ثمة حركة إسلامية محافظة متشددة، تبشر باللاعسكرة، وتكسب الأتباع في جميع أنحاء الشرق الأوسط والعالم. هل تشكل حركة “الدعوة” ترياقاً ضد مجموعة “الدولة الإسلامية”، أم أنها تشكل تهديداً آخر للغرب؟
عمّان، والقاهرة- يستعرض أبو مراد بأنظاره جمهور المصلين في المسجد في غرب عمان. ويركع بعض المتأخرين لأداء صلاة المغرب، بينما يؤدي آخرون صلاة السنة منفردين في الزاوية. وتهمس حفنة من الرجال المسنين بآيات من القرآن في الخلف. ويبدأ أبو مراد الحديث وهو يحدق في الحشد: “لقد كنت مسلماً. لكنني لم أكن أعرف الإسلام”.
لمدة 15 دقيقة، يتحدث أبو مراد إلى الجمع المكون من 60 شخصاً. يتحدث عن إخفاقاته السابقة؛ عن انشغاله بالملذات الدنيوية عن الصلاة بانتظام. ويستحضر قصصاً عن صحابة النبي محمد، الذين ارتحلوا قاطعين مئات الأميال، وتحدوا قطاع الطرق والجيوش من أجل نشر كلمة الإسلام وراء في القرن السابع الميلادي.
والآن، في عصر النقل الجماعي والتقنية الحديثة، أصبحت المشقات أقل، لكن العالم الإسلامي لم يكن أبداً في حاجة إلى إحياء روحي مثلما هو اليوم. وإذا كان صحابة النبي قد ضحوا بحياتهم لنشر الدعوة الإسلامية، كما يقول أبو مراد، فإن العرب المسلمين اليوم يستطيعون فعل الشيء نفسه.
في البداية، يبقى الحشد في المسجد للاستماع من باب الفضول، أو ربما التأدب. لكنهم أصبحوا يصغون كلهم الآن تقريباً -باهتمام.
يقول أبو مراد بينما يرتفع صوته: “الدين ليس الصلاة فقط: إنه عمل! إنه اجتهاد! ولم نكن نحن المسلمين أحوج إلى العمل مما نحن الآن”.
ثم تأتي لحظة الحقيقة. ويسأل أبو مراد: “مَن يرغب؟ مَن مُستعد؟”.
وترتفع عشرات الأيدي في الهواء. ثمة رجال، من الشيب والشباب، في البدلات الغربية أو الأثواب البيضاء، وبعضهم يساريون، وآخرون من أتباع حركات إسلامية أو قبائل، كلهم يلزمون أنفسهم بواحدة من الحركات الإسلامية الأسرع نمواً، والتي تجتاح الشرق الأوسط الآن: حركة التبليغ والدعوة.
ما كان قد بدأ كحركة صحوة للأقلية الإسلامية المحاصرة في الهند تحت الحكم البريطاني، تحول على مدى القرن الماضي إلى ظاهرة عالمية، والتي ربما يكون لها الآن نحو 50 مليوناً من الأتباع. وتحث حركة “الدعوة”، غير المسيَّسة بصرامة، أتباعها على القيام برحلة روحية شخصية على طريقة محمد وأتباعه.
غايتهم هي السفر بخفة، ونشر الكلمة لإخوانهم المسلمين -من قرية إلى أخرى، ومن مسجد إلى آخر- بحيث يتم جلب المزيد منهم إلى الحظيرة. ومسلحين فقط بحقائب الظهر، وأكياس النوم، ورسالة بسيطة، يذهب نشطاء “الدعوة” من باب إلى آخر في أكثر من 200 بلد، بما فيها الولايات المتحدة.
ولكن، في السنوات الأربع الأخيرة، لم تشهد أي منطقة نمواً للحركة أسرع من العالم العربي؛ حيث انجذب عشرات الآلاف من الشباب الضجرين إلى دعوة حركة “الدعوة”. وبالنسبة لهذا الجيل من الشباب ذوي التوجهات الإسلامية، ترك فشل الحركات الأخرى، مثل فشل “الإخوان المسلمين” في حكم مصر، وخيبات الأمل المتنامية من الفوضى والعدمية التي تعرضها الميليشيات الجهادية في سورية والعراق، ترك فجوة لا تني تتسع. ومن قلب القاهرة إلى الريف السوري الذي دمرته الحرب، شكلت خسائر الإسلاميين مكاسب حركة “الدعوة” إلى حد كبير.
سوف يكون طرح بديل يحظى بالشعبية لسياسة الكراهية التي تروجها جماعات مثل “الدولة الإسلامية” بلسماً لمنطقة أنهكها الصراع. كما سترحب عواصم الغرب التي تعاني بسبب الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس أيضاً بمثل هذه القوة النقيضة. ولكن، هل ينطوي صعود “الدعوة”، هذه الحركة التقشفية السرية التي تنشر عقيدة حرفية ترفض الحياة العصرية، على مثل هذا الوعد حقاً؟
بحث أعضائها على اتباع سبل محمد، وبإصرارها على الفصل بين الرجال والنساء في الفضاءات العامة، تردد حركة “الدعوة” صدى بعض التعاليم التي تعتنقها حركة طالبان ومجموعات محافظة متطرفة أخرى.
بدلاً من أن تكون “الدعوة” رقيباً ضد التطرف، يقول بعض المنتقدين إن ماركتها من الإسلام ربما تكون بوابة إلى الممارسات نفسها التي تقول إنها تريد مواجهتها. في بريطانيا، اجتذبت الحركة أتباعاً مثل ريتشارد ريد، الذي حاول في أواخر العام 2001 تفجير قنبلة مخبأة في حذاء على متن طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة.
لكن الجماعة تصر على أن رسالتها هي اللاعنف، وعلى أنها لا تنطوي على أي كراهية للأديان والشعوب الأخرى. وأنها تسعى، بدلاً من ذلك، إلى أن تُري المسلمين أن الظلم والاضطهاد اللذين يواجهونهما في بلدان مثل سورية، هي أعراض لمجتمع فقد أخلاقيته. ويصر أتباعها على أن الحل لا يمكن في المقاومة المسلحة أو النشاط السياسي، وإنما في الممارسة الروحية.
وتنقسم الآراء بشأن حركة “الدعوة” بشدة: هل هي حقاً ترياق غير عنيف ضد مجموعات مثل “داعش”، أم أنها تهديد آخر ينبغي أن يقلق منه الغرب في مرجل من الحركات الدينية في الشرق الأوسط الكبير.
• • •
عندما بدأ محمد إلياس الكاندهلوي حركته التبشيرية في شمال غرب الهند في العام 1927، كان ذلك رد فعل على الثقافة الهندوسية المهيمنة التي خشي المسلمون أن تمحو قروناً من الأعراف والتقاليد الإسلامية. وأراد السيد الكاندهلوي، الذي كان مديراً لمدرسة إسلامية، أن ينقل تعاليمه من غرفة الصف إلى الرجال والنساء العاديين.
في اللغة الأوردية، سميت الحركة “تبليغي جماعت”. وتحول اسمها لاحقاً إلى “التبليغ والدعوة” بالعربية. وكانت حركة “الدعوة” متجذرة في المدرسة الديوباندية من الإسلام السني، التي ظهرت في شمال الهند في القرن التاسع عشر. وقد سعى الديوبانديون إلى تعليم المسلمين وتشجيع نموهم الروحي، بينما يؤكدون الحاجة إلى تنقية الدين من الهندوسية.
انقسمت الحركة الديوباندية بفعل انفصال الهند في العام 1947. وهي ما تزال مؤثرة في باكستان؛ حيث قامت حوزاتها العلمية بتدريب المتشددين الإسلاميين الذين قاتلوا في كشمير وأفغانستان، بمن فيهم قادة طالبان. لكن قادة “الدعوة” يقولون إن حركتهم اليوم ليست مرتبطة بالديوبانديين، أو أي مدرسة فكرية مخصوصة.
توفي الكاندهلوي في العام 1944. لكن الحركة اللامركزية التي صنعها أصبحت شبكة عالمية، معززة برسالتها الإحيائية البسيطة، وبتفاني أتباعها الذين معظمهم من الشباب المنجذبين إلى مثاليتها. وأكبر حدث سنوي للحركة هو تجمع للصلاة والصوم لمدة ثلاثة أيام، يقام في بنغلاديش ويجذب ما يقرب من 5 ملايين من الأتباع، مما يجعله ثاني أكبر تجمع للمسلمين في العالم بعد موسم الحج في مكة.
كل يوم، يذهب الآلاف من مجموعات أتباع “الدعوة” في مهمات تدعى “الخروج”. ومثل شهود يهوه، يقارِبون الناس من باب إلى آخر. يرتدون الثياب البيض على غرار النبي محمد وأتباعه، متممة بالعمائم البيضاء. ويلقون خطبة من دقيقتين؛ حيث يباركون الناس الذين يزورونهم، ويطلبون منهم طلباً واحداً: أن ينضموا إليهم للصلاة وسماع محاضرة صغيرة في مسجد الحي.
في دروسهم، المأخوذة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، يعرض أنصار “الدعوة” هدفين بسيطين: أولاً، يشجعون إخوانهم المسلمين على العودة إلى ما يعتقدون أنها معايير وأخلاق صحابة النبي. ثانياً، يقومون بالتجنيد، طالبين من المصلين الانضمام إلى “الدعوة” والمشاركة في “الخروج”.
ويتم حث أنصار “الدعوة” على التبشير ثلاثة أيام كل أسبوع، و40 يوماً متتالية في السنة، والمشاركة في مهمات بطول أربعة أشهر مرة واحدة في العمر. وتعني هذه الصيغة تدفقاً مستمراً من المجندين الجدد، على نحو يشبه منهج التسويق المتسلل الذي تستخدمه منتجات “توبروير” و”ماري كاي”. لكنه ليس هناك منتج مادي يُباع، وإنما مجموعة من ستة مبادئ يجب أن يعتنقها أعضاء “الدعوة”، بما فيها الالتزام بالصلاة والدرس، واحترام المسلمين الآخرين، وصدق النية.
لكي يكونوا مثالاً يُحتذى، يحاول أتباع “الدعوة” محاكاة الممارسات الاجتماعية للنبي محمد في كل جوانب الحياة، بدءا من أي قدم يجب الخروج بها من الجامع أولاً، إلى أين يولّي المرء وجهه عندما ينام في الليل. وهم يأكلون من أطباق جماعية على الأرض، وينظفون أسنانهم بغصينات معروفة بخصائصها المضادة للبكتيريا (السواك)، كما فعل صحابة النبي.
في كثير من الأحيان، يتمتع نشطاء الدعوة بتعليم أو تدريب رسمي؛ لكن الاعتقاد في القلب يأتي عندهم قبل المعرفة الإسلامية. ويستطيع أي شخص عادي أن يتعلم طرق الحركة ويصبح شيخاً. ويجعل أسلوب إدارتها حركة “الدعوة” أقرب إلى حركة “احتلوا وول ستريت” منها إلى جماعة إسلامية تقليدية: إنها تعامل كل الأفراد الجدد والقدامى كأنداد متساوين، وتطرح كل اقتراحاتها للتصويت العام.
ولا ينخرط أنصار “الدعوة” في مناظرات لاهوتية ولا يبثون تعاليمهم على “يوتيوب”. وليس للمجموعة موقع إلكتروني، ولا قنوات للإعلام الاجتماعي. بل إنها تمنع أتباعها من إلقاء خطب صلاة الجمعة التي تشكل المنبر للشارع العربي.
وهو نهج عمل يبدو أنه يطرح الثمار.
• • •
يقف محمد مصطفى خلف طاولة بقالته الصغيرة الفوضوية المكونة من غرفة واحدة على زاوية حي صاخب في غرب القاهرة. وكان في السابق مؤيداً متحمساً لجماعة للإخوان المسلمين؛ أكبر المجموعات الدينية في المنطقة وأفضلها تنظيماً. ولكن، بعد صعود الجماعة المفاجئ للسلطة، والذي تكلل بانتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر في العام 2012، سرعان ما أصيب السيد مصطفى بخيبة الأمل. وشعر بأن جماعة الإخوان فشلت في جلب المزيد من الأسلمة للمجتمع المصري. وخشي أن تكون السنوات التي قضاها في العمل معها قد أخذته أبعد عن الله، وليس أقرب إليه.
ويتساءل مصطفى: “طوال سنوات، ركزنا على الإصلاح السياسي، والمقاعد البرلمانية، والقصر الرئاسي -أين أوصلنا ذلك؟”.
ثم، جاءت مجموعة من أتباع “الدعوة” إلى عتبة منزله بعرض: تعال إلى الجامع المحلي واحكِ قصتك. وسرعان ما أصبح عضواً فاعلاً في الحركة وانضم إلى مهمات التبشير.
ويقول وهو ينظر من خلف كومة كبيرة من النوتيلا، والسنكرز، وأكياس رقائق بطاطا ليز: “الآن نحن نخوض المعركة الحقيقية من أجل قلوب المسلمين، والمسلمين المصريين”.
باعتبارها أكثر الدول العربية سكاناً، ظلت مصر منذ فترة طويلة جائزة للإسلاميين. ويشعر نشطاء “الدعوة” بأن وقتهم قد حان الآن. فالسيد مرسي، الذي أطاح به الجيش المصري من السلطة في العام 2013، قابع الآن في السجن ويواجه حكماً بالإعدام. وتم حظر جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى في مصر. وتواجه المجموعات الإسلامية الأخرى ضغوطاً من الحكومة المدعومة من الجيش أيضاً.
وإنما ليس حركة “الدعوة”. فتجنبها السياسة وعدم انتقاد سياسات الحكومة، تجنبت الحركة حملة الدولة القاسية على الجماعات الإسلامية. ويقول الناشطون إن الحركة تشهد “نهضة” في مصر، وربما تكون قد ضاعفت عضويتها هناك في السنوات الخمس الأخيرة.
مع أن قادة الحركة رفضوا إجراء مقابلات خاصة معهم من أجل إعداد هذا الموضوع، يقدر محللون خارجيون وأعضاء من حركة “الدعوة” المصرية أعداد المجموعة بحوالي 300.000 شخص. ومن مقرها في الجيزة في ضواحي القاهرة، ينتشر المئات من أعضاء “الدعوة” في جميع أنحاء البلد لكسب المزيد من المجندين الجدد. ويقول الخبراء أن النكسات التي عانى منها الإسلاميون السياسيون في مصر والدول الإسلامية الأخرى، والتي أنجبتها انتفاضات الربيع العربي في العام 2011، خلقت أرضية خصبة للحركات الإحيائية مثل “الدعوة”.
يقول إبراهيم موسى، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة نوتردام في إنديانا، والذي درس المجموعة: “الناس الذين تضرروا من طريقة عرض الإسلام ينجذبون نحو حركة التبليغ و(الدعوة)”. إنها تعرض “الأصالة والهوية الإسلامية، وهي أشياء أصبح الكثيرون، حتى من داخل جماعة الإخوان المسلمين نفسها، يجدون أنفسهم باحثين عنها فجأة”.
عندما ذهب المصريون إلى صناديق الاقتراع في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، قام السلفيون والمجموعات الإسلامية من مختلف ألوان الطيف بتقديم مرشحين. وفي ذلك الحين، تكهن الكثيرون بأن حركة “الدعوة” ستفعل ذلك أيضاً. لكن قادتها في مصر رفضوا تأييد أي حزب أو مرشح رئاسي مخصوص. ولدى تأمل الأمر الآن، فقد كان ذلك قراراً حكيماً وبشيراً بالخير.
الآن، يتحول الآلاف من أتباع الإخوان المسلمين القدماء عن المشهد السياسي. ويقول محمد، وهو معتنق آخر لحركة “الدعوة”، والذي أعطانا اسمه الأول فقط: “لقد حاولنا تغيير القوانين من أجل تغيير المجتمع، وفشلنا”.
ومثل آخرين في دائرته الاجتماعية، يقول إن جماعة الإخوان المسلمين تتقاسم بعض اللوم عن سقوطها الدرامي، لأن قادتها أصبحوا عالقين في “المفاسد الدنيوية” التي تتجنبها حركة “الدعوة”. ووفقاً لهذه الأطروحة، فإن المشاركة في الانتخابات من أجل كسب ولاية للحكم ليست هي الطريق الصحيح لتغيير المجتمع. إن ما يجب أن يأتي أولاً هو الطهارة الروحية.
كناشط شاب في جماعة الإخوان المسلمين، يقول محمد إنه ذهب هو وأصدقاؤه إلى المتاريس في القاهرة في العام 2013 بعد طرد مرسي من السلطة. وهو يتساءل الآن عما إذا كانوا قد خاضوا الحرب الخاطئة. ويقول: “كنا مليئين بالكراهية؛ كنا عاكفين على الأمور الدنيوية مثل السلطة، التي يبيّن التاريخ أنها لا تماثل المحبة والرحمة. عندما نغير قلوب الناس، فإننا سنحصل أخيراً على مصر التي حلمنا بها”.
• • •
في شقة في عَمان، يغضن محمدٌ آخر جبينه وهو يسند رأسه إلى راحتيه. وخلال الدقائق العشرين الماضية، ظل مطرقا بأدب ويأخذ رشفات من كوب الشاي الذي يبرد باطراد، بينما يستمع إلى الرجال الثلاثة الذين يجلسون مقرفصين في الغرفة.
والزوار نشطاء حشدهم قادة “الدعوة” بسرعة وأرسلوهم للحديث مع الشاب السوري في العشرين من العمر، الذي يناضل مع خيار صعب: أي مجموعة جهادية مسلحة يجب أن ينضم إليها في سورية؟
بالنسبة لنشطاء “الدعوة”، ليس هذا خياراً على الإطلاق. وهو السبب في أنهم هرعوا مسرعين إلى الشقة في الساعة 11 ليلاً -لتبيان فضائل “محبتك إخوانك من المسلمين وغير المسلمين”.
ويقول محمد وهو ينظر إلى الأرض: “عفواً، يا شيوخ. أنا أقدر وقتكم وحكمتكم. لكننا في حالة حرب في سورية. المسلمون يُذبحون هناك كل يوم. إنه واجبي، وواجبنا، أن ندافع عن أمة الإسلام -أن نجاهد”.
ويبتسم ناشط “الدعوة” أبو آدم، ثم يجيب بسرعة: “لكن الجهاد لا يكون في ساحات المعارك؛ إنه يكون في قلوب الرجال والنساء، من المسلمين وغير المسلمين على حد سواء. “الدعوة” جهاد”.
ويغمغم محمد، بدون أن يرفع أنظاره، بآية قرآنية، في رد مدروس لتبرير قراره: “تقول سورة الحج في القرآن الكريم: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ…””.
ويسارع أبو آدم إلى إكمال الآية: “أَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ”.
ثم يضيف قولاً آخر من عنده. “عندما يرفع هؤلاء سيوفهم في وجه الإسلام، فإن الله سوف يرفع سيوف الكفار في وجوههم”. ويواصل بدون أن يرفع أنظاره عن محمد: “انظر. الحروب والكوارث التي تصيب العالم الإسلامي هي مجرد أعراض”.
ويقول للشاب: “حتى تشفى، عليك أن تعالج المرض، لا أن تشفي العرَض -هذا مبدأ علمي. والمرض هو تخلي المسلمين عن الإسلام”.
بالنسبة لملايين من المسلمين الذين يعانون الحروب الطاحنة في العراق وسورية واليمن وليبيا، يمكن أن تكون الدعوة إلى الجهاد العنيف قوية وملحة. لكن ذلك يشكل تحدياً لرسالة حركة “الدعوة” الجوهرية القائلة إن الطريق إلى الخلاص يكمن في إعادة ترسيخ المبادئ الإسلامية. وليس من الواضح كم يثبت هذا النهج فعاليته بعد.
يزعم نشطاء “الدعوة” أنهم أقنعوا خلال العام الماضي مئات الشباب المسلم في الأردن، ومصر، والسعودية، بأنه لا يجب عليهم الانضمام إلى صفوف “الدولة الإسلامية”. ومع ذلك، شهدوا في الشهر السابق وحده اثنين من الشباب المتطرفين في الأردن وهم ينزلقون من قبضتهم؛ واللذين يُعتقد أنهما يقاتلان الآن في سورية.
مثل هذه التدخلات تنعكس على إقناع أتباع “الدعوة”. إنهم يحثون الشباب الساخط على الاستجابة لنداء النشاط الاجتماعي الشعبي. ويضرب تأكيد “الغاية الأسمى” على وتر حساس لدى الإسلاميين. والاعتقاد هو أنه عندما يتحد العالم الإسلامي روحياً فقط، سيستطيع أن يتخلص من علله المقيمة تماماً وللأبد. وفي الوقت الراهن، كما تصر المجموعة، تشكل كل القضايا السياسية “انحرافات” عن الطريق الإلهي إلى الانسجام الإسلامي. وعلى النقيض من ذلك، تقول الجماعات الجهادية، مثل “الدولة الإسلامية” و”القاعدة، إن العمل العسكري للدفاع عن الأراضي الإسلامية هو الطريق القويم.
يقول علاء عمر، الناشط الأردني في “الدعوة”: “الفساد، البطالة، والظلم، هي التي تدفع الشباب المسلم إلى الهروب من حياتهم والركض نحو شيء أعظم. تنتمى أن يركض المزيد منهم إلى “الدعوة”، لكنه ما يزال هناك البعض ممن يهربون إلى أحضان الجهاديين”.
بعد أن يتعب من الجدال ويجد نفسه محشوراً في زاوية لاهوتية، يلين الشاب السوري محمد في نهاية المطاف: “حسناً، حسناً. لن أذهب على الفور. سأعطي الأمر فرصة أخرى”.
ويسأل أبو آدم: “أربعون يوماً من الخروج؟”.
ويجيب محمد: “أربعون يوماً. لكنني إذا بقيت أشعر بالنداء، سأذهب إلى سورية على الفور”.
وبينما يغادر الشقة، يبدو أبو آدم واثقاً، ويقول: “بمجرد أن يفتحوا قلوبهم وينضموا إلينا، فإنهم لا يعودون أبداً إلى الوراء”.
مع كل جهودها للتحدث إلى الشباب المتطرفين وتهدئتهم، كانت لحركة “الدعوة” مواجهاتها الخاصة مع التشدد. وقد جذبت نسختها غير الليبرالية من الإسلام ورفضها للحداثة الكثير من الأتباع الذين ذهبوا لاحقاً إلى تأييد العنف ضد الغرب باسم الإسلام. وكان محمد صديق خان، الذي خطط الهجمات الإرهابية في تموز (يوليو) 2015 في لندن، يصلي في مسجد تابع لحركة “الدعوة” في شمال إنجلترا. ويقال إن جون ووكر ليند، الأميركي الذي قاتل في صفوف طالبان، كان يحضر اجتماعات “الدعوة” في الولايات المتحدة، حيث تقول الحركة إن لها الآن نحو 50.000 من الأتباع.
يقول قادة “الدعوة” إن هؤلاء الأفراد قد انتهكوا كل جزء من عقيدتهم، وإنهم لا يمثلون الحركة. ويشيرون إلى أن المتشددين الجهاديين يعارضون حركة “الدعوة”، وإن رسالتهم الأساسية هي التحسين الروحي الذاتي.
مع ذلك، لا تلقى الحركة المساعدة من سريتها أو من شكوك الخارجيين. في بريطانيا، جرى اتهام أعضاء الحركة بترويج أجندة مناهضة للاندماج، وتغذية فكرة أن القيم الغربية تشكل تهديداً للمسلمين. ويقول المنتقدون إن أعضاء الحركة يعتنقون وجهات نظر متعصبة غير متسامحة، والتي تخلق مناخاً يمكن أن يزدهر فيه المتشددون.
تحث “الدعوة” النساء، اللواتي يُشاهدن بالكاد في الحركة، على وضع غطاء كامل للوجه. وتجتمع التابعات النساء في المنازل، وليس في المساجد. وفي مسعى “الخروج”، تلتقي النساء بنساء أخريات في “بيت ضيافة” في الحي. ولا يكون رجال “الدعوة” بعيدين؛ حيث يجلبون الحاجيات والطعام للناشطات الإناث. (رجال “الدعوة” الذكور، الذين يدعمون منهجاً صارماً للفصل بين الجنسين، رفضوا طلب مراسلنا إجراء مقابلات مع النساء من أجل إعداد هذه المادة).
تنظر “الدعوة” إلى الموسيقى الدنيوية والتلفاز باعتبار أن لهما تأثيرا مُفسدا. ويزعم النقاد وجود هدف طويل الأمد لدى الحركة، هو خلق جيوب إسلامية تطهيرية متزمتة، ترفض شرعية الحكومات الدنيوية.
مع ذلك، وفي منطقة الجماعات الإسلامية التي تسبب القلق لأجهزة المخابرات الغربية، لا تشكل “الدعوة” مصدر قلق رئيسي. وبينما قد يكون بعض الأشخاص “محل اهتمام”، كما يقول دبلوماسي غربي يعمل في العالم العربي، فإنه لا يُنظر إلى الحركة كتهديد أمني على قدم المساواة مع الجماعات الأكثر تطرفاً.
ويعرب غراهام فولر، المحلل الرفيع السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، والذي راقب المجموعات الإسلامية، عن شكوكه في مزاعم بأن حركة “الدعوة” تشكل بوابة إلى التطرفي. ويقول إنها تمثل بديلاً غير عنيف، وإن توسعها يجب أن يكون موضع ترحيب على هذا الأساس.
ويقول فولر: “إذا كان بعض الناس يقولون: “انظر، إننا لا نريد جماعة الدعوة هنا على الإطلاق”، فإنهم لا يعيشون عندئذٍ في العالم الحقيقي”. إن الحركة “تخاطب كل حاجة أساسية لتعبير المرء عن إيمانه فيما وراء الصلاة”.
في الولايات المتحدة وأوروبا، تستهدف “الدعوة” المجتمعات المسلمة؛ حيث تشجع مواطني الجيل الثاني -أو الثالث- من ذوي الأصول الأفريقية والآسيوية على العودة إلى جذورهم. كما تعمل الحركة أيضاً كمصدر تثقيف مجاني للمتحولين الجدد إلى الإسلام؛ حيث تقدم لهم الإرشاد والتعليم. ولدى الحركة مراكز إسلامية في نيويورك وشيكاغو.
يقول ناشطون من “الدعوة” إنهم يريدون تحسين النظرة إلى الإسلام بين غير المسلمين. وعن طريق عرض مبادئ الإسلام -الكرم، ومحبة الإخوة من الرجال والنساء، واحترام الطبيعة، والنظافة، والتواضع- فإنهم يسعون إلى محاربة التحيز والأحقاد.
وفي العالم العربي، يبدو تأثير “الدعوة” واسعاً، ولكن من الصعب قياسه. إنها لا تمتلك تقريباً بنية تحتية أو ميزانية مركزية، وتقوم باتخاذ القرارات فيها شبكة فضفاضة من الشيوخ، بتنسيق محدود مع مقر الحركة الأساسي في الهند. ويُمول كل تجمع أو “خروج” للحركة نفسه ذاتياً من المتطوعين أنفسهم، الذين عادة ما يعتمدون على السكان المحليين في وجبات الطعام.
في واقع الأمر، ربما يكون أكبر مكامن قوة حركة “الدعوة” هو ضعفها الكبير: إنها لا تمتلك برنامجاً أو أجندة واسعين، باستثناء الدعوة إلى التبشير.
وتعكس هذه الرؤية الضيقة جذور الحركة في خدمة دور تعليمي للمسلمين غير العارفين، كما يقول حسن أبو هنية، الخبير الأردني في الحركات الإسلامية. ويضيف: “ليست لديهم ببساطة أهداف كبرى، وهم لا يتحدثون عن قضايا وأزمات اليوم”.
ويحذر السيد أبو هنية من أن افتقار حركة “الدعوة” إلى سرد كبير يمكن أن يقود أتباعها إلى التحول باتجاه الحركات الإسلامية السياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيين التقليديين، بل وحتى الجهاديين.
البروفيسور موسى، الذي تعرف إلى الحركة أول الأمر في مسجد في وطنه الأصلي في جنوب أفريقيا، يصف الحركة بأنها “إسلام 101″، من دون أي مساقات متقدمة. “إنها ليست كافية بالنسبة للبعض. إنها جيدة للقلب، لكنها غير مرضية فكرياً، وهو السبب في أنك ترى الكثيرين يعبرون فوقها” إلى الجماعات الإسلامية ذات الأجندات السياسية.
في تناقض صارخ مع ما يعتقد به متشددو الجماعات المتطرفة، مثل “الدولة الإسلامية”، يؤكد قادة “الدعوة” أن المحبة والصلاة ستقهران كل شيء في نهاية المطاف.
ويقول السيد عمر، المخضرم الأردني في الحركة: “نحن لا نريد السلطة. نحن لا نريد المال. ونحن لا نريد النفوذ. إننا نريد فقط محبة الله للجميع. هذا هو سر نجاحنا>
كرستيان سينس مونيتور)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
“.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:The mysterious Islamic movement quietly sweeping the Middle East
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
