الرئيسية الاخبار الامتيازات، المرَضيَّة، والسلطة

الامتيازات، المرَضيَّة، والسلطة

index
امتلاك الثروة يمكن أن يكون أمراً سيئاً كثيراً لروحك. وليست هذه مجرد قطعة عتيقة من الحكمة الشعبية. إنها استنتاج للعلوم الاجتماعية الرصينة، والذي أكدته التحاليل الإحصائية والتجربة. إن الأثرياء هم -في المتوسط- أقل احتمالاً لإظهار التعاطف؛ وأقل احتمالاً لاحترام القواعد -وحتى القوانين، وأكثر عرضة لممارسة الغش، من شاغلي الدرجات الدنيا في السلم الاقتصادي.
من الواضح، حتى لو لم يكن لدينا تأكيد إحصائي، أن الثروة المتطرفة يمكن أن تلحق ضرراً روحياً بليغاً. فلنأخذ شخصاً ربما شخصيته مقيتة وغير مقبولة في ظل الظروف العادية، ولنمنحه ذلك النوع من الثروة الذي يسمح له بإحاطة نفسه بالمتملقين، والذي يجعله يحصل عادة على كل ما يريد. ولن يكون من الصعب رؤية كيف يمكن أن يصبح محباً لذاته وغير مبال بالآخرين بطريقة شبه مرَضية.
وإذن، ما الذي يحدث لأمة تمنح سلطة سياسية متزايدة باطراد لفاحشي الثراء؟
إن أميركا الحديثة هي مجتمع تتركز فيه حصة متزايدة من الدخل والثروة في أيدي عدد قليل من الناس، ولدى هؤلاء الناس نفوذ سياسي كبير -في المراحل الأولى من الحملة الرئاسية للعام 2016، جاءت حوالي نصف المساهمات من أقل من 200 عائلة ثرية. ومكمن القلق المعتاد حول هذه المسيرة نحو الأوليغارشية هي أن المصالح والتفضيلات السياسية للأغنياء جداً تكون مختلفة تماماً عن تلك الخاصة بالسكان بشكل عام، وهذا بالتأكيد أكبر مشكلة.
لكن من الصحيح أيضاً أن أولئك الممكَّنين بالسياسة التي يحركها المال يضمّون عدداً غير متناسب من الذين أفسدتهم عقدة الأنانية. وهو ما يجلبني إلى الدورة الانتخابية الحالية.
لعل التجسيد الأكثر وضوحاً للفكرة التي أحاول طرحها هو الرجل الذي يقود الآن الفريق الجمهوري. ربما كان دونالد ترامب سيظل شخصاً متبجحاً وفتوة مهما كانت محطته الاجتماعية. ولكن ملياراته عزلته عن الضوابط والتدقيقات الخارجية التي عادة ما تحد من قدرة معظم الناس على التعبير عن اتجاهاتهم النرجسية؛ لم يكن هناك أحد في أي وقت في وضع يمكنه من أن يقول له: “أنت مطرود”! والنتيجة هي الوجه الذي تواصلون رؤيته على أجهزة تلفزتكم.
لكن السيد ترامب ليس الملياردير الوحيد المتمركز حول ذاته بطريقة مذهلة، والذي يلعب دوراً كبيراً جداً في حملة الانتخابات الرئاسية للعام 2016.
كانت هناك بعض التقارير الإخبارية المثيرة للاهتمام في الآونة الأخيرة عن شيلدون أديلسون، قطب القمار في لاس فيغاس. وقد شارك السيد أديلسون في بعض إجراءات المحكمة المعقدة إلى حد ما، والتي تدور حول مزاعم بسوء السلوك في عملياته في ماكاو، بما في ذلك وجود صلات بالجريمة المنظمة والدعارة. وبالنظر إلى طبيعة عمله، فإنه قد لا يكون في هذا ما يثير الكثير من الدهشة. لكن ما يثير الدهشة حقاً هو سلوكه في المحكمة؛ حيث رفض الإجابة عن الأسئلة الروتينية وتشاجر مع القاضية، إليزابيث غونزاليس. وذلك، كما أشارت غونزاليس محقة، ليس شيئاً يفعله الشهود عادة.
ثم اشترى السيد أديلسون أكبر صحيفة في ولاية نيفادا. وبينما يتم وضع اللمسات الأخيرة على عملية البيع، قيل للصحفيين العاملين في الصحيفة أن يتركوا كل شيء، وأن يبدأوا بمراقبة كل نشاط للقضاة الثلاثة الذين ينظرون القضية، بما في ذلك السيدة غونزاليس. وعلى الرغم من أن الصحيفة لم تنشر أي نتائج من هذا التحقيق، فإن هجوماً على القاضية غونزاليس، فيما يشبه خط القص الفرعي الوهمي، ظهر فعلاً في صحيفة كونيكتيكت الصغيرة التي يملكها واحد من المقربين من السيد أديلسون.
حسناً، ولكن لماذا نهتم؟ لأن إنفاق السيد أديلسون السياسي جعله لاعباً كبيراً في سياسة الحزب الجمهوري -وبقدر كبير جداً إلى درجة أن الصحفيين يتحدثون بشكل روتيني عن “انتخاب أديلسون التمهيدي”، حيث يتداعى المرشحون
إلى لاس فيغاس لإعلان الولاء.
هل هناك حالات أخرى؟ نعم، في واقع الأمر، حتى لو أن النرجسية فيها لم ترتفع إلى مستوياتها عند أديلسون. وأجد نفسي أفكر، على سبيل المثال، بملياردير صناديق التحوط، بول سينغر، القوة الكبيرة الأخرى في الحزب الجمهوري، الذي نشر رسالة لمستثمر يعلن فيها أن التضخم كان يتفشى -وأنه استطاع أن يعرف ذلك من أسعار هامبتونز للعقارات والفن الراقي. وقد حصل الاقتصاديون على شيء مضحك من تلك الحادثة، ولكن لنتأمل مقدار الاستغراق في الذات المطلوب لكتابة شيء من هذا القبيل بدون التفكير بكيف يمكن أن يبدو لغير أصحاب المليارات.
أو لنفكر في مختلف المليارديرات الذين كانوا، قبل بضع سنوات، يعلنون بوجوه عابسة، وبلا أي علامة على الوعي الذاتي، أن الرئيس أوباما كان يحجم الاقتصاد ويعيقه عن طريق الإيحاء بأن بعض رجال الأعمال قد أساؤوا التصرف. وكما ترون، كان ذلك يؤذي مشاعرهم.
للإيضاح فقط: لعل أكبر سبب لمعارضة سلطة المال في السياسة هو الطريقة التي يسمح بها المال للأثرياء بالتلاعب بالنظام وتشويه أولويات السياسة. وأكبر سبب يجعل المليارديرات يكرهون أوباما هو ما فعله بالضرائب، وليس بمشاعرهم. وتبقى حقيقة أن بعض أولئك الذين يشترون النفوذ هم أيضاً أناس مريعون شيئاً ثانوياً.
لكنها ليست شيئاً تافهاً، مع ذلك. إن الأوليغارشية، حكم القلة، تميل أيضاً إلى أن تصبح القاعدة على يد الأنانيين المتمركزين حول ذواتهم بطريقة مخيفة. أهو استبداد النرجسية؟ حكم القلة السخيفة؟ على أي حال، إنه مشهد قبيح، وسيكون أكثر قبحاً على الأرجح على مدار السنة المقبلة.
باول كروغمان – (نيويورك تايمز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة
.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Privilege, Pathology and Power

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version