الرئيسية زوايا ثقافة وادب ثلاثية الصمت والالتباس والاختفاء ما بين حكايات «آدم دنّون» وحكايات الفلسطينيين ...

ثلاثية الصمت والالتباس والاختفاء ما بين حكايات «آدم دنّون» وحكايات الفلسطينيين رواية “أولاد الغيتو” لإلياس خوري .. شهادة تاريخية نادرة عن مجازر اللد بنفسٍ روائي مبهر

20151512080330

 

كتبت بديعة زيدان:كثيرون في هذا العالم ومنهم فلسطينيون أيضاً، لا يعرفون الكثير، وبعضهم لا يعرف شيئاً عن مجزرة ومحرقة اللد في صيف 1948، والتي استمرت حتى سقوط اللد بشكل كامل على يد قوات العصابات الصهيونية، وهذا ما التقطه الروائي اللبناني فلسطيني الهوى إلياس خوري في روايته الجديدة “أولاد الغيتو” او «اسمي آدم»، الصادرة، قبل أيام، عن دار الآداب في بيروت.
لم يكتف خوري، الذي اعتبر في حديث خاص أن روايته الجديدة يمكن اعتبارها جزءاً ثانياً من روايته «باب الشمس»، بهذا الكشف عن تلك المساحة المظلمة من تاريخ الشعب الفلسطيني، بل قدّم رواية جديدة حول المجزرة تخالف القليل من المتداول عنها، وتتوسع في الوصف المؤلم لعذابات الفلسطينيين .. فهذا الـ”هولوكوست»، إن جاز التعبير، ليس إلا مقدمة لمآسٍ إنسانية أكبر، تطرق إليها خوري في صفحات روايته الـ «420»، والتي حاول من خلالها، وعبر شخصية «آدم دنّون» ملتبس الهوية، تسليط الضوء على محطات مغيبة أو غائبة عن صفحات كتب التاريخ، بأسلوبه الفذ.
ويمكن اعتبار عنوان الرواية بحد ذاته مثيراً للجدل، خاصة أن «الغيتو ارتبط» باليهود الذين كانوا يعيشون في أوروبا، قبل قيام ما تسمى دولة إسرائيل على أنقاض مدننا وقرانا الفلسطينية، وهو ما عبر عنه في المقطع الذي اختاره ليتصدر الغلاف الخلفي للرواية، حيث قال: “لا تعرف منال معنى كلمة غيتو، أو من أين أتت. كل ما تعرفه أن سكان اللد (المدينة المسيجة بالأسلاك) سمعوا الكلمة من الجنود الإسرائيليين، فاعتقدوا أن كلمة «غيتو» تعني حي الفلسطينيين، أو حي العرب، كما قرر الفلسطينيون تسمية سكان البلاد الأصليين .. وحده مأمون كان يعرف: الغيتو هو اسم أحياء اليهود في أوروبا … قبل أن ترد، عليه منال بسؤال ساذج وموجع في آن “يعني إحنا صرنا يهود؟!”.

حكايات آدم
ولآدم دنّون (الشخصية المحورية في الرواية) حكايات وحكايات، فهو ذلك الخمسيني الذي يبيع الفلافل في مطعم يتشارك في ملكيته مع إسرائيلي بمدينة نيويورك الأميركية، وهو الذي كان قد حصل على اسمه بقرار من مختار «الغيتو»، كونه أول مولود فيه، في إحالة رمزية لأول كائن بشري في هذه المعمورة، رغم أن والدته المفترضة (منال) كانت تنوي تسميته باسم آخر.
ولفت خوري في مطلع روايته إلى أنه حصل على «دفاتر آدم” من خلال طالبته الكورية التي كانت تتردد على مطعم الفلافل لفرط إعجابها بصانع الفلافل قبل الفلافل نفسها، حيث يفاجئنا، وعبر فصول الرواية، التي هي أشبه بشريط سينمائي، بالكثير الكثير مع كل صفحة وربما مع كل فقرة، حيث يكشف آدم عن فلسطينيته التي كان يحاول أن يخفيها ربما كونه كان يعشق حالة الالتباس التي يعيشها، فإجادته للعبرية بطلاقة وشراكته مع إسرائيلي في ملكية مطعم الفلافل، تلك الأكلة الشعبية في فلسطين وبلاد الشام، والتي يحاول الإسرائيلي نسبها إليه، في حالة التباس جديدة أيضاً، جعلت الآخرين يعتقدونه إسرائيليا، مع أنه في داخله فلسطيني حتى النخاع، وهذا ما يتكشفت من خلال أوراقه التي سرد من خلالها مجازر اللد، وحياة القلة التي بقيت على قيد الحياة وحوصرت في «الغيتو» بأسلاك شائكة.

وضاح اليمن
وفي وقت كشف فيه خوري (الراوي) أن آدم كان يعد رواية لم تكتمل حول “وضاح اليمن”، تحدث باسهاب في الفصول الأولى عن هذا الوضاح، مسقطا حكايته وتأويلاتها على حكاية آدم ومجمل الفلسطينيين، كما رأيت، عبر المقاربة ما بين صمت وضاح الذي أودى به الى الموت، وصمت آدم ومن تبقى من الفلسطينيين في أرضهم، والذي أودى بهم إلى صيغ متنوعة من الموت اليومي والتاريخي، حيث كان الصمت «بطلاً” من أبطال الرواية، كما هو الالتباس الذي رافق الاثنين في حياتهما وغيابهما غير واضح المعالم.

«الغيتو» الفلسطيني والمجازر
وفي فصل «من أين جاء الغيتو؟”، استحضر الراوي أيام «غيتو اللد” الصعبة، وكيف كانت ليلة الفلسطينيين الأولى داخل السياج الذي فرضته عنوة القوات الصهيونية، ويظهر طاغياً على غلاف الرواية، والتي سبقتها ليالٍ ثلال من القتل والذبح.
والجديد في رواية خوري “أولاد الغيتو”، أو “اسمي آدم”، كشفه، من خلال البحث، أن جمع الجثث بعد المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية من قبل فرق من أبناء “الغيتو”، أجبرت على جمع الجثث ودفنها في خنادق جماعية، حيث كان الشبان يعملون طوال النهار على جمع الجثامين وحفر الخنادق في عمل استمر شهراً كاملاً، عرف فيما بعد بـ”شهر الجثث»، مفنداً الروايات التاريخية، وجلّها إسرائيلية، عن ان هذه العملية استغرقت يومين فقط، وأن عدد الجثث لم يتجاوز الـ”250”، ما يوحي بأن العدد الحقيقي لشهداء المجزرة أكبر من ذلك بكثير.
ومما أبدعه خوري بالكلمات، تلك الحكايات المؤلمة التي حدثت في الأسبوع الثالث لعمل الفرق المفجع، حيث أجبروا على جمع ما تبقى من الجثث فوق بعضها البعض، بعد أن تفسخت بفعل طول الزمن وحرارة الصيف، حتى أن بعض قادة الفرق سقطوا مغشيا عليهم من هول المشهد، قبل أن يتم إحراق الجثامين بأيدي الفلسطينيين قسراً، ما أصاب الجميع في الغيتو بحالة هي أقرب إلى الهستيريا، ولعلها هي الحالة التي تصيب القارئ أيضاً، من دقة تصوير المشهد في الرواية، إلا أن الفارق يكمن في أن القارئ قد يبكي، أو حتى ينتحب، في حين أن أهالي الغيتو منعوا من البكاء، فمن يبكي يقتل !

آدم ومزيد من المفاجآت
وبالعودة لحكاية آدم، تتوالى المفاجآت، حيث يتكشف لنا وله، أن منال التي اعتقدها والدته ليست هي كذلك، فقد عثر عليه تحت شجرة زيتون فوق جثة والدته الحقيقية، وهي الحقيقة التي صدمه بها الأب الروحي له ومعلمه “مأمون الأعمى”، الذي وجده تحت الشجرة أثناء هجرة أهل اللد إلى بلدة نعلين ومنها الى مدينة رام الله، وذلك خلال لقاء جمعهما بعد عقود، صدفة، في مطعم الفلافل بنيويورك.
مأمون الأعمى بات أستاذاً جامعياً، بعد أن هجر “الغيتو”، بعد أن أغلقت سلطات الاحتلال الفصل الدراسي الذي كان يدرّس فيه أطفال الغيتو، وبينهم آدم، لتنشئ مدرسة هناك تابعة لها، ملتحقا بعائلته التي هاجرت إلى مدينة نابلس، ومنها ليكمل تعليمه في القاهرة أو بيروت.
أما منال، فهي بالأساس ممرضة كانت هي الوحيدة التي التفتت إلى يدي هذا الاعمى اللتين كانتا تحتضنان الطفل، فقررت تبنيه، قبل أن تمنحه لقب زوجها الذي استشهد قبل زفافهما، وكان من بين الثوار “حسن دنّون”، ليصيح اسمه، من وقتها، «آدم دنّون”.
وهذه الحكاية التي عرفها آدم متأخرا في العقد الخامس من عمره، أدخلته في دوامة جديدة من الالتباس، ما بين أب لا يعرفه، هو أبوه الحقيقي، وأب حمل اسمه هو “حسن دنّون”، وأب روحي له هو “مأمون الأعمى”، والذي ظهر له فجأة بعد غياب ما يقارب الخمسة وثلاثين عاماً، ليقلب حياته رأساً على عقب.
وإذا ما أردنا الحديث عن الصمت، والالتباس، والاختفاء، والتي هي ثلاث ثيمات رئيسة في الرواية، فيمكنني القول إنها لا تلخص فقط حكاية آدم، بل ترافق حكايات وحيوات الكثير من الفلسطينيين منذ النكبة، ولا تزال.
وبقيت ماهية الأب ومصائر الآباء المتعددين لآدم، وخاصة زوج الأم التي عثر عليه فوق صدرها، تطارده حتى رحيله الملتبس أيضاً: هل تركه وأمه وهاجر وحده؟! … أم أن الأم وطفلها ضلا الطريق عن قافلة المهاجرين؟! .. أم أنه كان واحداً ممن قتلوا في مجزرة جامع دهمش، ولم يتبق منهم إلا ناجٍ وحيد، وثق الروايات التاريخية لمجزرة الجامع.
تفاصيل كثيرة ترافق حكاية آدم منذ خروجه من «الغيتو» إلى حيفا برفقة منال التي انتقلت إلى هناك للزواج، حيث لم يرق لزوجها استمرار وجوده بينهما، خاصة بعد بلوغه سن الخامسة عشرة، ليشق طريقه بنفسه بعدها .. ومن هنا بدأت حالة انقطاع تام بينه وبين أمه المفترضة، ليعمل بعدها في كراج بحيفا، ثم صحافيا بعد إكمال دراسته الأكاديمية، قبل أن ينتهي به المطاف في مطعم الفلافل.

التباس الشخوص
ويلتبس على القارئ، ذلك الخلط ما بين شخوص حقيقية كعارف العارف، وايميل حبيبي، واسماعيل شموط، وغيرهم وأخرى متخيلة، يتوقعها البعض حقيقية، في رواية تمزج الواقع بالخيال، لتصب جميعها مجاري أنهار في بحر النكبة.
ومن اللافت أيضاً توظيف خوري لبعض شخوص روايته «باب الشمس»، وتعد من أشهر الروايات التي تناولت النكبة الفلسطينية، ووجد فيها البعض تعبيراً عن استحالة جمع الرواية الفلسطينية بين دفتي كتاب أو رواية، ولعل هذا ما دفع بخوري الى الخروج بـ «أولاد الغيتو»، كاشفا لنا أنها جزء من سلسلة قادمة في ذات الإطار.

حديث في المقدمة
وحاول خوري أن يقدم لروايته بشكل لربما رآه مغايراً، حين استهلها بالقول: «وصلت إليّ هذه الدفاتر من طريق المصادفة، وترددت كثيرا قبل أن أقرر إرسالها إلى دار الآداب في بيروت كي تنشر”، وهي مقدمة تتقاطع مع مقدمات لروايات عدة، بشكل أو بآخر، ومن بينها حديثاً، على ما أذكر، مدخل رواية «عزازيل» للروائي المصري يوسف زيدان، ومدخل رواية «ساق البامبو» للروائي الكويتي سعود السنعوسي .. وإذا ما عدنا لروايات في عقود سابقة فإن الشواهد ستكون أكثر، وهو برأيي مدخل بات كلاسيكياً إلى حد ما، في زمن التجديد في التقنية الروائية، خاصة فيما يتعلق بمداخل الروايات، مع أن هذا لا يقلل من قيمة الرواية، وأهميتها، ليس فقط على الصعيد الأدبي والبنية الفنية، بل كمرجع تاريخي شديد الأهمية، صيغ بنفس روائي مبهر، لراوٍ مخضرم ومقتدر.

الموت الطاغي
وكما هو الموت طاغٍ في “باب الشمس” كان في “أولاد الغيتو”، فآدم قضى منتحراً، حيث عثر على جثته متفحمة في شقته بطريقة أقرب للطريقة التي مات فيها الشاعر الفلسطيني راشد حسين، ولعل في ذلك اسقاطا أيضا على ما اختزنه آدم في لا وعيه ووعيه عن الروايات التي اختزنها داخله حول حرق أهالي اللد، والذين ربما كان والده الحقيقي أحدهم.. وكأن الموت مصير الفلسطيني أبداً.
وهنا أختم، بما قالته اعتدال زوجة مراد، الذي كان على عاتقه جمع جثث شهداء مجازر اللد ودفنها أو حرقها، في الرواية التي برأيي تستحق أن تدرّس في المدارس والجامعات الفلسطينية، مختصرة ربما الحكاية كلها … “يلي طلعوا شربوا كأس الذل، ويلي بقيوا شربوا كأس السم”.

صحيفة الايام

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version