأ رحلته الشعرية المتميزة منذ نعومة أظفاره في سورية ومن ثم في الجزائر ليكون شاعراً فلسطينياً مغترباً وممن يؤمنون بأن الشعر هو خبز الفقراء ، يمقت الشعر صاحب الأبراج العاجية والنظرة المستعلية على ثقافة الجمهور / القراء ، ومن هنا فإننا نرى في بعض الأحيان تقارباً بين صرخات أبو وردة وبين صرخات بعض الشعراء العرب والفلسطينيين الذين سبقوه على درب القصيدة .
الشاعر مصطفى محمود أبو وردة ، شاعر فلسطيني يقيم في الجزائر وقد صدر له خلال العام 2015 مجموعتين شعريتين عن دار الأوطان في الجزائر ، الأولى تحت عنوان ” موعدنا غداً ” والثانية تحت عنوان ” نخلة الميلاد ” وتضم المجموعتان عدداً كبيراً من القصائد والنصوص الشعرية التي نشرها الشاعر في صحف ومجلات عربية منذ سنوات .
يحاول الشاعر وعبر مجموعتيه الصادرتين حديثاً وبكل ما أوتي من حالة اللغة واشتباك المشاعر وانسياب الصور الشعرية بأن يقدم تجربة جديدة ومختلفة بصوت شعري له فرادته ونضوجه في أتون عملية إبداعية زاخرة بنّص شعري ورؤى شعرية زاخرة بالنضج ومتطلعة نحو فضاء الشعر الجاد والحقيقي والمعبر عن آمال وآلام أمة ممتدة من المحيط إلى الخليج .
تنساب صوره الشعرية وتتدفق لتدخل أحياناً فضاءات مشهدية لشعر له خصوصيته على مستوى تجربة هذا الشاعر بجمالية خاصة بعيدة ٍ عن الغموض الجاف والإغراق في التجريب الأعمى ، فنراه في قصيدة ( لماذا افترقنا ) من ديوانه ( مودعنا غدا ) يجترح صوراً جريئة :
” فاسأل نفسي لماذا افترقنا ؟
لماذا تراخت يداي عن العش يوما
فمات السنونو فوق التراب طريدا
صريع سيوف الخريف
ومدت حبال الصحاري لتشنق نهر الحقول
لماذا تراخت يداي عن الأرض يوما
فمالت جذوع النخيل
… ” ( ص 81 )
ويدخل عالماً غرائبياً حيث تضيق عليه الدنيا وتضيق العواصم ويحاصره الحصار ، ليطل القمر وحيداً وحزيناً في حصار بيروت ، عاصمة الثورة والمقاومة ، فيصدح بقصيدته المعبرة ( قمر على بيروت ) :
” بين قلبي والوطن
بيروت منتصف المسافة
بين موتي والسباحة في العفن
بيروت منطلق الصمود لظلنا في الأرض
يبعثه الزمن
… ” ( ص 94 – 95 )
ويدخل في غرائبية معقدة ولكنها غير بعيدة عن نشيد المأساة الفلسطينية ووجع ولهيب الحصار وما ارتكبته العصابات الإرهابية المتحالفة مع العدوان الإسرائيلي من مجازر ومأسي ستبقى لعنة تلاحقهم وستبقى وصمة عار على جبين العالم :
” بيروت عاصمة بلا ثديين
يوم رحلت عنها
ثدي تسلمه اليمين
وآخر قطعته أسلحة العدو
فلم تجد غير الدم الوطنيّ
تسكبه حليباً للمعارك
… ” ( ص 95 )
في الديوانين أفق ثقافي واسع يتكأ على روافع إبداعية حقيقية ، أفق من الأسئلة التي تلّح وتعج بالحزن والتشظي وأوجاع الذكريات والمراحل ، ولا تكفي هذه القراءة لاستعجال الكثير من الصور الشعرية التي تشكل ميزة وسمة هاذين العملين الرائعين ولكنها إشارات يقتضيها التقديم .
نحن إزاء بنية شعرية متماسكة ضمن تجربة غنية تتسع لفضاء شاسع ليحلق فيه الشاعر رغم كل التحديات والشروط القاسية والأحزان والهموم التي تشكل مساحة واسعة على خريطة المجموعتين التي قدمت اضمامة متميزة من النصوص والقصائد .
في هذه التجربة الشعرية للشاعر مصطفى أبو وردة نجد أن تجربته هي موازية أو امتداد لتجارب العديد من الشعراء العرب والفلسطينيين ، تجربة تعبر عن الغربة والقهر والحرية ، مسكونة بالجرح الفلسطيني العميق ، وهي تجربة متواشجة مع القضية الفلسطينية ومع القضايا العربية حيث نجد حضورا واضحاً وأصيلاً للجزائر ولغيرها من أقطار الوطن العربي ، تجربة تعبر عن نموذج لشاعر فلسطيني يعيش في الجزائر مسكوناً بقضية ونضال شعبه ومنحازاً لها ، يغوص في مسيرة وسيرة الآلام وعذابات هذا الشعب البطل متسماً بغنائية شعرية منجزة في أتون مسيرة الشعر الفلسطيني خلال عقدي السبعينات والثمانينات .
إن ما يميز قصائد هذا الشاعر في المجموعتين على حد سواء هو ذاكرة الخريطة فيها بسهولها وجبالها ومراعيها وبحارها وأنهارها وكذلك الحضور الجميل للتراث والأسطورة والرموز التاريخية والحضورالمكثف لأسماء المدن الفلسطينية وكأن القصائد قد انهرت لتكون من قطعة وطن بتاريخه وجغرافيته .
المجموعتين بتقديري يكملان بعضهما البعض ، وهما نتاج وحدة موضوعية وفتية وتعبيرية واحدة وكأننا نقرأ عملاً شعريا واحداً يأتي نتاج مسيرة طويلة ، مسيرة عطاء للشاعر ، واعتقد أن صدورهما معاً وفي ذات الوقت وعن دار النشر ذاتها أنما يأتي ترسيخا لمكانة شاعر يستحق القراءة بعد غياب طويل عن الأضواء في ظل الحالة الثقافية المتردية التي نشهدها ، ومن حق الشاعر علينا بان نسهم في تصويب الخطأ التاريخي الذي يرتكب ضمن مجزرة ثقافية تستهدف تغييب أسماء مبدعة تستحق أن تتبوأ مكانتها المتميزة على مساحة الشعر والأدب الفلسطيني والعربي ، فشاعرنا هنا ممن لم يتسنى له نشر أعماله في السابق وهذا واضح من خلال تواريخ بعض القصائد التي كتبت في فترات تاريخية متباعدة ومنذ عقود والتي جمعها بين أوراق مجموعتيه إلى جانب القصائد التي كتبها حديثاً وربما كانت الغربة والشتات وعدم الاستقرار سببا في تغييب أو غياب مثل هذه التجربة لشاعر مهم كـ مصطفى أبو وردة .
لقد تحرك الشاعر بشعرية واعية بكل ملامحها الإحيائية والوجدانية وضمن رؤيا محددة بالنسبة له ، محافظاً على اللغة والصورة الشعرية والإيقاعات والاستناد لموروث ثقافي عربي وإنساني عميق شكل منهلاً لشاعر يبحث عن الحقيقية الجمالية وعن التميز والتفرد ، يبذل جهوداً مضاعفة ليقدم عصارة تجربته بقصائد مختلفة وناضجة وشبه مكتملة ، إذ أن القصائد لا تكتمل ولا نهاية لها كما أعتقد .
القصائد في ( موعدنا غدا ) وفي ( نخلة الميلاد ) تكاد تختزن أوجاع كل المنكسرين والمعذبين والمقهورين من حالة الغياب وتراجع القيم وسيطرة الجشع وقيم السوق التي تحاول أن تكون بديلاً عن نمنمات الحّب ونشيد التحليق وان تلسع مشاعرنا وعواطفنا ، فالشاعر يعود إلى ذكريات امرئ القيس ويقف على أطلال الزمان ليستشف ملامح الماضي والقيم التي تغادرنا كما تغادر السكين الجرح :
” على قدمي دماء ارتحالي
وبين يدي سلاحي
وفوق جبيني غبار السفر
أسافر بين ضباب السنين
يحاصرني الليل أين حللت

وكل البلاد التي حذرتني
تمد رمال الصحاري أماي
وتطلب مني جواز السفر
ورسم السفر
تحذرني بالتزام الهدوء لئلا
أعكر أمن البلاد
وألا أعرضها للخطر
فكانت دمائي جواز المرور
وكانت دمائي رسوم السفر
… ” ( ص 44-45 ) ( نخلة الميلاد )
” انه الشعر / ذلك الطائر الجارح الذي يحمل القلب فتحلق الذات إلى فضاء العالم منه ليس سوى جرم صغير في مجرته الشاسعة ” .
للحقيقة نحن أمام حالة شعرية مختلفة ، رغم المباشرة أحيانا في بعض النصوص إلا أنها تمتاز بنكهة مختلفة وتحمل وعداً بشاعر قد يخط نهجاً لنفسه ويعلق قصائده عالياً في سماء الشعر ، قصائد تختزل تجربة وتنبض بالشعر .
• شاعر وناقد من فلسطين

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version