لم يعرف احد، وعلى الأرجح لن يعرف، على وجه الدقة ما الذي دار في الاجتماع الأخير بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. إلا أن الظاهر من التصريحات التي رافقت الزيارة، واللقاءات التي عقدها نتنياهو تشير إلى أن رئيس الوزراء الاسرائيلي قد حقق الكثير من هذه الزيارة، وبخاصة فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني.
دعونا نعود خطوة إلى الوراء حيث سبق زيارة نتنياهو تصريحات لعدد من المتحدثين الرسميين في كل من البيت الأبيض والخارجية الأمريكيتين تطالب نتنياهو بتقديم إجابات عن سؤال أساسي يتعلق بالحلول التي يمتلكها للحيلولة دون تشكل واقع جديد في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي يقود لدولة واحدة..
يمكن فهم هذا السؤال بمعنيين: الأول هو أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر تسليما بأن تسوية الدولتين غير قابلة للتحقق. على الأقل ليس في ظل الوضع الراهن. أما الثاني، فهو أن الإدارة الأمريكية ليس لديها الإجابات، وستقبل من نتنياهو أن يضع الأجندة. يمكن الاستدلال على هذا الموقف الأمريكي من التراجع الملموس في اهتمام الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض بالموضوع الفلسطيني-الاسرائيلي الذي غاب تماما عن الدبلوماسية الأمريكية في العام 2015 منذ خطاب الرئيس أوباما “حالة الاتحاد” مطلع هذا العام والذي على غير العادة لم يقدم أي تصورات عن القضية الفلسطينية أو عملية التسوية.
في هذا السياق كان خطاب أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي المؤشر الأكثر صراحة على تراجع اهتمام الإدارة الامريكية بهذا الملف الذي لم يغب من قبل عن خطاب الرئيس الأمريكي في هذا الملتقى الدولي الهام.
لقد كان الاستثناء الوحيد لهذا المنحى هو التدخل الأمريكي العاجل والمؤقت الذي هدف إلى محاولة امتصاص حالة الغضب الفلسطيني المتصاعد منذ مطلع تشرين أول الماضي. إن تحرك وزير الخارجية جون كيري الذي أفضى إلى تفاهمات تتعلق فحسب بترتيبات ذات صلة بالوضع القائم في المسجد الأقصى ومحاولة وقف الحالة الكفاحية المتصاعدة، وتصريحات الرئيس أوباما أثناء زيارته لكوريا الجنوبية بضرورة “وقف العنف” والعودة للمفاوضات.
هذه التحركات الأمريكية قد توارت على كل حال ولم تعد ذات صلة بعد لقاء أوباما-نتنياهو الأخير لصالح تفاهمات جديدة تذكرنا بتفاهمات رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق أرييل شارون والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في العام 2002.
مؤدى ذلك التفاهم هو أن الإدارة الأمريكية لن تتحرك باتجاه التسوية الفلسطينية- الاسرائيلية إلا بالقدر وبالاتجاه الذين تريدهما الحكومة الاسرائيلية. نتنياهو الذي كان بالأمس القريب الشخصية الأكثر بغضا في البيت الأبيض بسبب تلاعبه بالسياسات الحزبية في الولايات المتحدة وتحريضه على الإدارة الامريكية بشأن الملف النووي الإيراني ومحاولاته عرقلة الاتفاق بشأنه، يخرج اليوم منتصرا من البيت الأبيض. وربما هنا يكمن مفتاح تفسير التغيير في معادلة علاقة البيت الأبيض بحكومة نتنياهو.
تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية تاريخيا مع القضية الفلسطينية ومع الفلسطينيين كعبء ثقيل على حساباتها في المنطقة، وليس كمسألة عليها أن تجد لها حلا جذريا، وهي بالتالي تابعة للمصالح والتقديرات الاسرائيلية، باعتبار أن حسابات العلاقة مع اسرائيل تسبق بالضرورة وبكل الأحوال حسابات الحقوق الفلسطينية. بهذا المعنى فإن العلاقة بين أوباما ونتنياهو لم تتغير بشكل مفاجئ. لقد اختفت تماما التهديدات الأمريكية السابقة بأن الولايات المتحدة ربما لن تكون قادرة على الدفاع عن إسرائيل في المنظمة الدولية (صدرت هذه التصريحات عن الرئيس أوباما وعن وزير خارجيته قبل حوالي ثمانية أشهر في أوج الحرب الدبلوماسية حول الملف النووي الإيراني). يتضح الآن بأن هذه التصريحات كانت من باب الضغط على إسرائيل في معركة الملف النووي الإيراني وليس في معركة الملف التفاوضي الفلسطيني-الاسرائيلي.
أما وقد أصبح الاتفاق النووي الإيراني حقيقة واقعة فإنه ليس على نتنياهو أن يستمر في استعراض عضلات اللوبي اليهودي في الكونغرس الجمهوري (مؤيدي إسرائيل في أوساط الجمهوريين حسب معهد غالوب وصلت إلى 83% في النصف الثاني من هذا العام) في وجه الإدارة الديمقراطية (مؤيدي إسرائيل في أوساط الديمقراطيين حسب نفس المعهد وفي نفس الفترة هبطت 10 نقاط لتصل 48 %)، وأن يواصل اللعب على السياسات الحزبية، بل السعي لحصد تأييد الحزبين لسياساته تجاه الفلسطينيين، وهذا يتطلب البدء بقلب الصفحة مع الرئيس أوباما. الرئيس أوباما من طرفه يعرف بأنه أخذ ما يريد وبأن معركة إضافية مع الجمهوريين واللوبي اليهودي من أجل الفلسطينيين ليست مطلوبة إذا أراد أن يورث الرئاسة لمرشح ديمقراطي في شهر تشرين ثاني القادم. ليس على أوباما إذن أن يستمر في مضايقة نتنياهو في مواضيع الاستيطان والدولة الفلسطينية!
إن الابتسامات والاسترخاء الذي ساد لقاء أوباما- نتنياهو في البيت الأبيض يعكس هذه المعادلات، والأكثر أهمية فإن إعلان أوباما بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ومواطنيها بوجه “الإرهاب الفلسطيني” فيه إدانة صريحة للفلسطينيين، وإعلان صريح يمنح لإسرائيل حق التصرف في اللجوء لكل الوسائل الأمنية، والأهم السياسية للخروج من الوضع الراهن. فقد حصل نتنياهو على رزمة تاريخية من المساعدات العسكرية والأمنية من الولايات المتحدة الأمريكية، ويعكف الطرفان على صياغة مذكرة تفاهم أمني جديدة تشكل ضمانات لما بعد الاتفاق النووي الإيراني، الأمر الذي يعمق الاختلال الهائل في ميزان القوى لصالح إسرائيل ويقلل بالتالي من احتمالات استجابة اسرائيل لمتطلبات التسوية العادلة للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي.
على الصعيد الفلسطيني فقد حصل نتنياهو على إعلان وإقرار من البيت الأبيض بأن لا مجال للتدخل للتوصل إلى تسوية للصراع حتى نهاية السنة المتبقية من عمر هذه الإدارة. هذا يعني بأن غاية ما يمكن أن تقدم عليه هو إسناد أية خطوات يمكن أن تبادر إليها الحكومة الاسرائيلية لإدارة الصراع من قبيل السلام الاقتصادي.
الأكثر خطورة هنا هو أن نتنياهو قد استند إلى هذا التوجه الصريح (ميراث شارون- بوش) ليقدم أفكارا اختبارية جدية عندما لم يستبعد في لقائه الحواري مع “مركز التقدم الأمريكي” قيام إسرائيل بانسحاب أحادي من بعض المناطق في الضفة الغربية يأخذ بالاعتبار مصالح إسرائيل الأمنية ضمن تفاهمات دولية واسعة، أي بقبول ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية وربما أطراف إقليمية. ستستند الحكومة الاسرائيلية في ذلك على الدعم الحزبي الثنائي في الكونغرس الأمريكي، وعلى خلفية الأحداث الراهنة في المنطقة والتصعيد الاسرائيلي في المناطق المحتلة.
بمعزل عن الفلسطينيين ربما ستقوم الحكومة الاسرائيلية بفرض تسوية من طرف واحد تضم بموجبها معظم ما يعرف بمناطق “c” حسب اتفاقية أوسلو، يسبقها رزمة إجراءات أمنية واقتصادية.