بعد نحو أكثر من أسبوع على آخر محاولة أميركية لإقناع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بإبداء مرونة في الموقف من حل، الدولتين، والدخول في مفاوضات جادة مع السلطة الفلسطينية لبلوغ هذا الحل أطلق وزير الخارجية الأميركية جون كيري ما يشبه التحذير الأخير لإسرائيل في حال قررت ضم الضفة الغربية قائلاً: «كيف سيكون بوسع إسرائيل أن تبقى يهودية ديمقراطية من دون غالبية يهودية بين نهر الأردن والبحر المتوسط؟».
وأوضح «إذا استمر الوضع الراهن فان هناك خطراً حقيقياً من انهيار السلطة الفلسطينية.. فمن دون السلطة الفلسطينية ستغدو إسرائيل مسؤولة عن السيطرة المدنية في الضفة الغربية، وسيضطر الجيش الإسرائيلي لنشر عشرات الألوف من جنوده».
غير أن نتانياهو رد على كيري معلنا أن إنهاء النزاع سيتم أولاً مع الاعتراف الفلسطيني بـ «الدولة اليهودية» نافياً السير نحو دولة ثنائية القومية.
هذا الموقف الأميركي، ورد نتانياهو طرحاً تساؤلات عديدة.
ـ هل أن كلام كيري يعبر عن انحياز أميركي إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني، أم ينطلق من قلق واشنطن المتزايد على مستقبل إسرائيل، وبالتالي الحرص عليها ؟
ـ ماذا يعني انهيار، أو تفكك السلطة الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل ؟.
ـ ماذا يعني إصرار نتانياهو على اعتراف السلطة الفلسطينية بإسرائيل دولة يهودية كشرط مسبق للموافقة على إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح؟.
أولاً: في مغزى الموقف الأميركي:
يعتبر كلام كيري بهذا الشكل ومن منبر دولي، أول تحذير أميركي رسمي علني لإسرائيل من خطورة الامعان في سياسات رفض حل الدولتين والسير في حل الدولة الواحدة، وهذا يأتي من منطلق تعلية الصوت، وممارسة الضغط على حكومة نتانياهو لدفعها إلى الاقلاع عن مواصلة سياساتها المتشددة الهادفة إلى تدمير الحل السياسي لان ذلك يقود إلى نتيجتين ليستا في مصلحة إسرائيل وهما:
النتيجة الأولى: وهي نتيجة مباشرة وداهمة وتتمثل بخطر انهيار السلطة الفلسطينية، وما يعنيه ذلك من إنهاء الاحتلال المقنع، للضفة الغربية، والذي تحول بموجب اتفاق أوسلو إلى أرخص احتلال في التاريخ، وبالتالي عودة إسرائيل إلى تحمل كامل أعباء احتلالها للضفة الغربية، اقتصادياً واجتماعياً، وعسكرياً وأمنياً وضرب ما يسمى أميركياً بتيار الاعتدال الفلسطيني لصالح تعزيز التيار الراديكالي الرافض لنهج أوسلو، والداعي إلى اعتماد نهج المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وسيؤدي ذلك إلى صب الزيت على نار الانتفاضة الفلسطينية المتجددة، وتوسيع حجم المشاركة الشعبية والفصائلية وصولاً إلى زيادة عمليات المقاومة، واحتمال تطورها إلى هجمات يستخدم فيها الأسلحة الحديثة، وليس فقط السكين والدهس بالسيارات، كما هو حاصل حتى الآن.
ومثل هذا المآل للأوضاع سيكون له أيضاً نتيجة سلبية على صورة إسرائيل في العالم حيث سيزيد من عزلتها الدولية وحجم المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية في أوساط المؤسسات الغربية غير الحكومة لها من ناحية، وسيعزز من التضامن مع الشعب الفلسطيني في مواجهته سياسات القمع والإرهاب والاستيطان والتهويد من ناحية ثانية.
وعلى الرغم من أن هذا السيناريو المتوقع من انهيار السلطة الفلسطينية، يحظى بتأييد وزراء في الحكومة الإسرائيلية، لاسيما وزراء البيت اليهودي، وغيرهم من المتطرفين، إلاّ أن هذا السيناريو بدأ يقلق قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ويشكل كابوساً لهم، خصوصاً وأن عملية تفكك السلطة بنظر محلل الشؤون الفلسطينية في موقع «واللا العبري» آفي يسخاروف، قد بدأت حقاً مستشهداً بعملية إطلاق النار التي نفذها مازن العريبة، وهو ضابط في الأمن الفلسطيني، حيث استشهد على أثرها برصاص جنود الاحتلال، وقام صائب عريقات، ممثلاً للسلطة، بتقديم العزاء لعائلته الأمر الذي يؤشر إلى أن السلطة لم تعد قادرة على معارضة العمليات ضد جنود الاحتلال والمستوطنين، وأن قدرتها على ضبط قواعدها بدأت تتقوض في ظل الانتفاضة، وإصرار حكومة نتانياهو على مواصلة سياساتها التي تقفل الأبواب أمام الحل السياسي، وتؤدي إلى إضعاف السلطة.
ولهذا يرى يسخاروف «أن أمد وقف السلطة الفلسطينية للتنسيق الأمني بات قصيراً جداً، ويمكن أن يتوقف متى قررت إسرائيل فرض عقوبات على السلطة، أو وقف تحويل أموال الضرائب لها، وهذا مطلب الكثير من أعضاء اليمين، وفي حال تأزم الوضع الاقتصادي يمكن أن يتنازل أبو مازن عن السلطة ويترك الكرة في الملعب الإسرائيلي أي احتلال إسرائيلي للضفة الغربية بالكامل».
عن الوطن القطرية