تناولت في مقال سابق الإستراتيجية الفلسطينية لإنهاء الإحتلال والمطلوب فلسطينيا, وانتهيت إلى ان الإستراتيجية تتعلق بالرؤية الشاملة الصافية ، وبمعرفة الأهداف القابلة للتطبيق، والآليات التي تنبع من الهدف ذاته، ومن عناصر القوة المتاحة ، وأشرت إلى ان الركيزة الثانية لهذه الإستراتيجية هي إسرائيل على إعتبار ان الأخيرة هي المستهدفة مباشرة من أي إستراتيجية فلسطينية لأنها هي من تحتل الأراضي الفلسطينية وتحول دون قيام الدولة الفلسطينية .
وبعبارة أدق هي من تتحكم في مكونات العملية السياسة الفلسطينية . والخطوة الأولى في هذه الإستراتيجية هي الإلمام الكامل بكل عناصر القوة والضعف في إسرائيل، والوقوف على كل مكونات الشخصية اليهودية ، وماذا تريد إسرائيل، والمعرفة بالأيديولوجية التي تحكم سلوكها، ومعرفة ميكانيزمات عملية صنع القرار, وتركيبتها السكانية ، وتحالفاتها الدولية ، والأهم معرفة ورؤيتها لأمنها وعناصر بقائها.
لم تعد إسرائيل كما فلسطين مجتمعا مغلقا أمام الفلسطينيين، بل التداخل والتأثير المتبادل، والتداخل الجغرافي والبشري واضح في العلاقة ، بل قد تتفرد هذه السمات علاقة إسرائيل بالفلسطينيين، والتي تتداخل ما بين إعتبارات الإحتلال، والإعتبارات الإنسانية كالصحة والتبادل الإقتصادي ، والعمل في داخل إسرائيل. حالة من الإحتلال غير مسبوقة في كل تجارب الدول والشعوب الأخرى. والسؤال هنا ما هي أبرز عناصر الإستراتيجية الفلسطينية المطلوبة لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي؟ اي إستراتيجية إتجاه إسرائيل تقوم على أكثر من عنصر: أولا: كون إسرائيل دولة قوة ، المطلوب فلسطينيا الإبتعاد عن التعامل معها كدولة قوة عسكرية ، في هذا السياق إسرائيل سوف تنجح وتحبط أي سياسات فلسطينية تعتمد على القوة وخصوصا المسلحة .
ثانيا جعل الإحتلال عبئا على السياسة الإسرائيلية داخليا وخارجيا. وجعل المواطن في إسرائيل يشعر بهذا العبء، وهذا ليس بالضرورة باللجوء للعنف بل بالربط بين مستقبل حياته وإستمرار الإحتلال، وهذا الربط ضروري بين منظومة القيم التي تحكم سلوك المواطن في إسرائيل وبين هذا الإحتلال والمقصود محاولة التغلغل في منظومة القيم والحياة وجعل الإحتلال بعبارة أخرى عبئا إقتصاديا وإجتماعيا.
ثالثا التعامل مع عناصر ومكونات البقاء والامن. ورابعا الربط بين هذا البقاء والبيئة الجغرافية التي توجد فيها إسرائيل. وهي بيئة طاردة او مانعة.
وخامسا الربط بين بقاء وأمن الشعب الفلسطيني والشعب اليهودي. التعامل مع عناصر الضعف في داخل إسرائيل وهي كثيرة ابرزها العنصر العربي وإستثماره سياسيا ومجتمعيا وإقتصاديا، وهو عنصر ومكون مهم في أي إستراتيجية ،لأنه عنصر داخلي.
والسؤال الثاني ما هي الاساليب والخيارات الفلسطينية لإنهاء الإحتلال؟ هذه الخيارات والاساليب تنبع من كلية وشمولية القضية الفلسطينية , هذا أولا، وثانيا من شرعية القضية ، والشرعية الدولية والقانونية في إنهاء الإحتلال.
وثالثا في التكامل بين كل الخيارات،اي ان المطلوب خيارات الرزمة الواحدة.
والأهم رابعا في هذه الخيارات الأفق الزمني وأفق الأهداف والمقصود بالأفق الزمني عدم التمسك بحد زمني قاطع، فقد تطول الفترة الزمنية أو تقصر، لكن في النهاية لا بد لهذا الإحتلال ان ينتهي. أما افق الهدف فالمقصود الأهداف الواقعية والقابلة للتطبيق، بعبارة اخرى من الخطأ القول ان الاهداف هي إزالة إسرائيل بالكامل، ورميها بالبحر،او ان المطلوب في هذه المرحلة بفلسطين من النهر إلى البحر. او غير ذلك من الأهداف البعيدة عن الواقعية والتنفيذ في مرحلة إنهاء الإحتلال. والتركيز هنا ‘على إدراك المواطن في إسرائيل ان حكومته تمارس إحتلالا على شعب آخر, وان هذا الإحتلال سيعود بالأضرار الحياتية عليه.
بناء على هذا فان الخيارات ليست أحادية ، وليست قاطعة ، وليست مؤقته، ومن هذه الخيارات أولا خيار التفاوض كوسيلة لتسوية الصراع بالطرق السلمية وصولا لإنهاء الإحتلال.
ليس معنى فشل المفاوضات ان نغلق هذا الخيار ويلقى به في سلة المهملات السياسية بل يبقى خيارا قائما، لكنه يحتاج لترشيد وتغيير بيئة التفاوض بما يعمل لصالح إنهاء الإحتلال. والخيار الثاني وهو خيار المقاومة ـ وهو خيار اكثر محورية وحتمية ، وما يمكن تسميته بالخيار الحتمي ،إستنادا لقاعدة أساسية مستمدة من قانون حركات التحرر «لا إحتلال بدون مقاومة».
ويتطلب هذا الخيار تحديد ماهية المقاومة ، والهدف منها، وأية مقاومة نريد. بإختصار شديد المقاومة التي كفلتها الشرعية الدولية ، وليكن معلوما ان المقاومة العسكرية البحتة تتوافق وسياسات إسرائيل كدولة قوة. وهنا تتعدد اشكال المقاومة بدءا من تثبيت صمود المواطن والمزارع على أرضه إنتهاء بالمقاومة السياسية بكل أشكالها ، والمقاومة المجتمعية والإقتصادية ، والمقاومة في بعدها العالمي الإنساني. وكل اشكال المقاومة التي تحكمها مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ولا تقف حدود الإستراتيجية الفلسطينية في بعدها الإسرائيلي عند حدود المفاوضات والمقاومة ، وأيضا بالتغلغل داخل شرائح المجتمع الإسرائيلي ، وتفعيل الدور السياسي والتشريعي لأعضاء الكنيست العرب، وهذه وسيلة مهمة جدا كانت مغيبة في الماضي ، وتفعيل دور قوى اليسار والقوى المعتدلة في داخل إسرائيل.
ومن الوسائل المهمة في هذا السياق إختراق الوسائل الإعلامية بكل تنوعاتها، ولا مكان لفكرة المقاطعة هنا ، الهدف واضح التأثير في منظومة القيم والتفكير التي تحكم إسرائيل. ولو أردت إختصار هذه الإستراتيجية لقلت ، جعل الإحتلال والقضية الفلسطينية قضية داخلية في إسرائيل.
هذه الإستراتيجية بكل مكوناتها وغيرها الكثير تستند على خصوصية الحالة الفلسطينية الإسرائيلية وتداخلها لدرجة يصعب معها الإنفصال ، والعزلة . ومن الوسائل المهمة ايضا الإستفادة من الجامعات ومراكز البحث المختلفة . هذه الإستراتيجية تقوم على مخاطبة المجتمع الإسرائيلي بكل شرائحه ومكوناته. ويعتمد نجاح هذه الإستراتيجية على نجاح الإستراتيجية الأولى أي نجاح الفلسطينيين في تبني وبلورة إستراتيجية فلسطينية فلسطينية ، لأن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الإستراتيجية ، بل قد تمارس إستراتيجيات إجهاضية ومناهضة ، وهو ما ينبغي التعامل معه بحذر وعقلانية.
هذه بعض ابعاد الإستراتيجية الفلسطينية في بعدها الإسرائيلي. وتبقى الاستراتيجية في بعديها العربي الإسلامي والدولي وهذا ما سيتم تناوله لاحقا.
المواضيع
صصصصص
