على الرغم من أن حادث إسقاط تركيا لطائرة “سوخوي 24” الروسية من شأنه تعقيد الأمور في سورية من جهة أولى، وبين أنقرة وموسكو من جهة ثانية، والغرب وروسيا من جهة ثالثة، إلا أن من المستبعد أن تكون تركيا قد تسرعت أو أنها أقدمت على هذه الخطوة من دون أن تعرف تداعياتها وتأثيرها في العلاقة مع روسيا.
لأول مرة منذ عقود، يُسقط عضو في “الناتو” طائرة روسية. هذا يعني أنّ هامش المفاجأة بشأن طبيعة التداعيات إثر هذا الحادث موجود بلا شك. لكنّ من المفيد، أيضاً، التذكر أن التوترات والخلافات التركية-الروسية ليست مسألة جديدة، فهي قائمة بقوة منذ القرن الماضي. تدلّ على ذلك ملفات حرب البوسنة والشيشان والجماعات الانفصالية، كما ملف النزاع حول منطقة ناغورني كاراباخ، بين أذربيجان وأرمينيا، والمسألة القبرصية، ودعم موسكو لليونان، وسوى ذلك.
كان موقف أنقرة مع الانتهاكات/ الاستفزازات الروسية المتعمدة للمجال الجوي التركي خلال الأسابيع الماضية يتمثل في التحذير والإدانة، والاعتراض على التحرك الروسي قبالة الحدود التركية. لكنّ الأيام القليلة الماضية شهدت تطورات ميدانية لم تدركها موسكو أو لم تأخذها، كما ينبغي، بعين الاعتبار، كانت تؤشر إلى اختلاف المعطيات العسكرية على الحدود التركية-السورية بعد الاتفاق الأميركي-التركي على التعاطي بشكل مختلف عن السنوات الماضية مع مسألة تأمين الحدود التركية. هذا المعطى تمثل منذ نحو أسبوع في وجود طيران جوي أميركي على خط الحدود التركية-السورية من أجل حمايتها، والعمل الحثيث على جعل هذه المنطقة “نظيفة” من الطيران الروسي، وإبعاده عن مسرح العمليات هذا وتأمين هذه المنطقة كمقدمة لإقامة منطقة “آمنة”. هذه الاستراتيجية الأميركية-التركية الجديدة لم تأخذها موسكو ضمن احتياطاتها العسكرية حين حلقت طائرة “سوخوي 24″ قبل أيام في الأجواء التركية أو قريباً منها، مع اختلاف في الروايات بين موسكو وأنقرة.
موسكو وهي تُهدد أنقرة بـ”العواقب الوخيمة” على “طعنها روسيا في الظهر” كما قال الرئيس بوتين، أرادت توظيف الحادثة للترويج لفكرة قيادة مشتركة لمهاجمة تنظيم “داعش” مع فرنسا وأميركا وحتى تركيا. وهي فكرة تعطي لموسكو مكانة مركزية وقيادية في التحالف ضد الإرهاب. وفي حين تبدو باريس أكثر احتمالاً للتعاون مع موسكو وتوسيع التحالف ضد الإرهاب ليشمل موسكو، كما ظهر في تصريحات الرئيس فرانسوا أولاند الأخيرة لدى لقائه الرئيس أوباما في واشنطن، فإن أوباما ما يزال يصرّ على اشتراط القبول بذلك أن تتعهد موسكو بالتركيز في هجماتها الجوية في سورية على قصف “داعش” وليس “المعارضة السورية المعتدلة”.
ستتأثر العلاقات العسكرية والاقتصادية بين موسكو وأنقرة، وسيسود بينهما فتور سياسي، وسيزداد الضغط النفسي على القيادة التركية، وربما تتصاعد في الفترة المقبلة خطط “الحرب بالوكالة” بين البلدين. لكنّ الطرفين يدركان أن حجم المصالح بينهما كبير (تركيا أكبر شريك تجاري لروسيا بعد أوروبا)، وسيسعيان، على الأغلب، لئلا يحول “حفظ ماء الوجه” دون الرغبة القوية في تطويق الحادث وضبط النفس وعدم التصعيد وخروج الأمور عن السيطرة. لكنّ المؤكد أن الرسالة التركية التي تضمنتها حادثة إسقاط “سوخوي 24” ليست تكتيكية، بل استراتيجية، ومتعلقة بملامح الحل المقبل في سورية الجديدة، وبالدور المتنامي لتركيا في التخطيط مع أميركا لإغلاق الحدود بين تركيا وسورية وتسريع الجهود لإنشاء منطقة آمنة شمال سورية، وعدم التخلي عن التركمان في ريف اللاذقية الشمالي.
….. عن “الغد” الاردنية
