تفجّرت أزمة حزب «نداء تونس»، الطرف المهيمن في الائتلاف الحاكم في تونس، على أوسع نطاق، عقب اجتماع هيئته التأسيسية بأحد فنادق مدينة الحمامات في محافظة نابل، على خلفية أحداث عنف وفوضى في مقر الاجتماع مطلع الشهر الجاري. فالاجتماع تعرّض إلى هجوم كاسح من قبل الجناح المحافظ في الحزب الذي يقوده نجل رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي، الذي قام بتجييش ميليشيات غريبة عن الحزب بهدف منع عقده. وفي الحقيقة، فإن أعمال العنف اندلعت بين مجموعة تابعة للأمين العام لحزب «نداء تونس» محسن مرزوق ومجموعة ثانية محسوبة على نائبه حافظ قائد السبسي، إثر منع بعض منتسبي التنسيقيات الجهوية والمحلية للحزب، المحسوبين على تيار السبسي، من حضور الاجتماع.
وكان الجناح الذي يقوده حافظ قائد السبسي عقد اجتماعًا موسعاً لقيادات «حزب نداء تونس» في جزيرة جربة يوم 18 تشرين الأول 2015، وكرس الدعم الكامل للرئيس الباجي قائد السبسي ومؤسسة الرئاسة ولحكومة التوافق برئاسة الحبيب الصيد وللكتلة البرلمانية للحزب (86 نائباً) التي شارك نحو 60 في المئة من أعضائها في اللقاء الذي انضم إليه «غالبية المؤسسين والقياديين» على مستوى وطني، برغم تغيّب الرئيس محمد الناصر والأمين العام محسن مرزوق ونائب الرئيس الطيب البكوش. وفيما اعتبر المحللون في تونس أن اجتماع جربة الذي كان حافظ قائد السبسي قد نجح في جمع العديد من قيادات حزب «النداء» وقواعده الشعبية لعقده، رجّح كفّة الجناح «الدستوري» (نسبة لحزب «الدستور» الذي أسسه الرئيس التونسي الأسبق بورقيبة) على حساب الجناح اليساري النقابي، من دون أن يحصل انقلاب بالمعنى السياسي والتنظيمي، اعتبر جناح الأمين العام للحزب محسن مرزوق اجتماع جربة، بأنه محاولة انقلابية على الشرعية، وبأنه يدفع نحو تعميق الأزمة الراهنة. ويحظى الجناح «الدستوري» الذي يقوده حافظ قائد السبسي، بدعم قوي من قبل الرئيس الباجي قائد السبسي ـ المؤسس والزعيم التاريخي للحزب ـ ومن رضا بالحاج الوزير مدير الديوان الرئاسي وأحد أبرز مؤسسي الحزب مع سي الباجي ـ منذ صياغة بيان 26 كانون الثاني 2012 ـ والذي ترأس اجتماع جربة. ويقود الجناح الأول في الحزب، نجل الرئيس الباجي قائد السبسي، حافظ قائد السبسي، والذي يسعى إلى لعب دور أكبر في الحزب من خلال السعي لإعادة هيكلته، بينما يتزعم الجناح الثاني الأمين العام للحزب، محسن مرزوق، المدعوم من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
في آخر تطور للانقسامات التي تهز الحزب، علّق 32 نائباً في البرلمان التونسي، مع بداية هذا الشهر عضويتهم في حزب «نداء تونس»، الذي يقود الائتلاف الحاكم في البلاد، ملوّحين بالاستقالة نهائياً من الحزب والكتلة البرلمانية (86 نائباً)، بعد أسابيع من احتدام الخلافات بين قياداته، ما يهدّد بانقسامه إلى حزبين، وحتى بإمكانية فقدان الأغلبية البرلمانية لمصلحة «حركة النهضة» الإسلامية. غير أن نواب «مجموعة الثلاثين» قرروا مؤخرًا «تعليق استقالتهم» من كتلة نداء تونس والعودة إلى العمل صلبها إلى حين انعقاد المكتب التنفيذي يوم 22 تشرين الثاني الحالي.
وقد تأسس حزب «نداء تونس» في حزيران 2012، وهو حامل لأيديولوجية علمانية تؤمن بفصل الدين عن السلطة، وببناء مجتمع مدني متطوّر. وكان الزعيم التاريخي الذي التفّت حوله الجموع الغفيرة من التونسيين هو الباجي قائد السبسي، الذي قاد الحزب إلى الفوز في الانتخابات التشريعية يوم 26 تشرين الأول 2014، وإلى الفوز في الانتخابات الرئاسية يوم 21 كانون الأول 2014. وحين أصبح رئيساً للبلاد، وممثلاً لجميع التونسيين، قدّم استقالته عن رئاسة الحزب. ويجد الرئيس نفسه اليوم بين نارين، فإما أن يضحّي بابنه نائب رئيس الحزب أو بأمينه العام مرزوق وهو أيضاً من المقرّبين منه، والذي يضع نصب عينيه أن يصبح رئيساً في قصر قرطاج.
الأزمة التي يعيشها «حزب نداء تونس» كشفت لنا أن هذا الحزب لا يقبل بالتعددية «الزعاماتية»، وهو وضع يذكّرنا بالحزب «الاشتراكي الدستوري» الذي أسسه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، حزب بورقيبة، حيث لا زعامات منافسة للـ «أنا» البورقيبية، ولا أفكار مخالفة للفكر السائد الواحد المقرّر من «أنا» البورقيبية، وما يحصل في «نداء تونس» هو معركة أجنحة ستحدد اسم زعيم الحزب الذي ستخول له الصفة السير على خطى الباجي قائد السبسي.. من البحيرة إلى قصر قرطاج. ويتهم يساريو حزب «نداء تونس»، التيار «الدستوري»، بأنه يسعى إلى جر الحزب إلى تحالف مع «حركة النهضة» الإسلامية وإلى تجريده من هويته كحزب ديموقراطي حداثي. فالجناح الذي يقوده حافظ قائد السبسي يعتمد على مجموعة من رجال الرئيس السابق بن علي، أي «الرافد التجمّعي» (المنتمين السابقين لحزب «التجمع» في عهد بن علي)، داخل الحزب وضع حد لسيطرة اليساريين والنقابيين، الذين يشغلون اليوم أكثرية «المواقع القيادية العليا في الحزب»، وأن المنتمين السابقين لـ «التجمع» يرون في السبسي الأبن «الحليف المناسب» لإنهاء سيطرتهم. وكذلك يسعى السبسي الإبن إلى التقرب من «حركة النهضة» لتثبيت أقدامه. والحال هذه، فالصراع الذي اشتد بين الجناح الذي يتزعمه محسن مرزوق الأمين العام للنداء وبين الجناح الذي يتزعمه نائبه حافظ السبسي «ليس صراعا شخصياً، وإنما هو صراع حول هوية الحزب».
هكذا، قد نكون أمام إعادة إنتاج «قضية» التوريث بإخراج جديد تبدأ على الصعيد الحزبي وقد تنتهي إلى قصر قرطاج الذي أبى بورقيبة أن يؤهل ابنه لدخوله رئيساً بعده، وحاول بن علي تأهيل زوجته وأحد أصهاره للإبقاء على الحكم في إطار «العائلة»، وهي مسألة يتعين على «حزب نداء تونس» أخذها بعين الاعتبار. وهناك مخاوف حقيقية في تونس الآن من سعي الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي من تثبيت ابنه كوريث له في الحكم، بالاستناد إلى أقلية محافظة.
فالرئيس الباجي قائد السبسي أصبح ماهراً للغاية في العلاقات العامة. فهو يجيد استخدام لغة الديموقراطية وحقوق الإنسان والأسواق الحرة، فيما يُثابر على الحفاظ على الادوات القديمة والاعتباطية في عملية اتخاذ القرار. وخلال ما بات يُعرَف بـ «الربيع العربي» في السنوات الخمس الماضية، سقطت الأنظمة العربية في ما يمكن تسميته «الجُمْهوريانيّة السُلالية»، وهو شكل من أشكال الحكومات يُترجم نفسه تقريباً بتعبير الإرْداف الخُلْفي: «الرئاسة الملكية». ها هو الرئيس الباجي المنتخب ديموقراطياً يريد أن يحافظ على الهيمنة العائلية على الحكومة التونسية، لكي تختصر الدولة التونسية إلى مجرد أدوات لتعزيز المصالح الخاصة والشخصية، بدلاً من تحقيق المصلحة العامة. هذا علاوة على أن النظام السياسي البورقيبي ـ النوفمبري الذي أٌعيد إنتاجه، بعد تحالف حزب «النداء» مع حزب «النهضة الإسلامية»، توجد فيها مؤسسات سياسية محدودة، غالباً ما تكتنفها النزعة الجهوية والعائلية المافياوية الفاسدة. وهذه الأخيرة تُسفِر بدورها عن مؤسسات سياسية لا ديموقراطية ومُشوّهة.
السفير
