الرئيسية زوايا أقلام واراء رسالة الميلاد..  بقلم: البطريرك ميشيل صباح

رسالة الميلاد..  بقلم: البطريرك ميشيل صباح

 

تنزيل

 

“المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. هذه هي رسالة الميلاد، أن نرفع عيوننا إلى الله فنمجّده ونسبّحه ونستغفره ونستمدّ منه مزيدًا من المحبّة والفرح الذي يملؤنا بالرغم من قسوة الناس علينا. وفي الوقت نفسه ننظر إلى أرضنا، وأمام ظلم الناس الذي نراه فيها، نذكر رحمة الله وقدرته وصلاحه، ونعلم أنّه سبحانه وتعالى قادر على صنع السلام في أرضنا، ولو بدا السلام أمرًا مستحيلًا للكثيرين منّا.

عيد الميلاد، عيد خلاص الإنسان من كلّ الشرور التي تعاني منها الإنسانيّة، والتي نعاني منها نحن في أرضنا. عيد الميلاد يقول، إنّ الخلاص أمر ممكن. خلاص الإنسانية من شرورها، وخلاص كلّ واحد منّا من الشرّ الذي فيه. ولكنّه خلاص نصنعه نحن، لا يهبط علينا من عل. من علُ، أعطانا الله نعمة وقدرة للمحبة وللعمل ولبلوغ الصلاح الذي نريده، والصلاح الذي نبتغيه هو حريتنا ونهاية الاحتلال. عيد الميلاد يقول لنا إن كل واحد منّا أصبح قادرًا لأن يحرّر نفسه من شرّ نفسه، ومن ثم فهو قادر لأن يحرّر نفسه من شر غيره، ومن شرّ الاحتلال.

أتمنى سلامًا في هذا العيد وفي كلّ أيّام السنة القادمة، أتمنّى سلامًا دائمًا لكل بلداننا العربية في شرقنا الأوسط لتعود بلدانًا يسيطر عليها العقل والحكمة والإيمان الصحيح الذي يرى إلهًا يأمر بالمحبة. أتمنى عيد ميلاد مصدرا لحياة جديدة لكل المعذَّبين في بلدان الشرق الأوسط، للمشرَّدين على طرقات العالم، أو في مخيمات اللاجئين خارج بلدانهم وبيوتهم. لهم جميعا أتمنى عيد ميلاد يحمل إليهم حياة جديدة.

أتمنى لأرضنا سلامًا عادلًا ونهائيًّا في قلوب الجميع، سلامًا نصنعه في قلوبنا ثم نثبّته على الأرض. أتمنّى عدلًا وسلامًا وحرّيّة للأسرى ونهاية لعذاباتهم في السجون الإسرائيلية. أتمنّى السلام والعدل والحياة الوافرة لكلّ مَن في قلوبهم يأس. أتمنى عيد ميلاد مصدرًا لحياة جديدة لكل من يلقون بأنفسهم على الموت، ويرون أنّ في موتهم سلاما. لهؤلاء ولنا جميعًا أقول: نعم، نحن في حالة معاناة، وفي حالة ظلم مفروض علينا هو ظلم الاحتلال، والسلام أصبح سرابًا، والسلطات الإسرائيلية تزداد قسوة وإصرارًا وترفض صنع سلام عادل. وحياتنا صعبة على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، أقول إن فلسطين والسلام فيها والعدل فيها، ونحن فيها، كل واحد منّا في أرضنا هذه المقدسة، في حاجة إلى حياة، وإلى فلسطينيين يؤمنون بالحياة ويتغلّبون على اليأس ويبقون أحياء. المقاومة هي البقاء وهي التغلب على اليأس.

من إسرائيل، نحن لا نريد قتل الإسرائيليين، بل نريد أن نستردّ حريتنا وأرضنا. رسالة الميلاد حياة وفرح حياة تقول لنا: يجب أن نجد الطرق الكفيلة التي ترد لنا حريتنا وليس الطرق التي فيها مزيد من القتل لهم أو لنا. ومن ثم، رسالة الميلاد هي نداء لكل مسؤول في صفوفنا، في السياسة أو في الاقتصاد، لتوضيح الرؤية لنا، لأنّنا أوشكنا أن نكون في ظلام دامس. ليقدم المسؤولون لنا رؤية واضحة، حيثما وصلنا وأيًّا كانت الصعاب التي وصلنا إليها. وهذا نداء أيضا إلى رجال الأعمال وأصحاب الأموال، لأن في مقدرتهم أن يخففوا من المأساة. فإن تعثرت المسيرة السياسية ليعمل أصحاب الأعمال على توفير السند والعمل لكل محروم، لكل من لا يجد ما يكفيه. أصحاب الأموال يتحملون مسؤولية للتضحية بما لهم، في سبيل مقاومة اليأس والظلام في قلوب الكثيرين، وفي سبيل توفير حياة اقتصادية طبيعية تحول دون الهجرة ودون الموت، في ظروف سياسية غير طبيعية.

رسالة الميلاد تقول إننا في حاجة إلى أقوياء يعشقون الحياة ويصنعون السلام ويؤمنون به بالرغم من خصم لنا عنيد، متمترس في أسلحته ورؤيته الضيّقة لمستقبله هو نفسه. رسالة الميلاد لنا ولخصمنا، هي سلام على الأرض، سلام من العلى لأرضنا، سلام وعدل متعانقان، ونهاية لكل المظالم.

في كل عام نعود إلى عيد الميلاد وإلى نشيد الملائكة فيه. وإلى سماع كلام الملاك المبشر للرعاة يقول لهم: “أبشركم بفرح عظيم. ولد لكم اليوم مخلص”. نحن حاولنا حتى الآن أن نجد خلاصنا وفرحنا بقوانا، وبقوانا سرنا بحسب منطق الإنسان وقاتلنا فقَتَلنا وقُتِلنا. واقع الله ومنطق الله هو حياة، حياة للفلسطيني، لكل فلسطيني، للأسير ولمن هم خارج السجون. هو حياة لأهل غزة وكلهم في سجن كبير منذ سبع سنوات وما زالوا. مُنِعت عنهم الحياة، لسياسة خوف وقتل، فمنعوا الحياة الطبيعية عن الناس، مليون ونصف من الناس أصبحوا رهائن لسياسة مسؤولين، فيهم وفينا، لا يرون وجه الله ولا يرحمون الإنسان.

عيد الميلاد يقول للجميع إن الله محبة. ومن الممكن للناس أن يستعيدوا حقوقهم بطرق المحبة، مهما بدا الأمر خيالا. الفلسطينيون أناس مؤمنون بإله رحيم أي محبّ للناس، فيمكنهم أن يكتشفوا طرق المحبة. وعلى الإسرائيليين أيضا أن يكتشفوا طرق المحبة، ولهم أيضًا هذا أمر ممكن. فيتوقفون عن ظلمهم للفلسطينيين. وإذاك في المحبة نلتقي، عند أقدام خالقنا نلتقي.

أتمنّى السلام والشفاء لأرضنا، لنا ولمن نصارعهم، حتى ننتزع منهم العدل والسلام. أتمنى الإيمان الصحيح لأرضنا. كلنا فيها مؤمنون بالله، كلنا، مسيحيين ومسلمين، مؤمنون بإله رحيم وعادل وقدير. وهو مستجيب ومكمِّل لكل عمل مستقيم نقوم به، لكل مطالبة بالحياة والحرية.

وصلاتنا في العيد أمام الله تزيل كل الحواجز، فنسأله تعالى أن يضع السلام في قلوبنا وقلوبهم. أن يفتح بصائرهم ليروا مستقبلهم في السلام والعدل معنا. ولنرى نحن أيضا سبل المحبة القوية الفاعلة لاسترجاع حريتنا وكرامتنا. المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام لكل طالب سلام.

صحيفة القدس

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version